أول الكلام

آيةُ النورِ البهيِّ إلى سماحة السيد حسن نصر الله قدس سره

بقلم غسان عبد الله

ماذا؟‏ أيسعفني الغناء عليك مويلايَ..‏ أيسندني النشيدْ؟‏ ووددت لو أني أكحّل بالحديقةِ‏ مقلتيكَ، وَدَدْتُ لو ألقي النهارَ‏ عليكَ، يا سيداً يسافرُ في دمي‏ كالشمس من أقصى الوريدِ..‏ إلى الوريدْ!‏.

من أيّ بحرٍ أبيضِ الأمواج في عينيكَ ابتدِئُ الطريقَ إلى الشطوطِ المفرحةْ؟‏ من أيّ فجرٍ لازَوَرْديّ‏ رؤاهُ ترفُّ بالأمل الحزين مجنّحةْ‏ وبشهوة الريح الأسيرةِ للسفرْ؟‏ هل لم يزل في الوقت مُتَّسَعٌ..‏ لأقرأ ما تيسَّرَ من تباشير الصباح..‏ ومن تسابيح المطّرْ؟‏.. أهناكَ بين منازل الأقمار منزلةٌ‏ لأعلن باسمك الشجريّ فاتحةً‏ لأعراس القمرْ؟‏ وأقولَ: إن قصيدتي‏ من فَيْضِ ما وهبتْ يداكَ وإنني – لو لم تُضئْ عيناكَ -‏ أغنيةٌ تفتّشُ عن وترْ.. عبثاً.. ويرجعها النداءُ بلا صدى.‏

سأقول: إنكَ آيةُ النورِ البهيِّ،‏ زنابقُ “الوجع الشهيّ”،‏ وشهقةُ الفجر المضرّجِ بالندى‏ أيقونةٌ للسحرِ،‏ دهشة نجمةٍ حَيرى‏ إذا بالضوء ما انفجرت‏ ينابيعُ الشموسِ المطفأةْ‏ وأقول: لستَ الكوكبَ المسحورَ،‏ لا القمرَ المهاجرُ،‏ لا رونقَ الإشراقِ أنتَ،‏ وإنما وطنٌ على مرمى الرؤى.‏

كسحابةٍ زرقاءَ..‏ تعبر فوق وجه الماءِ،‏ لا أرضٌ فتأسرها الجهاتُ،‏ ولا سماء لكي تضيق بها السماءُ.‏. يأتي.. فينسكب الضياءُ،‏ تشقُ ثوبَ الصمتِ أغنيةٌ،‏ وينفتح الفضاءُ‏.. تتنزّلُ الأقمارُ،‏ والأشجارُ تنهضُ في براري الفجرِ،‏ ينحسر الشتاءُ‏.. والشمس تنقش في ضمير الليل‏ ذكرى أنها جاءت وتطوي ما تبقّى من ظلال.‏

أرأيتمُ نهراً ينامُ على ضفاف البرتقالِ؟‏ وغيمةً تمشي على ظمأ الرمالِ؟‏ أنا لا أقول سوى رؤايَ..‏ فلا تقولوا: شاعرٌ أسرى بأوديةِ الخيالِ‏ أو ساحرٌ أردتهُ خفقتُهُ‏ بقلبٍ شفَّ عن فيضِ الحريقْ..‏ فَمَسَّهُ بعضُ الجنونِ‏ لو قلت: إن الماء يرشُحُ من أصابعهِ‏ وإن الشمسَ تشرقُ من يدينِ عَلَويَّتينِ..‏ فَصدّقوني‏.

“أنا من رأى” بحراً من الظلمات‏ يُسفِرُ وجهُهُ الليليُّ عن صبحٍ مُبينِ‏ أنا من رأى مولىً كفاتحةِ الكتابِ،‏ لوجههِ الطفليِّ ينكشف الحجابُ..‏ عن الحجابِ، وباسمه يخضرُّ فوق الليلِ..‏ كوكبْ‏.. ولصوته طعم النشيدِ،‏ نداوةُ الفجر الجديدِ،‏ ورعشةُ النايِ المْعذَّبْ.‏

أنا من رأى ما تنثرُ الأقمارُ من ذهَبٍ‏ على صيف الجبينِ،‏ وما تخبّئه النجوم بعمَّتهِ‏ ليطول ليلُ الانتظارِ‏ ورأيتُ كيف اللوزُ يزهر في خريفِ الحلمِ،‏ كيف النخلُ ـ في عينين معجزتين ـ‏ يهطل بالنجوم الخُضْرِ في وَضَحِ النهارِ‏.. وأنا الذي ما زلت، كالفينيقِ، أنهضُ‏ من رمادِ الأسئلةْ‏..

هوا ذا يهلُّ كآيةٍ عصماءَ..‏ في زمنِ المراثي مُنْزَلَةْ..‏ هو ذا.. ويشتعلُ الفضاء كسنبلةْ‏.. ويضيئني زمنانِ من نورٍ ونارْ‏ كيف استباحَ كلَّ أسرار البلاغةِ..‏ وهو يبسمُ بالتحيةِ: يرفعُ يمناهُ بالشرارْ..

أرفع كأسيَ: نخبَ القصيدة إذْ يجيءُ..‏ ولا يجيءْ‏ ويرفُّ فوق جبينه قمران من عشبٍ‏ ومن فرحٍ مضيءْ‏ تتضاءل الأشياءْ حين يغيبُ،‏ والصحراءُ تنشر عريها الأبديَّ،‏ ينغلق الفضاءْ‏ وكغيمةٍ بيضاء..‏ كالقمر المؤبّدِ بالضراعةِ..‏ كالشراع يلفّه غبش المساءْ‏ يمضي ويسفح ظلَّهُ الشجريَّ‏ فوق مساكبِ اللوعةِ‏ ويرمي في دمي جمر الفناءْ.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *