الحرية فعل إيمان ووجود حقيقي مقاربة في المعنى ما بين القيمة المطلقة وضوابط الوجود الإنساني في الفضاء العربي
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
الحريةُ، تلك الكلمة الساحرة المتدفقة في معانيها والتي تحمل في طياتها خلاصة التجربة الإنسانية، ليست مجرد هتافٍ عاطفي يعلو في المحافل أو شعاراً رناناً يُرفع في المناسبات، منفصلاً عن نبض الواقع وتعقيدات الحياة.. هي قبل كل شيءٍ، قيمةٌ حيّةٌ تتجدد، بل هي جوهر القيم جميعها، والبوصلة التي توجه وجود الفرد البشري السوي.
إنها أثمن القضايا والتحديات الوجودية التي خاض الإنسان من أجلها صراعات ومعارك، منذ أن وعى ذاته وأدرك حركيته في هذا العالم، فبذل في سبيلها الغالي والرخيص، وقدّم التضحيات الجسام، لتبقى شعلتها متقدة في وجدانه ووعيه.
نعم، تستحق الحرية التضحية والقرابين، ليس لأنها نقيض العبودية فحسب، بل لأنها -كقيمة إنسانية فطرية – تشكل البيئة الحاضنة لنمو الإنسان وتفجير طاقاته الكامنة وقدراته ومواهبه المخبوءة بالقوة في داخله. في رحابها الداخلي الواسع، تتفتق قوى الإنسان الخلاقة، ويمتد فكره ليعانق آفاق المعرفة، ويتعمق وعيه ليفهم ذاته والعالم من حوله. بها ينفتح مصيره على خط السلامة والتوازن، فتتحول من فكرة نظرية مجردة إلى ممارسة حياتية يعيشها وعياً ومسؤوليات عملية، ينتج من خلالها، ويحضر بفعالية في مسرح الوجود، ويمارس أصالته الإنسانية. الحرية إذن، ليست صفة عارضة، بل هي الجوهر الذي يرتبط به وجود الإنسان معنوياً ومادياً، فتكون وعيه الناقد، وقراره المستقل، وكيانه الذاتي والموضوعي.
بين المثالية الأفلاطونية وواقعية التاريخ
ولكي لا نكون مثاليين في طرحنا، بعيدين عن تعقيدات الواقع البشري المتشابك بمصالحه المتنازعة وصراعاته على السيطرة والتحكم والهيمنة على كل شيء مادةً وروحاً، ينبغي علينا بدايةً الاقرار بأن مفهوم الحرية لم يكن نهائياً وثابتاً عبر حركة التاريخ.. فقد تعددت تعريفات هذه “الكلمة – القيمة” وتنوعت معانيها ومحدداتها المفاهيمية، بارتباطها الوثيق بظروف الزمان والمكان، وبالأسباب والدوافع الذاتية والموضوعية للوجود البشري..
فالحرية كما تصورها اليوناني القديم في إطار “المدينة-الدولة” تختلف عن مفهومها في الفلسفة الحديثة، كما أن ممارستها في المجتمعات الأوروبية تختلف عنها في السياق الحضاري العربي والإسلامي. وهذا التنوع ليس نقيصة أو عيباً في قيمة الحرية، بل هو دليل على حيويتها وقدرتها على استيعاب التحولات الإنسانية الكبرى، وارتباطها الدائم بالغايات والمعاني الحياتية المتعددة.
إشكالية الحرية في الفكر العربي والإسلامي: أسئلة الوجود والمصير
احتلت فكرة الحرية في الفكر العربي والإسلامي، مكانة إشكالية مركزية، حيث أثيرت في مختلف الساحات الفكرية والسياسية، ولا تزال تطرح نفسها بقوة في ظل واقع عربي وإسلامي منقسم على ذاته ومفكك في روابطه وأنسجته القيمية والتاريخية رغم انتمائه لدين واحد، يبحث أهله عن شواطئ الأمان وسط تحديات وعواصف التخلف الاجتماعي والتبعية السياسية والفساد الاقتصادي المستشري حتى النخاع..
وقد كادت تغيب قيمة الحرية بشكل شبه كلي عن المشهد العربي المعاصر، لتحلَّ محلها صور وفصول يومية قاسية، هي بمجملها نتاج مباشر لهيمنة خطابات الاستبداد وسلوكياته، ومواقع العبودية والقهر والإقصاء، سواء أكان دينياً أم سياسياً.. هذا الغياب جعل الحرية أشبه بفردوس مفقود، تتجه إليه أنظار الجماهير وأفئدة (وعقول) المثقفين الذين يتطلعون إلى تحقق التحرر الحقيقي، ويعيشون معركة وجودية مع قوى الاستبداد المتجذرة في بنيتهم التاريخية التقليدية والسياسية الراهنة.
الاستبداد والسياسي والتاريخي- قراءة في نسيج القهر
إن المعركة الوجودية من أجل الحرية في مجتمعاتنا العربية اليوم، تخاض على جبهتين رئيسيتين، تمثل كل منهما كتلة صلبة حديدة متراصة من القهر والاستبداد، المعادي لقيمة الحرية في جوهرها ومعناها الحقيقي:
الكتلة الأولى: استبداد الثقافة المغلقة والهويات القاتلة
تتمثل هذه الكتلة في نخب وخطابات حركات التطرف والتكفير الإرهابية تعطي معنى واحداً نهائياً للإسلام يعبر عن مصالحها في الحكم والسيطرة على البلاد والعباد.. وهي أشادت منظومتها وهيكلها وأقامت وجودها العضوي والرمزي على قواعد متينة من أفكار وسلوكيات الرفض والإقصاء للآخر المخالف.. هذا ولم تكتفِ هذه الحركات بتبني خطاب ديني منغلق، بل “هيكلت” مواقعها على أسس عنفية دموية، واتخذت من القوة الباطشة وسيلة أساسية لتحقيق غاياتها، وفي مقدمتها غاية وغرض الوصول إلى السلطة. إنها تقدم نموذجاً مشوهاً للحرية، تحرر فيه الفرد من قيود المجتمع والإنسانية، ليعاد تقييده بأغلال النص الجامد والتأويل الأحادي، وتستبد إرادته باسم إرادة السماء، فتلغي حريته هو أولاً قبل أن تلغي حريات الآخرين.
الكتلة الثانية: استبداد السلطة المنغلقة (الاستبداد السياسي)
هي كتلة الاستبداد النخبوي الرسمي، التي لا تزال تجثم على صدور المجتمعات العربية والإسلامية، تمتص خيراتها وتستنزف مواردها. هذه الأنظمة ما فتئت تعمل على تركيز وترسيخ مواقع وجودها السلطوي بالاعتماد على البعد الأمني والقمعي، بهدف استمرارية البقاء والسيطرة والنهب.. إنها تخلق واقعاً من الخوف والترهيب، يقتل أي بادرة إبداع أو نقد، ويحول المواطنين إلى مجرد رعايا مستضعفين خانعين خاضعين، وعاجزين عن الفعل، وأدنى مشاركة في صنع مستقبلهم وتقرير مصائرهم.. هذا الاستبداد لا يكتفي بقمع الحرية السياسية، بل يمتد ليشمل قمع الحرية الفكرية والإبداعية، فيخلق جواً من الجمود والركود الفكري.
إن هذا التقاطع بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، يخلق شرنقة محكمة حول المجتمعات والناس، مما يعني أن الوصول إلى قيمة الحرية في بلداننا ليس نزهة، بل هي عملية نضال سياسي وثقافي طويل وممتد زماناً ومكاناً، وكفاح سلمي مرير ومكلف، يتطلب وعياً عميقاً بجذور المشكلة وتشابكاتها.
الحرية المسؤولة: ما بين ضبط المطلق وتحرير النسبي
إن الحرية التي ننشدها، والتي أسهمت في إغناء مسيرة الإنسان وتطوير مواقعه الحضارية في الأمم المتقدمة، لم تكن – ولن تكون أبداً – قيمة منفلتة بلا ضوابط ولا محددات قانونية متوافق عليها. لقد حسمت تلك الأمم أمر حداثتها العقلية والعلمية، وانتصرت فيها قيم العقل والعلم والمدنية، لتدرك أن الحرية الحقيقية تتقيد بقيد الحرية نفسه. إنها حرية مسؤولة، سقفها الأخلاقي هو العمل والبناء والتطوير، وخدمة الناس والمجتمع من خلال بناء دول المواطنة الحقوقية.. إنها حرية تعني المشاركة الفاعلة في تطوير الدولة، والالتزام بقضايا الناس، وممارسة النقد الموضوعي البناء، بهدف تلافي الأخطاء ومراكمة الإنجازات.
هذا المفهوم للحرية المسؤولة هو الذي يصنع الفارق بين الحرية كفوضى هدامة، والحرية كطاقة خلاقة. فالحرية الحقيقية لا وجود لها إلا في كنف دولة مؤسسية عادلة وقوية، تحمي الحقوق وتصون الكرامة. ولا حرية حقيقية إلا بامتلاك الفرد والمجتمع لإرادتهم الحرة، وقناعاتهم المستقلة، بعيداً عن التبعية لأحد، والانخراط الواعي في قيم الإصلاح والتغيير الديمقراطي الهادئ والعقلاني.
حدود الحرية في المجتمع التعددي: نحو أخلاقيات التعايش
للحرية إذاً حدود وضوابط، تنطلق من مبدأ أساسي هو “عدم الاعتداء” على حريات الآخرين. هذا المبدأ لا يعني فقط حظر العنف الجسدي، بل يشمل حظر العنف الرمزي والنفسي، كإثارة مشاعر الآخرين، واستفزازهم في مقدساتهم ومعتقداتهم، أو تقصد الإساءة إلى قناعاتهم، بغض النظر عن رأينا في صحتها. المفارقة هنا أن الحرية نفسها التي نسعى إليها، هي الضمانة الوحيدة لتمكين تلك المشاعر والرؤى والعادات المتنوعة من التعبير عن ذاتها بلا قيود. ففي فضاء الحرية الواسع، تجد جميع الانتماءات (القبلية، الطائفية، العشائرية، الجهوية) مساحتها الآمنة للتعبير، مما يحولها من بؤر صراع محتملة إلى مكونات ثرية للنسيج المجتمعي.
الانتماءات التقليدية: من العائق إلى المورد الحضاري
من الواضح اليوم أن هذه الانتماءات التقليدية باتت تشكل حديث الساعة في ظل الأزمات العربية المتفاقمة. حيث أظهرت وأنعشت هذه الأزمات تلك التكوينات التاريخية ما قبل الحداثية، ولكن بصور سلبية وتعابير فوضوية وآليات عشوائية، في ظل غياب الدولة الوطنية القادرة على احتضانها وتوجيهها بالقانون.. إن توسع هذه الانتماءات وتجذرها في الوعي الاجتماعي الشعبي، جعل السيطرة عليها أو ضبطها مسألة بالغة الصعوبة. فقد فشلت النخب العربية، الرسمية منها والمثقفة، في تقديم قراءات نقدية معمقة، أو معالجات عملية ناجعة لهذه الظاهرة. حتى محاولات التحديث العربية الرسمية، في مرحلة ما بعد الاستقلال، لم تفلح في احتواء هذه الانتماءات أو تجاوزها بالعقل والقانون، بل غالباً ما قامت بمواجهتها وتوظيفها أو قمعها، دون قدرة على تحويلها إلى طاقة بناء خيّرة.
إن عدم قدرتنا على إلغاء هذه الانتماءات والتنوعات – وهو أمر غير مطلوب أصلاً لأنها تشكل ثراءً تاريخياً – لا يعني إعلان العجز عن تفهمها واستيعابها. بل على العكس، يجب الاعتراف بوجودها كواقع حي، كشرط مسبق للتعامل الإيجابي الفاعل معها. والهدف الاستراتيجي يجب أن يتمحور ويتركز هنا على كيفية تحويلها – في ظل الدولة المدنية الديمقراطية – إلى حالة غنى فكري وتنوع ثقافي وحضاري مثمر..
إننا نعتقد أن مشكلة الانتماء التقليدي تتحول إلى صراع مدمر عندما يتعاظم شعور الفرد بهذا الانتماء على حساب شعوره الوطني والمدني العام. وهذا الصراع لم ينشأ تاريخياً في ظل الأنظمة التعددية الديمقراطية، التي استطاعت استيعاب الاختلافات وإدارتها، بل في ظلال البنى المترهلة للأنظمة الديكتاتورية المغلقة، المعادية للحرية بطبيعتها. هذه الأنظمة، القائمة على عقائد اصطفائية شمولية، هي التي تخلق المناخ الملائم لتفجر الصراعات العرقية والطائفية خصوصاً عندما تعاملها بتمييز وتنظر إليها بدونية.
فشل الحداثة العربية وعودة ما قبل الوطني
لقد فشلنا نحن العرب عموماً في وعي قضية الحرية بذاتها، وعجزنا عن تمثلها فعلياً في مؤسسات الدولة والمجتمع، وإنجاز الحداثة العقلية (العلمية) والمدنية الراسخة لهياكل الدولة السياسية والإدارية. هذا الفشل هو الذي أتاح لهذه الانتماءات التقليدية أن تبرز على الساحة، وتتضخم، وتبني مواقع موازية لهياكل الدولة، بل وتتفوق عليها أحياناً في القوة والنفوذ.
وفي ظل فشل المشاريع السياسية العربية في التعامل العقلاني مع هذه التكوينات، والاكتفاء بالتعامل “الأمني – العسكري” الوظيفي والأداتي القمعي معها، أو اتخاذ إجراءات بيروقراطية سطحية، تولدت صراعات عنيفة كلفتنا غالياً، ودفعت الناس بقوة إلى الارتماء مجدداً في أحضان تكويناتهم التقليدية، بحثاً عن ملاذات آمنة تحميهم من وحشية السلطة.
الحرية كعلاج جذري وفضاء للبناء
إن العلاج الجذري لهذه الإشكالية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قيمة الحرية ذاتها، كتربة خصبة وفضاء رحب لبناء الدولة المدنية العربية الحديثة..
وهذا العلاج لا ينبغي أن ينطلق من قمع هذه الانتماءات أو كسرها، فهذه وصفة مؤكدة للفشل وتأجيج الصراعات واشتعال الحروب.. بل يجب أن ينطلق من وعيها العميق، وإدارة اختلافاتها بحكمة، واعتبارها حالة غنى تاريخي يجب المحافظة عليه وتطويره. الهدف هو بناء نموذج حديث لاجتماعنا السياسي والديني، يقوم على قيمة الحرية، بهدف بناء دول حديثة، مدنية، قانونية، مؤسسية، تقوم على عقد اجتماعي وطني جامع، ينبغي أن يشعر فيه الجميع، من كل الانتماءات، بالمساواة الحقيقية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ويسود فيه منطق الاعتدال والعقلانية، بعيداً عن القهر والاستبداد والتطرف والعصبيات العمياء، وإقصاء الرأي الآخر.
في هذا الفضاء وحده، تتحول الحرية من حلم مؤجل إلى واقع معاش، وتتحول الانتماءات من خنادق صراع إلى روافد تغني نهر الوطن الكبير.. لتكون الحرية وعي هذا الإنسان بقيمته، وقدرته على اختيار مصيره، وتحمل مسؤولية هذا الاختيار، في إطار لا يعتدي فيه على حريات الآخرين، مع سعيه الدائم للارتقاء بإنسانيته نحو الأفضل والأجمل والأرقى فكراً وعملاً.
