الإمارات في قَلبِ الحَرب على إيران.. من التَطبِيع إلى الشَراكة العَسكَرية مع إسرائيل وأمريكا
بقلم زينب عدنان زراقط
هدنة أخرى “كاذبة” تستهزئ بالساسة اللبنانيين، رعاة التفاوض المُباشر مع إسرائيل، الذين ما زالوا يعوّلون على الرعاية الأمريكية لوقف إطلاق النار في لبنان، على الرغم من أن الوقائع الميدانية والسياسية تثبت يوماً بعد يوم أن واشنطن لا تنظر إلى المنطقة إلا من زاوية المصالح الإسرائيلية ومشاريع الهيمنة الأمريكية.
وفي المقابل، يواصل دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، على الرغم من أن أبرز أولويات هذا المقترح وقف الحروب المشتعلة في المنطقة، ولا سيما في لبنان. ولم يأتِ هذا الرفض فقط استجابةً لرغبة بنيامين نتنياهو باستمرار العدوان الإسرائيلي وأعماله العسكرية في المنطقة، بل أيضاً بدفعٍ مباشر من بعض دول الخليج العربي التي دفعت نحو استمرار الحرب على إيران، مسخّرةً حدودها، وقواعدها العسكرية، ومجالها الجوي للطيران والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية.
لكن سرعان ما زَهِقَتْ آمال كل من خان عروبته وارتهن للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، بعدما مرّغت إيران أنف الولايات المتحدة وإسرائيل بالتراب، عبر قدرتها على الصمود والرّد وإرباك الحسابات العسكرية والسياسية للمعسكر المقابل، ما أدخل حلفاء واشنطن الإقليميين في حالة صدمة وارتباك سياسي وأمني.
وقد بدا هذا التخبط الخليجي جلياً في إعلان ترامب الأخير التراجع عن العمل العسكري الواسع الذي كان مقرراً بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، وذلك عقب ضغوط وطلبات من دول خليجية أعربت عن تضررها المباشر ورفضها استكمال العدوان على إيران، بعدما أدركت أن أسطورة الحماية الأمريكية والإسرائيلية ليست سوى وهمٍ “أوهنُ من بيت العنكبوت”، وأن أي مواجهة شاملة ستجعل الخليج بأكمله في قلب النار.
إلا أن الإمارات اختارت المضي بعكس التيار، متمسكة بخيار التصعيد، ومعبّرة عن غضبها واستيائها من الجهود القطرية والسعودية الرامية إلى إنهاء الحرب واحتواء المواجهة، في مشهد كشف حجم الانقسام داخل البيت الخليجي حول العلاقة مع إيران وحدود الانخراط في المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة.
فكيف تحولت الإمارات من شريك في مسار التهدئة الخليجي إلى رأس حربة في مشروع التصعيد ضد إيران؟ وما طبيعة التنسيق الأمني والعسكري الذي جمع أبو ظبي بتل أبيب وواشنطن خلال الحرب؟ وهل باتت الإمارات جزءاً من تحالف عسكري إقليمي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة لإعادة رسم توازنات المنطقة بالقوة؟.
أولاً: كيف انخرطت أبو ظبي في الحرب على إيران
خدمةً للمشروع الأمريكي الإسرائيلي؟
كشفت تقارير ومصادر مطلعة عن دور إماراتي متقدم في التصعيد العسكري ضد إيران، ضمن تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، في وقت كانت فيه بعض العواصم الخليجية تميل إلى التهدئة والوساطة بدل الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة. وبحسب المعلومات المتداولة، شنت الإمارات هجمات متكررة باستخدام طائرات حربية ومسيّرات صينية الصنع، بالتنسيق مع “إسرائيل” وواشنطن، واستهدفت إحدى الضربات مصفاة نفطية داخل الأراضي الإيرانية. كما تزامن ذلك مع تنفيذ سلاح الجو السعودي ضربات هجومية مباشرة ضد مواقع إيرانية لإطلاق الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب قصف مواقع في العراق مرتبطة بفصائل المقاومة.
غير أن مسار الحرب كشف سريعاً عن انقسام خليجي عميق بشأن طبيعة المواجهة مع طهران. فقد أبدت أبو ظبي غضباً شديداً من تحركات قطر والسعودية لإنهاء التصعيد عبر الوساطات السياسية، معتبرة أن الموقف الخليجي لم يكن على مستوى “التحالف” الذي كانت تنتظره. وفي هذا السياق، عبّر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، عن امتعاض بلاده من مواقف بعض دول الخليج، قائلاً: “بدلاً من أن يدعمونا، توسطوا”. وأضاف في تصريحات لافتة: “الخلط في الأدوار خلال هذا العدوان الإيراني الغاشم محيّر، ويشمل دول المنطقة المحيطة بالخليج العربي. فاختلط دور الضحية بدور الوسيط، والعكس صحيح، وتحول الصديق إلى وسيط بدلاً من أن يكون عضيداً ومسانداً. وفي هذه المرحلة الأخطر في تاريخ الخليج الحديث، وفي خضم هذا العدوان الغادر، يبقى الموقف الرمادي أخطر من اللاموقف”.
وكشفت وكالة “بلومبرغ” عن كواليس هذا التوتر الخليجي، مؤكدة أن الإمارات حاولت دفع السعودية وقطر نحو تبني رد عسكري خليجي منسق ضد إيران عقب الهجمات التي تعرضت لها المنطقة، إلا أن الرياض والدوحة رفضتا الانجرار إلى حرب شاملة. ووفقاً للتقارير، سعت أبو ظبي لإقناع قادة الخليج بضرورة الرد الجماعي لردع طهران، غير أن السعودية اختارت مساراً أكثر حذراً، قائماً على تنفيذ ضربات محدودة بالتوازي مع دعم جهود الوساطة، خشية الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
هذا التباين كشف عن خلافات عميقة داخل البيت الخليجي، بل إن الحرب عمّقت الشرخ السعودي الإماراتي بدل أن توحّد المواقف في مواجهة إيران. فبينما بدت الإمارات الأكثر اندفاعاً نحو التصعيد، كانت الرياض أكثر ميلاً للحسابات الاستراتيجية طويلة الأمد. ويُعزى الموقف الإماراتي المتشدد إلى شعور أبو ظبي بانكشافها الجغرافي والاقتصادي أمام أي رد إيراني محتمل، خصوصاً مع اعتمادها على صورتها كمركز مالي وسياحي عالمي، مقارنة بالسعودية التي تمتلك بدائل استراتيجية لتصدير النفط عبر البحر الأحمر بعيداً عن الخليج.
وتشير المعلومات إلى أن هذا التعاون شمل تبادلاً استخباراتياً واسعاً ونشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية داخل الإمارات، إضافة إلى تنسيق عمليات استهداف داخل العمق الإيراني. وعلى الرغم من عمق هذا التعاون، تحاول أبو ظبي إبقاء كثير من تفاصيل العلاقة الأمنية مع “إسرائيل” بعيداً عن الواجهة الإعلامية، في ظل الرفض الشعبي العربي المتزايد للتطبيع، خصوصاً بعد حرب الإبادة التي شهدها قطاع غزة.
كما امتد التوتر الإماراتي إلى ملفات اقتصادية ودبلوماسية أخرى. فقد تحدثت تقارير عن رفض أبو ظبي تمديد قروض لباكستان بسبب دورها في الوساطة بين واشنطن وطهران، بينما تدخلت السعودية لاحقاً لدعم إسلام آباد مالياً، في خطوة عكست استمرار التباين بين الحليفين الخليجيين في إدارة الأزمة الإقليمية.
وبحسب المصادر نفسها، فإن خيبة الأمل الإماراتية من الموقف الخليجي كانت أحد الدوافع الرئيسية وراء قرارها المفاجئ بمغادرة منظمة “أوبك”، بعدما شعرت بأنها تُركت وحيدة في مواجهة آلاف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، رغم تحالفاتها الإقليمية والدولية.
ثانياً: كيف تحولت العلاقة الإماراتية الإسرائيلية
إلى تنسيق عسكري مباشر ضد إيران؟
وفي ظل تعثر مشروع “الرد الخليجي الموحد”، اتجهت الإمارات إلى تعميق تعاونها الأمني والعسكري مع “إسرائيل”. ففي ذروة المواجهة الإقليمية مع إيران، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح تحالف أمني وعسكري متقدم بين أبو ظبي وتل أبيب، تجاوز حدود التطبيع السياسي والاقتصادي الذي أُعلن ضمن “اتفاقيات أبراهام”، ليدخل مرحلة التنسيق العملياتي المباشر في الملفات الأمنية والعسكرية.
صحيفة لوس أنجلوس تايمز أشارت إلى أن بنيامين نتنياهو، أثناء إدارته لعلاقات الاحتلال مع الإمارات، كان يصطدم بحقيقة أساسية تتمثل في أن القيادة الإماراتية تفضّل العمل بصمت بعيداً عن الأضواء، خصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بالحرب على إيران والتنسيق الأمني مع الاحتلال. وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “معاريف” العبرية أن نتنياهو أجرى سلسلة اجتماعات سياسية وأمنية إضافية خلال زيارة سرية للإمارات، ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية المعلنة مع المسؤولين الإماراتيين. وبحسب مكتب رئيس وزراء الاحتلال، فقد قام نتنياهو برحلة سرية إلى مدينة العين الإماراتية في 26 مارس الماضي، حيث التقى بمحمد بن زايد لساعات طويلة لبحث ملفات إقليمية وأمنية مرتبطة بالحرب.
الأكثر لفتاً أن هذه الزيارة تمت في توقيت بالغ الحساسية، حيث كان المجال الجوي الإسرائيلي مغلقاً بالكامل بسبب التصعيد العسكري، ومع ذلك جرت الرحلة بسرية تامة دون أي تسريبات أو رصد علني، ما عكس مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الطرفين. وكشفت تقارير نقلتها “رويترز” ووسائل إعلام إسرائيلية أن مدير الموساد ديفيد برنياع زار الإمارات مرتين على الأقل خلال الحرب مع إيران، بهدف تنسيق التحركات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الجانبين. كما أفادت التقارير بأن الاحتلال الإسرائيلي شارك الإمارات أنظمة دفاع جوي متقدمة، شملت إرسال بطاريات “القبة الحديدية” ومتخصصين عسكريين لتشغيلها داخل الأراضي الإماراتية أثناء التصعيد العسكري.
وتؤكد هذه المعطيات أن العلاقة بين أبو ظبي وتل أبيب تجاوزت الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى ما يشبه “تحالف الأمر الواقع”، القائم على الشراكة الأمنية المباشرة في مواجهة إيران، خصوصاً مع تزايد المخاوف الإماراتية من الاستهداف الإيراني وتراجع الحماسة الخليجية لخوض مواجهة شاملة. وفي مؤشر إضافي على هذا التعاون، ذكرت قناة “كان” العبرية أن طائرة إسرائيلية تحمل الرمز (M-ABGG)، تُستخدم أحياناً في الرحلات الرسمية، هبطت في أبو ظبي خلال فترة التصعيد، ما عزز الروايات المتعلقة باللقاءات السرية والتنسيق العسكري بين الطرفين.
لكن هذه التسريبات وضعت الإمارات في موقف حرج سياسياً وإقليمياً، خصوصاً بعد إعلان مكتب نتنياهو رسمياً عن الزيارة السرية، في وقت سارعت فيه وزارة الخارجية الإماراتية إلى نفي ما يتم تداوله بشأن استقبال نتنياهو أو وفود عسكرية إسرائيلية، مؤكدة أن علاقاتها مع تل أبيب “معلنة” وتندرج ضمن الاتفاق الإبراهيمي، ولا تقوم على ترتيبات خفية أو لقاءات غير مصرح بها. هذا التناقض بين الإعلان الإسرائيلي والنفي الإماراتي كشف عن خلاف يتعلق بإدارة التوقيت السياسي والإعلامي، لا بجوهر العلاقة نفسها. فالإمارات، على الرغم من تعمق شراكتها الأمنية مع الاحتلال، تدرك حساسية الرأي العام العربي، خصوصاً في ظل حرب غزة، وتخشى أن يُفسَّر أي إعلان رسمي عن هذا التنسيق باعتباره انخراطاً مباشراً في المعسكر الداعم لإسرائيل ضد إيران.
كما دعمت تقارير دولية وشهادات لمسؤولين سابقين رواية الاحتلال، حيث كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن زيارات متكررة لقادة “الموساد” و”الشاباك” إلى الإمارات لتنسيق ملفات عسكرية وأمنية، بالتزامن مع أنباء عن نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية داخل الإمارات، إضافة إلى تأكيدات إيرانية برصد تحركات نتنياهو في المنطقة عبر قنوات استخباراتية. ويأتي هذا كله في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، إذ تحاول أبو ظبي الموازنة بين شراكتها الأمنية المتنامية مع الاحتلال من جهة، والحفاظ على خطاب خليجي يدعو إلى احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
في المقابل، يسعى نتنياهو إلى استثمار هذه العلاقات سياسياً وإعلامياً لكسر العزلة الإقليمية التي يُواجهها بسبب حرب غزة، عبر إظهار أن التحالفات العربية مع الاحتلال ما تزال قائمة وفعالة حتى في ذروة المواجهة العسكرية مع إيران. غير أن هذه التسريبات تمنح طهران، في المقابل، مبرراً سياسياً وإعلامياً لتصوير عملياتها العسكرية باعتبارها “دفاعاً عن النفس” ضد دول متحالفة مع الاحتلال، وهو ما يزيد الضغوط على التماسك الخليجي ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والتصعيد.
وفي المحصلة، يبدو أن جوهر العلاقة بين أبو ظبي وتل أبيب لم يعد يقتصر على التعاون الاقتصادي أو التطبيع السياسي، بل تطور إلى شراكة استراتيجية متعددة المستويات تشمل الأمن والدفاع والاستخبارات، ما يضع الإمارات في تموضع إقليمي مختلف عن السردية الخليجية التقليدية، ويفتح الباب أمام تحولات أوسع في طبيعة التحالفات داخل المنطقة.
ثالثاً: كيف تحولت الإمارات إلى
خط دفاع متقدم للمشروع الإسرائيلي في الخليج؟
في الوقت الذي يرفع فيه بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب شعار “التحالف مع الدول العربية” باعتباره ركيزة أساسية لبناء جبهة إقليمية مناهضة لإيران، تحاول معظم دول الخليج الإبقاء على طبيعة هذه العلاقات بعيداً عن الأضواء، نظراً للحساسية الشعبية الكبيرة تجاه “إسرائيل” في العالم العربي، ورفض قطاعات واسعة لأي انخراط علني في تحالفات عسكرية معها.
غير أن تطورات الحرب مع إيران كشفت أن العلاقة بين أبو ظبي وتل أبيب تجاوزت منذ فترة طويلة حدود التطبيع السياسي والاقتصادي، لتتحول إلى شراكة أمنية وعسكرية مباشرة، تقوم على تبادل المصالح الاستراتيجية في مواجهة طهران. ويرى خبراء ومراقبون أن الإمارات استفادت بصورة كبيرة من المساعدات الدفاعية الإسرائيلية خلال الحرب، بينما حصلت “إسرائيل” في المقابل على موطئ قدم عسكري واستخباراتي متقدم بالقرب من إيران، بما يمنحها قدرة أكبر على مراقبة التحركات الإيرانية والتأثير في معادلات الأمن الخليجي.
لكن هذه العلاقة الحساسة أصبحت أكثر إحراجاً لأبو ظبي مع تزايد التسريبات الإسرائيلية حول طبيعة التعاون العسكري بين الجانبين، خاصة بعدما بدأ نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون الكشف علناً عن تفاصيل الدعم العسكري المقدم للإمارات، وهو ما وضع القيادة الإماراتية أمام مأزق دبلوماسي داخلي وإقليمي في ظل الحرب.
وفي هذا السياق، كشف موقع “أكسيوس” أن “إسرائيل” أرسلت بطارية من منظومة “القبة الحديدية” إلى الإمارات، إلى جانب عشرات الجنود الإسرائيليين لتشغيلها على الأراضي الإماراتية، بهدف التصدي للهجمات الإيرانية المكثفة. وبحسب التقارير، تعرضت الإمارات منذ بداية الحرب لهجمات واسعة شملت نحو 550 صاروخاً باليستياً ومجنحاً، إضافة إلى أكثر من 2200 طائرة مسيّرة أطلقتها إيران، ما دفع أبو ظبي إلى طلب دعم دفاعي عاجل من حلفائها.
وأكد مسؤولون إسرائيليون أن منظومة “القبة الحديدية” نجحت بالفعل في اعتراض عشرات الصواريخ الإيرانية المتجهة نحو أهداف داخل الإمارات، في حين لم يقتصر التعاون على الجانب الدفاعي فقط، بل شمل أيضاً تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استباقية داخل جنوب إيران لتدمير منصات وصواريخ قصيرة المدى قبل إطلاقها نحو الخليج.
وتعكس هذه التطورات انتقال العلاقة الإماراتية الإسرائيلية من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى “الدفاع المشترك”، خاصة مع تصريحات لمسؤولين إماراتيين اعتبروا خلالها أن الحرب كشفت عن “الحلفاء الحقيقيين”، مؤكدين أن الدعم الإسرائيلي والأمريكي في هذه المرحلة “لن يُنسى”. وعلى الرغم من الحساسية السياسية الكبيرة المرتبطة بوجود قوات إسرائيلية داخل الخليج، فإن التهديد الإيراني المباشر دفع القيادة الإماراتية إلى إعطاء الأولوية لما تعتبره “حماية الأمن القومي”، حتى لو جاء ذلك عبر رفع مستوى التعاون العسكري مع الاحتلال إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي تطور أكثر دلالة، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن “إسرائيل” نقلت أيضاً منظومات دفاع جوي متطورة إلى الإمارات، من بينها نظام “Iron Beam” الليزري، في إطار تعزيز قدرة أبو ظبي على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وأوضحت التقارير أن الاحتلال نشر كذلك نظام “Spectro” للإنذار والكشف المبكر، القادر على رصد الطائرات المسيّرة على مسافات تصل إلى 20 كيلومتراً، ما يمنح الدفاعات الإماراتية قدرة أكبر على الاستجابة السريعة للهجمات. اللافت أن بعض هذه الأنظمة نُقل بصورة عاجلة على الرغم من أنها ما تزال في مراحل تطوير أو لم تدخل الخدمة الكاملة داخل “إسرائيل” نفسها، الأمر الذي يعكس حجم القلق من وتيرة الهجمات الإيرانية، والحاجة إلى تسريع نشر تقنيات دفاعية جديدة داخل الخليج. كما أشارت التقديرات إلى أن الهجمات الإيرانية المكثفة استنزفت جزءاً كبيراً من مخزون الصواريخ الاعتراضية التقليدية مرتفعة الكلفة، وهو ما دفع نحو الاعتماد المتزايد على الأنظمة الليزرية منخفضة التكلفة باعتبارها خياراً أكثر استدامة في أي مواجهة طويلة الأمد.
وفي ضوء هذه التطورات، بات واضحاً أن أبو ظبي لم تعد مجرّد شريك سياسي في مسار التطبيع، بل تحولت إلى جزء من البنية الأمنية والعسكرية التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى بنائها في المنطقة لمواجهة إيران، وهو ما يضع الإمارات في قلب معادلة الصراع الإقليمي، ويمنح طهران في المقابل مبررات إضافية لتوسيع دائرة استهدافها السياسي والعسكري داخل الخليج.
في الختام، قد لا تكون نهاية الحرب هي نهاية الأزمة بالنسبة للإمارات وحلفائها الخليجيين، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. فمع الحديث عن شروط إيرانية تتعلق بدفع تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها طهران جراء الحرب، ستجد أبو ظبي نفسها في مواجهة استحقاقات سياسية واقتصادية ثقيلة، باعتبارها الطرف الخليجي الأكثر انخراطاً إلى جانب الولايات المتحدة و”إسرائيل” في هذا التصعيد.
وحين تتوقف المعارك وتبدأ حسابات النفوذ والكلفة، قد تكتشف هذه الأنظمة أن واشنطن التي دفعتها إلى قلب المواجهة لن تتردد في تحميل حلفائها فاتورة الحرب كاملة، كما فعلت مراراً في تجارب سابقة. وعندها، لن يقتصر الأمر على مليارات الدولارات أو إعادة ترميم الاقتصاد والأمن، بل سيمتد إلى الداخل الخليجي نفسه، حيث ستواجه الشعوب نتائج حرب لم تكن شريكة في قرارها.
وفي ظل أزمات اقتصادية وضغوط سياسية متصاعدة، يبقى السؤال الأخطر: هل تستطيع هذه الحكومات احتواء تداعيات ما بعد الحرب والحفاظ على تماسكها الداخلي، أم أن التحالفات التي اجتمعت تحت النار ستتفكك عند تقاسم الخسائر، لتبدأ مرحلة جديدة من الانقسامات والصراعات داخل البيت الخليجي نفسه؟.
