هجير كربلاء
بقلم غسان عبد الله
يمتلئُ القلبُ بالشّيب، والحب يخفي جواهره خلف سور بعيد آه يا شعلةً صهلت في عروق المساءْ.. يا نداءً خفيَّ النداءْ.. أيُّ أنشودةٍ تتوكأُ حنجرتي بؤسَها عندما يهجُرُ العاشقُ الربَّانيُّ الدعاءْ.. وتشيِّعُ زيتونتي شمسَها.. ولمن سأزفُّ البشارةَ حين يبدأ برج الضراعةِ في داخلي انهيارَهْ؟ وجيوشٌ من الحزن تنشرُ أعلامَها في الدماءْ..
هذي هي كربلاء.. تعودُ معي بجيشِها الجرارِ تبغي كلَّ لون حسينٍ في الدماء.. ليس هذا ربيع الفلوات، هذا هجيرُ كربلاء..
هل رأيتُ حشودَ العصافير تخرجُ من تحت إبطي العباسِ.. تملأ صمت الهواءْ؟ وأنا سابحٌ خلفَها عاشقٌ صيفها والشّتاءْ من إذاً أطلق النّارَ.. منْ؟؟ وأضاف ولياً جديداً لمقبرة الشّهداءْ؟
تلك أغنيتي كالحساسين ترفلُ، إذ يهطلُ الدمُ من غيمة السِّحرِ، لي أوَّلُ الأرضِ، طيّرتُ فيها طيوراً وعلَّمتها كيف بالحُبِّ تَسقطُ فوق الجليدْ.. هي أرضُ الأرامل، والثُّكْلُ أشعلَ مصباحَهُ تحت شرفتها فلتشرَّدْ عذارى المكان وراء السَّراب الشَّريدْ.. قبل أن تجرف الريحُ مملكةَ الوردِ، قبل انقطاعِ الينابيعِ، قبل حلول الصَّديدْ.. صدئَ الرّوحُ؟ أم معدنُ الأفق أفرغَ فينا شظاياه كي نتنفّسَ عطرَ الحديدْ؟ غفلتْ عن مواسمنا عينُكَ المحمَّديّةُ يا راعيَ النَّحل.. ويعسوبَ الفقراءِ.. لم يبقَ في شجر التّينِ بعضٌ من الورقاتِ نغطي به جدثاً أو نحوكُ به عَـلَماً للشّهيدْ.. ولنا في ضميرِ الغروبِ حكاياتُنا.. ولنا ما يعيدُ السّماءَ إلى حضنها السّاحليِّ، لنا ما يعيدُ الكلام إلى فطرةِ الكائناتِ، لنا ما يعيد كلَّ وقتٍ لسرٍّ جديدْ.. مولايَ.. قابضون على جمرة الرَّعشة الأبديّة، لكنَّنا أمّةٌ تتآكلُ من داخلٍ كالمغنّي وقد هجرتْهُ فروضُ النَّشيدْ.. أيّ جناتنا تنحني عندما يعبرُ العاشقون صراطَ الجحيمِ، ونارٌ تولول: هل من مزيدْ؟… هو كونٌ من الشِّعر ننحتُ تمثاله للبصيرة فيه فضاءٌ تهاوى، وتزرعُ أشباحُنا بذرةَ الرّعب في الكلماتْ.
خاوياً ينبتُ الزّرعُ، مشتملاً بعباءةِ شوكٍ.. يغطِّي أريجَ النّباتْ.. هو كونٌ على الفحمِ يُشوى، رأيتُ معابدَهُ تتشقّق جدرانها ثم تهوي هياكلها، فتضيء نجومُ المعادن صمتَ المكانْ.. أذّنَ الذّئبُ فاستأنسَ الحَمَلُ البشريُّ برعبِ الأذانْ.. منْ عقيمٌ ليزداد عقْماً؟ ومَنْ شاردٌ وقتُهُ ليجمّعَ رملَ الزمانْ؟ يا بروجَ التألقِ، آنَ لبلّور زهوكِ أن يتكسَّرَ فالأفعوانُ الظَّلاميُّ أفرخَ في قمحنا وتمدَّدَ في جرحنا الأفعوانْ.. ليس هذا معادَ البذار، ولنْ يتخفَّى وراء السّنابل حَبٌّ، ولنْ يحصدَ الفجرُ غيرَ الزّؤانْ.. فلتنَمْ في الخريفِ العناقيدُ، وليُكسَرِ العاشقانْ.. هو كونٌ على الفحم وراء الدّخانِ وراء الدخانْ… هو كونٌ على الفحم يُشوى، فلا مطرٌ بلَّهُ، ليس إلا الدخانُ وراء الدخان وراء الدخانْ.
كلّ مرثيةِ الخَلْق أحشدُها الآن على دمكَ النبراسِ يا حسين الإباءْ، كلَّ المآتم أبكي لها.. أنا بعضُ هلامٍ تسرَّبَ من جسدِ الأصفياءْ.. كنتُ أحشو عروقي زهوراً أقدّمها للدعاءِ هديَّةْ.. فبأيّ الشَّواهد فوجئتُ بعد ضمور الدّماءْ؟ هو كونٌ تنزّ خلاياه قيحاً، مأتمي واضحٌ سيّدَ الشهداءِ، وميراثُ قلبي سليلُ العزاءْ.. وانتميتُ إلى الحرقةِ الأبديةِ.. ليس هذا اختناقاً من الكلماتِ، هو الألمُ المتجذّرُ، قُمِّصَ في هيئةٍ بشريّةْ.. ليس هذا الشعاعُ جحيماً، ولكنّه جنّةُ الشهداءْ.. ومضةُ الغيبِ تسرقُهُمْ من خيولِهم الصّاهلةْ.. هم يتيهون في برزخِ الدماءِ الهاطلةْ.. في المثاوي، ويستفرَدون بوحدتهم مستنيرينَ في ظُلَمٍ.. ينسجون صدى الصّرخةِ المهمَلَةْ.. هم يدُ الغيمِ تعبُرُ فوقَ الحقولِ لتنهضَ سنبلةً سنبلةْ.. هم يدٌ تسندُ الكونَ، تنشلُه من دم المهزلَةْ.
في لفحةِ الهجير في السويعاتِ المُقبلةْ.. كونٌ يتراءى على مدى الجرحِ في أرضِ الكربِ والبلاء.. هو كونٌ تفسّخَ واستوطَنَ القحطُ في ركبتيهِ أي شعرٍ سيبكي عليهِ؟ أي دمعة وجدٍ تخاصره.. وتماثيلُه الخشبيَّة تطفو على الماءِ؟ أيّ الشواطئ أدنى إليهِ؟ شاطئُ الطفِّ أم شاطئُ حرملةْ؟ إنه الكون ما زال فكرتنا التّائهةْ.. كونٌ من الدمعِ خلف ركب السبايا يستعيدُ المدى من قلب الرُّفاتْ.. إنه كونُ المِدى والحشرجاتْ.. هجيرٌ يؤوي في لظاهُ طفلاً رضيعاً من النحرِ يصنعُ الفلكَ بأعيُنِ الثاكلاتْ.. هجيرُ الكربِ والبلاءِ يلفحُ الآنَ صدأَ النوافذِ فيُشعلُ في يبرودِها وقداً من الوجدِ.. نبضاً من الذكريات.
