فضاءات فكرية

حِكمةُ التّاريخ وعبَرُه ودُروسه.. هُرمز الثانية: كيفَ يمكن أن تتكرر دروس السويس في عصر الهيمنة الأمريكية؟!

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

وما جرى لبريطانيا العظمى عندما فقدت السيطرة على شريانها الاستراتيجي في قناة السويس، قد يتكرر اليوم مع الإمبراطورية الأمريكية إذا ما فقدت قبضتها على مضيق هرمز، ذلك المضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو ثلث النفط العالمي.

قناة السويس… شريان الإمبراطورية البريطانية

كانت قناة السويس – التي حُفرت بين عامي 1859 و1869 تحت إشراف الفرنسي فردينا دي ليسبس – أكثر من مجرد ممر مائي للسفن.. إنها بمثابة الحبل السري الذي ربط بريطانيا بمستعمراتها الكثيرة في الهند وآسيا، وأهم نقطة استراتيجية في لعبة الهيمنة العالمية.. وعلى الرغم من أن القناة كانت تقع على الأراضي المصرية، فإنّ شركتها كانت مملوكة بشكل أساسي لبريطانيا وفرنسا، بينما كانت مصر تحصل على هامش ضئيل من عوائدها وأرباحها.

ظلت القناة رمزاً للاستعمار والنهب الذي مارسه بحق شعوبنا حتى قيام ثورة 23 تموز 1952م بقيادة الضباط الأحرار، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي اختار فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر انتزاع القرار السيادي من يد الإمبراطوريات.. وكان الرفض الغربي لتمويل السد العالي في أسوان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ليأتِ الردُّ المصري حاسماً وجريئاً من خلال الإعلان عن تأميم قناة السويس في 26 تموز عام 1956م.

التأميم كصفعة في وجه الاستعمار الغربي

في خطابه الشهير في ميدان المنشية بالإسكندرية، أعلن عبد الناصر كلمته التي غيرت تاريخ المنطقة: “تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس… اليوم، أيها المواطنون، استرددنا حقنا“.. وعندها انطلقت القوات المصرية للسيطرة على مقرات الشركة في كل من بورسعيد والإسماعيلية والسويس.

ولم تكن هذه الخطوة مجرد قرار اقتصادي؛ بل جاءت إعلاناً صريحاً بأن زمن الوصاية والهيمنة قد انتهى.. لكن رد الفعل الغربي كان عنيفاً، فقد اجتمعت بريطانيا وفرنسا مع الكيان الصهيوني في سرية تامة بمدينة سيفر الفرنسية، ووضعوا خطة للعدوان الثلاثي على مصر.. وكانت الخطة تقوم على أن يهاجم الكيان سيناء، ثم تتدخل الدولتان الأوروبيتان بحجة “حماية القناة”، بهدف إسقاط النظام المصري، واستعادة السيطرة على الممر الحيوي..

العدوان… ومقاومة بورسعيد الأسطورية

في 29 تشرين الثاني من العام 1956م، بدأ العدوان الثلاثي باجتياح القوات الصهيونية لسيناء وقطاع غزة، تلاه القصف الجوي البريطاني الفرنسي على المطارات المصرية، ثم الإنزال البحري في بورسعيد وبور فؤاد.. لكن ما لم تتوقعه القوى الغازية هو تفجر المقاومة الشعبية الأسطورية في مواجهة قوى العدوان.. حيث تحولت بورسعيد إلى ساحة ملحمية، ونزل قاتل المدنيون بالبنادق القديمة والعصي والحجارة ليقاتلوا جنباً إلى جنب أخوتهم وأبنائهم من قوات الجيش المصري.

ألقى عبد الناصر خطابه من جامع الأزهر داعياً إلى الجهاد والصمود، بينما كانت الأمهات يحملن أسلحتهن دفاعاً عن الأرض والكرامة. هذه المقاومة العنيدة كسرت الصورة النمطية عن الشعوب العربية المستضعفة، وأثبتت أن الإرادة الوطنية يمكنها أن تصمد أمام أقوى الآلات العسكرية.

الضغوط الدولية وانسحاب المهزومين

على الرغم من التفوق العسكري للمعتدين، فشل العدوان سياسياً بشكل مذل. وقفت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس أيزنهاور، ضد حليفيها الأوروبيين، خوفاً من دفع المنطقة نحو الاتحاد السوفييتي. مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة، وهددت ببيع الجنيه الإسترليني، مما هدد الاقتصاد البريطاني بالانهيار.

في المقابل، هدد الاتحاد السوفييتي بالتدخل العسكري المباشر، وصعدت الأمم المتحدة بإدانة دولية للعدوان. تحت هذه الضغوط، اضطرت بريطانيا وفرنسا إلى الانسحاب في ديسمبر 1956، يليه انسحاب الكيان الصهيوني من سيناء وغزة في آذار عام 1957م. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُجبر فيها إمبراطورية عظمى على التراجع بهذا الشكل المهين.

الدروس المستفادة… انهيار الإمبراطوريات ليس مستحيلاً

كانت أزمة السويس نقطة تحول كبرى في التاريخ الحديث.. فقد أظهرت أن الإمبراطوريات، مهما بلغت قوتها وعلت سطوتها، ليست منيعة ولا حصينة من الضعف والانهيار.. فعصر الهيمنة البريطانية-الفرنسية التقليدية انتهى في الشرق الأوسط، ليحل محله نفوذ أمريكي وسوفييتي.. واستقال رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن، كما سقطت الحكومة الفرنسية، بينما خرج عبد الناصر بطلاً قومياً وعربياً، وأصبحت القناة مصرية بالكامل.

لكن الأهم من ذلك، أن الأزمة ألهمت حركات التحرر في أفريقيا وآسيا، وأظهرت أن الاستعمار يمكن هزيمته إذا توافرت الإرادة السياسية والمقاومة الشعبية. كما عززت حركة عدم الانحياز، وأثبتت أن العالم لم يعد ثنائي القطب بشكل مطلق. ولكن ما وجه الشبه بين قناة السويس، ومضيق هرمز؟!..

مضيق هرمز… السويس الجديدة؟!

على الرغم من أن بعض الفروقات بينهما، ومن بعد ما يقرب من سبعة عقود على نهاية أزمة السويس، يعيش العالم في أيامنا هذه، حالة مشابهة من التوتر والصراع حول مضيق هُرمز، ذلك الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو ثلث النفط المنقول بحراً في العالم. فإيران، التي تطل على هذا المضيق، تلوح باستمرار بإمكانية إغلاقه رداً على العدوان الأمريكي الصهيوني ضدها، الذي استهدف قيادتها السياسية والعسكرية، ويعمل على تحطيم بنيتها الصناعية والاقتصادية والعسكرية والبشرية.. وما يجعل المشهد أقرب إلى أزمة السويس هو أن الولايات المتحدة، مثل بريطانيا سابقاً، تعتبر هذا المضيق جزءاً من أمنها القومي واستراتيجيتها العالمية في فرض هيمنتها وسطوتها من خلال ما تبديه من رغبة جامحة للتحكم به.

وإذا ما فقدت واشنطن السيطرة على مضيق هرمز، فإن التداعيات ستكون كارثية ليس فقط على الاقتصاد العالمي، ولكن على الهيمنة الأمريكية نفسها. فكما أن فقدان السويس كان بداية انهيار الإمبراطورية البريطانية، فإن فقدان هرمز قد يكون الضربة القاضية للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وبداية عصر جديد من التعددية القطبية.. أي أن الأمر هنا سيكون أسوأ بكثير على أمريكا والغرب بكثير مما جرى سابقاً في قناة السويس، مع الهزيمة المنكرة التي مُنيت بها بريطانيا على وجه الخصوص، حيث أنّ هرمز ليس مهماً وحيوياً فقط لأنّ حوالي 30 بالمائة من الكمية الإجمالية للنفط العالمي تمر عبره (كما ذكرنا سابقاً)، بل هو أكثر أهمية لكونه يتعلق بالثورة التكنولوجية والرقمية وطفرة الذكاء الاصطناعي التي تبلغ استثمارات الدول الكبرى فيها أكثر من تريليون دولار، ومصير كل هذا متعلق بهذا المضيق الذي هو الطريق الوحيد لمرور الغازات عالية النقاء (وهي عصب الصناعة الرقمية المتصلة بالرقائق الذكاء الاصطناعي).. وهذا ما أشارت إليه وأكدته كبريات الشركات التكنولوجية العملاقة..

أمراض المنطقة المزمنة… العائق الحقيقي

لكن السؤال الأصعب هنا: لماذا لم تتعلم المنطقة الدرس بعد؟! ولماذا لا تزال دول الخليج وعموم بلدان العالم العربي تعاني من الأمراض المزمنة نفسها: الانقسام، والفساد، والاستبداد، والتبعية للخارج والخضوع لرغباته وأوامره؟! إن معاناة المنطقة اليوم من الصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية تعيد إنتاج مشهد الضعف والهوان والخنوع الذي سبق عدوان 1956م.

فعرب اليوم مشتتون، ضائعون، تتقاذفهم النزعات الإقليمية والفئوية، وتتحكم بهم أنظمة (معظمها عميل ومستلب الإرادة)، تستنزف مقدرات الشعوب وتُبقيها في حالة ضعف مستمر ومتواصل.. وهذا الضعف هو الذي يستدرج التدخلات الخارجية، ويجعل منطقتنا ساحة مفتوحة للمغامرات العسكرية ومشاريع الهيمنة.

الكيان الصهيوني… خنجر في القلب

وهكذا لا يمكن الحديث عن تحديات المنطقة دون التطرق إلى الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، الذي هو خنجر مسموم زُرع في قلب المنطقة لكي يبقيها في حالة استنزاف وضعف وتوتر دائم. وإن استمرار هذا الكيان، المدعوم أمريكياً وغربياً، هو أحد أهم الأسباب الرئيسية لحالة عدم الاستقرار في المنطقة كلها.. فطالما بقي هذا الكيان مصدراً للصراعات والحروب والفتن، فإن المنطقة ستبقى رهينة لأجندات خارجية، ولن تتمكن من تحقيق الأمن والاستقرار المستدامين.. كما أن وجود هذا الكيان عمّق ويعمق الانقسام العربي، ويُضعف القدرة على بناء تحالفات إقليمية قوية قادرة على حماية المصالح الوطنية والعربية المشتركة.

نحو استقرار حقيقي… شروط التحرر

إن الدروس المستفادة من أزمة السويس تؤكد على أن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا مع أبناء المنطقة.. بمعنى أن قوى الهيمنة والنهب الخارجية فشلت على الدوام في تثبيت دعائم هذا الاستقرار، ومع بقائها هنا – من خلال قواعدها العسكرية والأمنية – ستستمر حالة القلق والتوتر ووجود قابليات دائمة لاشتعال العنف والحروب، خصوصاً مع وجود الكيان الصهيوني كأداة للهيمنة الغربية. إضافة إلى أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق دون معالجة الأمراض الداخلية: الفساد والاستبداد والتشرذم.

إن المنطقة بحاجة إلى مشروع نهضوي عربي حقيقي، يعيد الاعتبار للإرادة الوطنية، ويبني اقتصادات قوية ومجتمعات متماسكة، ويستثمر الموارد الطبيعية لخدمة الشعوب وليس لتمويل مشاريع الهيمنة الخارجية. كما تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تكون السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.

وقد أثبتت مصر والعرب قبل حوالي سبعين عاماً أن الإرادة الوطنية يمكنها أن تهزم الإمبراطوريات الكبرى.. واليوم، ومع تصاعد التوتر والأعمال الحربية حول مضيق هرمز، ومحاولات أمريكا وعملائها في المنطقة السيطرة عليه، بعدما كان مفتوحاً مجاناً للجميع، تلوح الفرصة مجدداً لتغيير معادلات القوة في المنطقة. لكن هذا التغيير لن يحدث بالخطابات وحدها، ولا بالوعود الفارغة، بل بتغيير حقيقي في بنية الدول العربية، وبوحدة الصف، وبإرادة شعبية صادقة تضع السيادة والكرامة فوق كل المصالح الفئوية والضيقة.

وإن ما جرى سابقاً في قناة السويس، يجري اليوم حول مضيق هرمز، فالقوى الاستكبارية الغربية لم تتغير في بنيتها الداخلية، ولا يمكن أن تتغير، إذ لا همّ ولا هاجس لنخبتها الحاكمة، والتي تهيمن عليها نخب المال والاقتصاد العالمي، سوى الإمساك بموارد العالم ومنافذه وممراته، واستغلال (وشفط) ثروات شعوب المنطقة بالذات.. وعندما نمر هنا على قناة السويس ونتحدث عنها كذكرى في التاريخ، فإننا نريد من خلال هذا، أن ندعو كل عربي – يتطلع لاسترداد كرامته وسيادته ووجوده الحي الفعال والمنتج – أن يعي حقائق ما يجري؛ وأنه كما صمدت بورسعيد في وجه أعتى القوى الاستعمارية، يمكن اليوم للمنطقة بأسرها أن تصمد وتنتصر، إذا توافرت الإرادة والوحدة والوعي.. والتاريخ يعيد نفسه، لكنه هذه المرة قد يكون في صالح شعوب المنطقة، إذا قررت أن تكون هي سيدة قرارها، لا رهينة لمشاريع الآخرين ومجرد مطية لرغبات نخبتهم الدنيئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *