فضاءات فكرية

الردع غير المتماثل وأمن الطاقة كيف حوّلت إيران تفوقها الجيو/اقتصادي إلى نصر استراتيجي على واشنطن؟!.

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

فمن ناحية، تمتلك واشنطن ترسانة عسكرية ضخمة، من أحدث الطائرات الحربية، والأساطيل البحرية والقدرات التسليحية والمصانع الحربية، بما يجعلها قادرة بأقل التكاليف والخسائر على فرض سيطرتها على أهم الممرات المائية، خاصة وأن لها في المنطقة تحالفات عسكرية واقتصادية وأمنية مع دول الخليج الثرية التي تمولّها مصانعها وتسدد فواتير تكاليفها. ومن ناحية أخرى، تواجه إيران عقوبات اقتصادية خانقة، وجيشها تقليدي يعاني من التقادم التكنولوجي منذ عدة عقود.

ولكن مع كل ما تقدم، تفاجأ العالم كله حيث أنه بعد أربعة أشهر من القتال العنيف الذي شمل تبادلاً للقصف الصاروخي والهجمات على القواعد الأمريكية في المنطقة، بدأ ساسة ومحللون دفاعيون حول العالم يتحدثون عن نتيجة صادمة لهم: لقد انتصرت إيران في هذه الحرب. هي لم تنتصر ميدانياً بمعنى احتلالها للأراضي الأمريكية، بل انتصرت استراتيجياً بفرض شروطها وإرادتها على معادلة الصراع في المنطقة كلها، وإفشالها لكل الأهداف والأغراض التي رفعتها أمريكا وإسرائيل وعلى رأسها إسقاط نظامها الجمهوري القائم على ولاية الفقيه.

هذا المقال يحاول تفكيك هذه المفارقة، من خلال تحليل آليات وعناصر “النصر الإيراني” وأسباب “الفشل الأمريكي”، معتمداً على الوقائع الميدانية والتقارير التحليلية الصادرة عن كثير من المؤسسات البحثية الكبرى بعد انتهاء الحرب العدوانية الصهيو-أمريكية على إيران، وبدء تفاهم وقف إطلاق النار.

أولاً- “النصر الإيراني”: كيف حوّلت طهران نقاط ضعفها إلى أسلحة؟

أدركت إيران بوعي عميق أن الحرب مع أمريكا ليست متماثلة، بمعنى أن أمريكا تفوقها عدة وعتاداً، ولهذا لم تحاول -في مواجهة هذه الترسانة والقوة العسكرية الأمريكية المتفوقة – مجاراة واشنطن في سباق التسلح التقليدي، بل قامت عوضاً عن ذلك، بتطوير قدرات صاروخية كبيرة ومؤثرة، مع تصنيع طائرات مسيرة قليلة الكلفة، ولكنها فاعلة في الحروب الحديثة، استخدمتها في استراتيجية الضرب بقوة على القواعد الأمريكية في دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين)، فأخرجتها من الخدمة منذ الأيام الأولى للحرب.. مع رفع كلفة ضرب المنشآت الإيرانية، من خلال آلية الضغط، حيث أنه في الأيام الأولى للحرب، وبعد أن شنت إسرائيل (الحليف الأمريكي) هجوماً على حقل غاز “بارس الجنوبي” الإيراني، لم ترد إيران باستهداف القواعد الأمريكية مباشرة. بل ردت بتدمير بعض منشآت الطاقة في قطر والسعودية والكويت. والنتيجة الفورية تجسدت في ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل قياسي، مما أصاب الاقتصاد العالمي (بما فيه الاقتصاد الأمريكي) بالذعر والهلع الشديد. والأهم من ذلك، أن الرئيس الأمريكي ترامب تدخل على الفور لوقف الهجمات الإسرائيلية على إيران، خوفاً من رد إيراني جديد على حلفاء واشنطن في الخليج. وهكذا، نجحت إيران في ربط أمن الخليجيين بأمنها، مما جعل الولايات المتحدة توقف عدوانها خوفاً على “أصدقائها”.

كما أمسكت إيران منذ البداية بأهم ورقة (وربما هي أهم من ورقة النووي) وهي ورقة السيطرة على مضيق هرمز مما شلّ الاقتصاد العالمي، لأن هذا المضيق يمرر حوالي خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. مع أن إيران لم تكن تعتمد استراتيجية إغلاق المضيق بالكامل وبشكل دائم، بل كانت تريد جعل الممر غير آمن للعبور، لدرجة أن شركات التأمين والشحن توقفت عن المخاطرة به.. هذه الورقة كانت “سلاح الدمار الاقتصادي الشامل” الذي منع أمريكا من تحقيق نصر سريع، لأنه أدى إلى:

– شلّ حركة الملاحة، مع احتجاز آلاف السفن، وتضاعف أسعار الوقود عالمياً.

– فشل المشاريع الأمريكية، مع محاولات البنتاغون إطلاق عمليات مثل “مشروع الحرية” لمرافقة السفن وفتح المضيق، لكن هذه المحاولات باءت كلها بالفشل أو تم التراجع عنها تحت وطأة التهديدات الإيرانية، ورفض كل دول الغرب تقريباً الانسياق والتماهي مع الرغبات الأمريكية.

وقد لاحظنا أن تقرير لموقع “نيويورك تايمز” خلص إلى أن “إيران استطاعت ردع الولايات المتحدة عن فتح المضيق”، مما جعل القدرة على تعطيل الملاحة سلاحاً استراتيجياً دائمًا بيد طهران.

وإضافة إلى ما تقدم، وعلى عكس التوقعات الأمريكية التي كانت تراهن على انهيار الاقتصاد الإيراني تحت وطأة الحصار، فقد تمكنت طهران من الصمود بل وتحقيق مكاسب اقتصادية على مستوى:

– ازدهار غير متوقع: تشير التحليلات إلى أن العملة الإيرانية ارتفعت بنسبة 11% أمام الدولار خلال الحرب، لأن إيران بدأت تبيع ضعف الكمية السابقة من النفط بأسعار أعلى بعد إغلاق المضيق.

– التهرب من الحصار البحري: فبينما تمنع أمريكا ناقلات النفط الإيرانية من الإبحار، استخدمت إيران أسطولاً من الناقلات المتوقفة قبالة سواحلها كصهاريج تخزين عائمة. وحتى عندما حاولت أمريكا منع الصادرات، استمرت الناقلات الإيرانية في الإبحار “معتمة” (بإغلاق أنظمة التتبع) إلى الصين. هذه المعادلة جعلت إيران، خلافاً لأي حرب سابقة، أكثر قدرة على تحمل تكاليف الحرب من الخصم نفسه.

ثانياً- “الفشل الأمريكي”: لماذا لم تستطع واشنطن تحقيق أهدافها؟!

ربما كانت نقطة الضعف الأكبر والأبرز لأمريكا هي جيوشها المتمركزة في دول الجوار (البحرين، قطر، الإمارات، الأردن، الكويت) ضمن قواعد عسكرية، بما فيها من مطارات ومنشآت ومستودعات تخزين أسلحة وأماكن إقامة العسكريين وعائلاتهم.. هذه القواعد، التي كان من المفترض أن تكون منصات انطلاق للهجوم على إيران، تحولت إلى رهائن مستهدفة من قبل القوات الجو/فضائية الإيرانية.. ففي بداية حزيران 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن استهداف 21 هدفاً عسكرياً أمريكياً في المنطقة، بما في ذلك مقر الأسطول الخامس في البحرين وحظائر طائرات F-35 في الأردن. على الرغم من أن أمريكا ادعت اعتراض معظم الصواريخ، إلا أن الرسالة كانت واضحة: وجود أمريكا في الخليج لم يعد آمناً. وهذا فشل كبير للسياسة والخطط العسكرية الأمريكية.. خصوصاً مع وجود رئيس مزاجي ومتقلب، أشارت معظم التحليلات إلى أنه لعب دوراً متناقضاً. ففي الوقت الذي هدد فيه بتدمير “حضارة بأكملها”، تراجع فجأة عن شن هجمات واسعة وادعى فجأة تحقيق اختراق في المفاوضات. هذا التردد أظهر لطهران أن واشنطن لديها “سقف” للصعود لا تستطيع تجاوزه خوفاً من تداعيات اقتصادية أو خسائر بشرية فادحة.. ويمكن القول هنا بأن تصريح ترامب الشهير للدول الحليفة الذي قال فيه لهم: “اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”، كان بمثابة إعلان غير مباشر عن عجز أمريكا عن تأمين حلفائها، مما زاد من شعور دول الخليج بالوحدة، ودفعها للتفاوض مع إيران مباشرة من تحت الطاولة.. خصوصاً مع معرفتهم بأن إيران صمدت وهي في طريقها للنصر، وأنها أعادت – بحسب تسريبات استخباراتية – بناء ترسانتها الصاروخية بسرعة فائقة.

ثالثاً- ميزان القوة ومعيارها الجديد في الخليج:

تتلخص نتيجة حرب الخليج الأخيرة في إعادة تعريف مفهوم “القوة” في الشرق الأوسط. حيث لم تعد القوة تقاس بعدد حاملات الطائرات، بل بالقدرة على “تعطيل” المصالح الحيوية للخصم، وإمساكه من رقبة مصالحه بقوة، مع استنزافه اقتصادياً..!!. وهذا ما فعلته إيران، إذ أنها تمكنت من جعل الخصم يعترف بمصالحها، وحقوقها، أي أن أمريكا لمتعد قادرة على تجاهل إيران كلاعب إقليمي لا غنى عنه في أمن الطاقة، له دور حيوي ومركزي  في أية ترتيبات أمنية مستقبلية لعبور النفط في المنطقة. مع ردع حلفاء أمريكا من دول الخليج التي شاهدت قياداتها (التي تعتمد على أمريكا اعتماداً كاملاً) تدمير منشآتها النفطية دون ردع فعال من واشنطن، وهذا ما جعلها تدرك أنها لا تستطيع تحمل تكلفة حرب جديدة مع جارها إيران، وأنه لا يمكن تجاهلها.

أما أمريكا، فقد خسرت المصداقية الردعية، لأنها لم تستطع حماية حلفائها (أصلاً هي عجزت عن حماية نفسها في قواعدها البرية والبحرية)، ولا تأمين الملاحة البحرية رغم التفوق العسكري الساحق.. كما خسرت النفوذ السياسي، مع تراجع مكانة واشنطن لدى العواصم العربية، التي بدأت تتنقل بين واشنطن وطهران وروسيا والصين لضمان أمنها.

نعم، لقد أثبتت حرب الخليج الأخيرة أن “التفوق العسكري” لا يضمن “النصر السياسي”. فقد فشلت أمريكا في إسقاط النظام الإيراني، ليس لأن الجيش الإيراني أقوى، بل لأن إيران تملك العقيدة والمبدأ والإرادة، وتملك التصنيع العسكري والقوة الميدانية، حيث نجحت في نقل ساحة المعركة من حدودها إلى مضيق هرمز وإلى أسواق النفط العالمية وإلى القواعد العسكرية المكشوفة لحلفاء أمريكا.

وربما يكون الاستنتاج الأهم هو أن إيران لم “تربح” الحرب بالمعنى التقليدي (فهي تكبدت خسائر اقتصادية اعترف قادتها بها)، لكنها منعت أمريكا من الفوز، وحطمت غرور قيادتها، وأعادتهم إلى الأرض ليعاينوا فشلهم وخسائرهم.. وفي لعبة المصالح المعقدة في الشرق الأوسط، كان “منع الهزيمة” هو الانتصار بعينه.

……………………………………….

المراجع:

– تقارير AP News حول أزمة مضيق هرمز، حزيران 2026م.

– تحليل Institute for the Study of War حول إعادة تسليح إيران، كانون أول 2025م.

– تقرير New York Times حول استراتيجية “الإكراه الثلاثي”، أيار 2026م.

– تحليلات The Friday Times وWorld Economic Forum، آذار-حزيران 2026م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *