إقليميات

نهاية ترامب ونتنياهو بين الهزيمة العسكرية والسقوط السياسي

بقلم زينب عدنان زراقط

الكرة أصبحت في ملعب إيران، والوقت لم يعد حليفاً للولايات المتحدة وإسرائيل؛ فهذه المرة قد لا تُحسم المعركة في ساحات القتال فقط، بل داخل صناديق الاقتراع أيضاً، حيث قد تكون الانتخابات هي العامل الذي يحدد مسار الحرب ونتائجها السياسية.

التصعيد المُتسارع في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، من الضربات العسكرية، واستهداف السفن في مضيق هرمز، والهجمات على القواعد الأمريكية في المنطقة، دفع العديد من وسائل الإعلام إلى تقديم المشهد باعتباره تصعيداً أمريكياً ضد إيران. لكن قراءة مسار الأحداث من زاوية مختلفة تشير إلى أن المواجهة لم تكن مجرد رد أمريكي على تحركات إيرانية، بل كانت مرتبطة بحسابات سياسية وعسكرية أوسع، حيث حاول كل طرف استغلال فترة الهدوء المؤقت لتحقيق أهدافه الخاصة.

فمذكرة التفاهم التي جاءت لتخفيف التوتر لم تكن نهاية للصراع، بل مرحلة انتقالية حاولت خلالها واشنطن وطهران تحسين مواقعهما قبل استئناف المواجهة. وبينما أرادت الولايات المتحدة استخدام هذه الفترة لتثبيت الاستقرار حتى الانتخابات النصفية، رأت إيران أن استمرار الهدوء قد يمنح واشنطن فرصة لتعزيز موقعها السياسي والعسكري.

ومن هنا تحولت الأزمة من مجرد خلاف حول الملفات الأمنية إلى صراع على التوقيت والمبادرة ومن يفرض قواعد المرحلة المقبلة.

فهل نجحت إيران في استباق الحسابات الأمريكية وكشف رهان واشنطن على عامل الوقت، عندما قررت التصعيد قبل أن تتحول الهدنة إلى مكسب انتخابي للإدارة الأمريكية؟ وهل يمكن أن تدفع الحسابات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب نحو توسيع المواجهة مع إيران، بحيث تصبح الحرب أداة لتغيير المعادلات السياسية الداخلية، أم أن مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية ستفرض حدوداً على طموحات جميع الأطراف؟

أولاً: مذكرة التفاهم… هدنة مؤقتة للانتخابات

لم تكن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران اتفاق سلام أو تسوية نهائية، بل كانت ترتيباً مؤقتاً هدفه تجميد التصعيد ومنح الطرفين مساحة للمناورة. الإدارة الأمريكية نظرت إلى المذكرة باعتبارها فرصة لخفض التوتر في الخليج، وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والسفن التجارية، ومنع اضطراب أسواق الطاقة خلال فترة حساسة سياسياً.

وكان العامل الانتخابي حاضراً بقوة في الحسابات الأمريكية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يستعد الحزبان الديمقراطي والجمهوري لمعركة انتخابية حاسمة ستُجرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 لانتخابات الكونغرس وتشمل انتخاب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ. إذ أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وهو ما يؤثر على المزاج الشعبي والانتخابي. ولهذا كانت واشنطن بحاجة إلى فترة هدوء تسمح بانخفاض أسعار الطاقة، وتقديم صورة سياسية مفادها أن الإدارة نجحت في احتواء أزمة خطيرة دون الانزلاق إلى حرب واسعة. كما اعتمدت الإدارة الأمريكية على فكرة أن إيران، بسبب الضغوط الاقتصادية والعقوبات، ستفضل الاستفادة من التسهيلات التي قدمتها المذكرة بدل العودة إلى التصعيد.

وكان التصور أن الأشهر السابقة للانتخابات ستسمح بتحسين الوضع الاقتصادي الداخلي، وتعزيز موقف الحزب الجمهوري، ومنح الإدارة مساحة أكبر لاتخاذ قرارات أكثر تشدداً لاحقاً إذا احتاج الأمر. فإذا حافظ الحزب الجمهوري على الأغلبية داخل الكونغرس، فإن الإدارة ستصبح أكثر قدرة على التحرك عسكرياً وسياسياً دون قيود داخلية كبيرة.

في المقابل، لم تنظر إيران إلى المذكرة بالطريقة نفسها، بل تعاملت معها باعتبارها فرصة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقها وتحسين موقعها قبل عودة المواجهة. فقد اعتبرتها فرصة مؤقتة لتحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية، وليس تحولاً في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد استفادت طهران من الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، وزيادة صادرات النفط، وتحسين وضعها المالي، كما استغلت فترة الهدوء لإعادة ترتيب قواتها، ونقل المعدات، وتعزيز مواقعها الدفاعية.

وهنا ظهر الاختلاف الجوهري في الحسابات؛ إذ أدركت القيادة الإيرانية أن استمرار الهدوء حتى الانتخابات الأمريكية لن يكون مكسباً لها، بل ورقة سياسية تمنح واشنطن القدرة على تحويل الأزمة إلى نجاح انتخابي. ومن هنا جاء قرار الانتقال إلى التصعيد قبل الانتخابات، بهدف منع الولايات المتحدة من استثمار هذه المرحلة داخلياً.

ثانياً: إسرائيل بين الدافع الأمني والحسابات الانتخابية

تزامن الحديث عن احتمال استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي المقرر في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ما يضيف بُعداً سياسياً داخلياً إلى الحسابات العسكرية. فقد أشارت تقارير نقلتها صحيفة “أكسيوس” إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس استئناف عمليات واسعة في إيران، قد تشمل حملة عسكرية مشتركة مع إسرائيل، وهو تطور من شأنه أن يعيد فتح باب المواجهة ويمنح الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، فرصة لتوظيف الملف الأمني في معركتها السياسية الداخلية.

ولا يُختزل احتمال انخراط إسرائيل في أي مواجهة أمريكية مع إيران بالاعتبارات العسكرية أو الأمنية فقط، بل يتداخل بصورة واضحة مع الحسابات السياسية الداخلية، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فبنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة في ظل تراجع شعبيته واستمرار الجدل حول نتائج الحروب التي خاضتها حكوماته، ما يجعل أي تصعيد عسكري محتمل فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي.

وفي النظام السياسي الإسرائيلي، كثيراً ما تؤدي الأزمات الأمنية إلى توحيد الجبهة الداخلية وتقديم قضايا الأمن على الخلافات الحزبية. ومن هذا المنطلق، قد يرى نتنياهو أن توسيع المواجهة مع إيران أو الانخراط المباشر إلى جانب الولايات المتحدة يمنحه فرصة لتعزيز صورته كقائد قادر على إدارة التهديدات الوجودية، خصوصاً أنه يدخل أي استحقاق انتخابي من دون إنجاز استراتيجي حاسم، على الرغم مما حققته إسرائيل من نجاحات عسكرية بقيت، في نظر كثير من النخب الإسرائيلية، إنجازات تكتيكية أكثر منها تحولات استراتيجية.

كما أن الحديث داخل الأوساط الإسرائيلية عن احتمال توظيف الظروف الأمنية لتعزيز موقع الحكومة أو حتى تأجيل بعض الاستحقاقات السياسية يعزز فرضية أن الحرب قد تتحول إلى ورقة انتخابية، في إطار ما يُعرف بسياسة “الهروب إلى الأمام”، أي نقل مركز الصراع إلى الخارج لتوحيد الداخل وكسب الوقت سياسياً.

لكن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر كبيرة، إذ أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تفتح جبهات متعددة، وتدفع المنطقة إلى صراع إقليمي مفتوح. كما قد تمتد تداعياتها إلى الساحة اللبنانية، بحيث يصبح الاتفاق القائم بين لبنان وإسرائيل عرضة للاهتزاز أو حتى الانهيار إذا رأت تل أبيب أن التصعيد يخدم أهدافها السياسية أو الأمنية. ويعزز هذا الاحتمال أن الحكومات الإسرائيلية سبق أن أعادت تفسير تفاهمات أمنية أو تراجعت عن التزاماتها عندما تبدلت حساباتها الاستراتيجية، ما يبقي احتمال تجدد المواجهة قائماً حتى بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية.

وبذلك، يصبح العامل الانتخابي حاضراُ لدى جميع الأطراف؛ فإيران تسعى إلى استثمار الضغط السياسي الواقع على واشنطن وتل أبيب، بينما قد يرى نتنياهو في الحرب وسيلة لتحسين موقعه الداخلي. وهذا التداخل بين الحسابات العسكرية والانتخابية يجعل قرارات الحرب مرتبطة ليس فقط بالمعطيات الميدانية، بل أيضاً بحسابات صناديق الاقتراع.

في الختام، إن المعركة لا تُقاس فقط بنتائج الضربات العسكرية، بل بقدرة الإدارة على تحويل الأزمة إلى إنجاز سياسي. فهل يستطيع ترامب إنهاء المواجهة وتحقيق استقرار في أسواق الطاقة قبل الاستحقاقات الانتخابية، أم تتحول الحرب الطويلة وارتفاع كلفتها إلى عبء سياسي يهدد مستقبله؟ وماذا سيكون مصير حساباته إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس، ووجد نفسه أمام معارضة ديمقراطية أكثر قدرة على تقييد سياساته أو فتح ملفات سياسية ضده؟.

وفي المقابل، يبقى السؤال الأصعب بالنسبة لبنيامين نتنياهو: إذا تغيرت موازين القوى في واشنطن، وخسر حليفه السياسي الأقوى، فهل يبقى لديه هامش للمضي في استراتيجية التصعيد؟ أم أن رهانه على الحرب قد يتحول من وسيلة لتعزيز موقعه السياسي إلى عامل يهدد مستقبله؟.

وهل تصمد الهدنة في الساحة اللبنانية أم تتحول التطورات الإقليمية إلى عامل يعيد إشعال الحدود ويفتح الباب أمام مواجهة جديدة بين إسرائيل والمقاومة، خصوصاً إذا رأت تل أبيب أن الظروف السياسية أو العسكرية تمنحها فرصة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *