أول الكلام

كأنْ غابتِ الشمسُ إلا قليلا..‏

بقلم غسان عبد الله

أنا المتعثِّرُ بالدمعِ القرويِّ.. الحزينُ‏.. بكتني أطلاليَ الموحشاتُ‏ وشيّعني للغروبِ رثائيْ ثلاثينَ عاماً يكرِّرُني الانتظارُ‏ على صخرِهِ المرِّ،‏ والحزنُ يدفعُني لاجتيازِ المتاهاتِ‏ ما من نشيدٍ يذكِّرُني بالضراعةِ‏ أو أغنياتٍ تهزُّ سريري القديمَ‏ كأنيَ من أوّل العمرِ‏ ما زلتُ أعدو ورائيْ!!‏. أُراكِضُ في الرِّيحِ حَقْلاً من القمحِ‏ خلفَ الغيومِ‏ وأصرخُ أماهُ!!‏.

هذي العصافيرُ تُشْبِهُني بالزغاريدِ،‏ هلْ تهرمُ الطيرُ عندَ الخريفِ؟‏!.. لماذا إذنْ تتبعُ الشمسَ نحو المغيبِ‏ وتسقطُ في آخرِ الدكنةِ الداجية؟‏ لماذا أجاهرُ في الروحِ هذا الغناءَ؟‏ وأصدو كناي النحيبِ‏ على سنةٍ آفلهْ!!‏ لماذا تعودُ السنونو‏ إلى عشِّها في المساءِ؟‏ وأرحلُ مثل الذئابِ‏ إلى وحشةِ الباديهْ!‏!.

جدٌّ حنونٌ، شتاءٌ،‏ فراشاتٌ تهشلُ بين التكايا،‏ ومدفأةٌ صاديهْ‏.. فأسمعُ شجوَ المواويلِ في شجرِ الليلِ‏ يُصدي أحنَّ من الغَفَيَانِ‏.. وأَسْمَعُ صوتَ الدعاءِ الحزينِ‏ يعمّرُ كوخاً‏ بحقلِ عذابي‏ فأسألُ نفسيَ عن نفسِها،‏ وأشدُّ عليَّ اللحافَ من البردِ‏.. ما أدفأ البردَ!‏!. ما أعذب المطرَ المتهالك بين المزاريب!‏! والشمسَ وهي تقشع غيمَ الكآبةْ!.

فَلْتَشْتُ إذن كلُّ تلك الغيومِ‏ ولْتَلْسَعِ الريحُ بالهذيانِ جبيني!!.. لِيتبعني أينما رحتُ طيرُ الحواكيرِ،‏ والسنبلُ الجبليُّ‏.. لعلّي أرمّمُ ما حُتَّ من أمليْ‏ ويقيني‏.. لتتبعني شدّةُ القمحِ صفراءَ،‏ زغرودةُ العرسِ بيضاءَ‏ كيما أعزّزَ من ندميْ،‏ وأرقّعَ بالقشّ ثوبَ سنينيْ‏.. كأنَّ كلَّ ما مرَّ منّيْ على الأرضِ‏ محضُ غناءٍ على أملٍ ضاعَ!‏!.. والركضُ في الصيفِ خلفَ السحبْ‏.

ولكنني الآنَ أشعرُ‏ ظفرَ الكهولةِ يحفرُ في الروحِ‏ أنفاقَهُ المظلماتِ،‏ وثعلبةَ الأربعينِ‏ تشقُّ أخاديدها عبرَ وجهي الحزين،‏ ويشتدّ حزنُ المهبْ‏.. وحزنٌ تعودّتُ علقمَهُ الفجَّ‏ حتى وجدتُ عزائيَ في الحبْ.. منحدراً من أعالي غنائي‏ إلى هوّة اليأسِ‏ أستدرجُ الروحَ نحو صداها البعيد،‏ وأُسقطها كالصراخِ‏ إلى قاعها المنتحبْ‏.

بلا أيّ إثمٍ‏ أُسائلُ نفسيْ عن الريحِ:‏ أينَ ثياب الطفولة كيما أشمّ رياحينها،‏ والطيورُ التي رعرعتْ روحيَ المستهامَ‏ على رَجْعِ تغريدها‏ في هواءِ العنبْ؟‏.. وأينَ مناديل أميْ لأربطها على شجرِ الكينا؟‏.. وأغفو بكاملِ روحيَ‏ تحتَ حفيف غصونِ القصبْ‏.. كأنْ غابتِ الشمسُ إلا قليلا.

ولم يبقَ غيرُ خريفٍ‏ يلاطمُ أغصانَهُ بالعراءِ‏ ليرمي بها في ضريحِ الحطبْ‏.. أنا الطفلُ‏ أوّلَ يومٍ رأيتُ ولياً‏ فشيخاً، فكهلاً‏ وراحت تدورُ بيَ الأرضُ‏ بينَ القبورِ‏.. إلى أن رأيتُ ملاكَ وجودي قريباً‏ من الموتِ،‏ أطلقتُ تنهيدةَ الاحتضارِ الأخيرةَ‏ ثمّ انسللتُ إلى حِجْرِهِ‏.. أهلتُ عليّ ترابَ الحياةِ الأحبّْ‏.

يا لَلحياةِ لا تُعيدُ طفولةً.. ولا تُرجِعُ عهداً مضى.. يا دنيا غرِّي غيري.. أو يا موتُ أحبب بكَ لقائي.. ها أنذا في أوائل.. كأني ما زلتُ أعدو ورائي.. ورائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *