إقليميات

اليمن يحذر المملكة من التصعيد الشامل.. حصاد للعمليات اليمنية ضد السعودية

بقلم نوال النونو

وعلى الرغم من مرور ما يقارب الشهر على قرار اليمن حظر الملاحة البحرية للسعودية في البحر الأحمر، إلا أن الرياض لم ترضخ لمطالب اليمن المشروعة، ما يعني أننا مقبلون على تطورات جديدة قد تشعل الفتيل أكثر، فصنعاء ستنتقل بالتأكيد إلى المرحلة الثانية من التصعيد، وهي خطوات ستكون أكثر إيلاماً على السعودية.

ويؤكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن اليمن بات يفرض ثلاث معادلات ردع مع السعودية، تتمثل الأولى في “الحصار بالحصار” من خلال فرض حصار محكم على السعودية لا تستطيع أمامه تمرير سفينة واحدة، أما “المعادلة الثانية، فهي ضرب التحشيدات السعودية أينما كانت، فيما تتمثل المعادلة الثالثة في حماية سيادة اليمن والتصدي لأي اختراقات”.

ويكشف العميد سريع عن حصاد لأهم العمليات اليمنية ضد السعودية وأدواتها منذ إعلان قرار الحظر البحري في 20 يوليو/تموز الماضي، مؤكداً أنه تم استهداف 8 سفن نفطية سعودية، 5 منها في البحر الأحمر وثلاث في خليج عدن والبحر العربي، كما تم منع 48 سفينة نفطية سعودية من العبور وإجبارها على العودة، منها 34 سفينة تم منعها من العبور في البحر العربي والمحيط الهندي و14 سفينة تم منعها من العبور في البحر الأحمر، مشيراً إلى أنه “في إطار الرد على العدوان السعودي على مطار صنعاء وميناء الحديدة وتثبيتاً لمعادلة حماية السيادة اليمنية من الاختراقات لأجواء اليمن، وخصوصاً في محافظتي صعدة وحجة، تم تنفيذ 9 عمليات عسكرية توزعت على ينبع ونجران وجيزان وأبها وإمدادات النفط في المنطقة الشرقية”.

وأكد أنه “وفي إطار تثبيت معادلة استهداف التحشيدات السعودية أينما كانت، تم تنفيذ 14 عملية عسكرية استهدفت التحشيدات التابعة للسعودية في مناطق [الرويك والعبر والوديعة ومأرب والمخا وسفن وزوارق نقل معدات وتحشيدات تابعة لها]، لافتاً إلى أنه كان من نتائج العمليات مصرع وإصابة المئات من التحشيدات السعودية، بينهم قادة وضباط سعوديون، وإحراق وتدمير عدد كبير من المخازن والمعدات التابعة لها وللموالين لها”.، مضيفاً أنه : “تم إغراق وإحراق سفينتي إنزال عسكرية تنقل الأسلحة والتحشيدات السعودية في المخا، وكذا إحراق وإغراق أكثر من 10 زوارق حربية تابعة للتحشيدات السعودية تمارس أعمال قرصنة وتقطع وتنهب في البحر الأحمر بتوجيهات سعودية”.

وبعد أن قدم العميد سريع حصيلة لهذه العمليات، حذر من “خطورة الإقدام على أي تصعيد”، مؤكداً أن “أي تصعيد سعودي ضد اليمن سيواجه بتصعيد شامل”، كما أكد أنه ليس أمام السعودية من خيار إلا رفع الحصار وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إنهاء حربها ورفع الحصار ودفع المرتبات ورحيلها، وترك ثروات الشعب اليمني للشعب كله.

البحر أهم ساحات المواجهة

وتقدم هذه الحصيلة تصوراً واضحاً لطبيعة المعادلة التي تحاول صنعاء فرضها في مواجهة الرياض، فاستهداف السفن النفطية ومنع السفن من العبور، بالتوازي مع ضرب التحشيدات والمواقع المرتبطة بالتحركات السعودية، يشير إلى أن التصعيد اليمني لا يتحرك في مسار واحد، وإنما يقوم على توسيع نطاق الضغط ليشمل الجوانب البحرية والعسكرية والأمنية، بما يجعل استمرار التصعيد السعودي أكثر كلفة وأوسع تداعيات.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن البحر أصبح أحد أهم ساحات المواجهة، بعدما انتقلت المعركة من نطاقها التقليدي إلى محاولة التأثير في حركة الإمدادات والطاقة المرتبطة بالسعودية، وإذا كانت صنعاء قد ربطت قرار الحظر البحري بمطالب محددة تتعلق بإنهاء الحرب ورفع الحصار ودفع المرتبات، فإن استمرار العمليات البحرية والعسكرية يحمل رسالة مفادها أن بقاء الوضع القائم لن يعني بقاء الرد اليمني عند مستواه الحالي، وإنما قد يقود إلى توسيع دائرة الاستهداف وفق ما تسميه صنعاء “التصعيد بالتصعيد”.

وفي المقابل، فإن الأرقام التي أعلنها المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية بشأن السفن التي تم استهدافها أو منعها من العبور، إلى جانب العمليات التي استهدفت التحشيدات والمعدات والزوارق، تكشف عن محاولة فرض كلفة مباشرة على استمرار السياسة السعودية، فبدل أن يبقى الحصار واقعاً مفروضاً على اليمن من طرف واحد، تسعى صنعاء إلى تحويله إلى معادلة متبادلة، بحيث تصبح المصالح السعودية نفسها عرضة للضغط كلما استمر الحصار على اليمن.

وهنا تبرز الرسالة الأهم في التحذير الذي أطلقه العميد سريع من “تصعيد شامل”، فالتحذير لا يبدو منفصلاً عن الحصيلة التي سبقت الإعلان عنه، وإنما يأتي بوصفه انتقالاً من عرض ما تحقق إلى تحديد ما يمكن أن يحدث لاحقاً، بمعنى آخر، فإن العمليات السابقة تُقدَّم باعتبارها نموذجاً لما تستطيع صنعاء فعله، بينما يُطرح التصعيد المقبل باعتباره احتمالاً مرتبطاً بالخطوة التي ستتخذها الرياض.

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار السعودية في رفض المطالب اليمنية قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اتساعاً من المواجهة، خصوصاً أن صنعاء أعلنت بوضوح أن خياراتها ليست مفتوحة بلا حدود أمام التصعيد السعودي، وأن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك بالقوة ستقابل بتغيير مماثل في طبيعة الرد، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً من عمليات متفرقة إلى نمط أكثر انتظاماً واتساعاً، إذا ما استمرت الأسباب التي دفعت إلى فرض الحظر البحري.

وعليه، فإن الاحتمال الأبرز خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار الضغط اليمني تدريجياً، مع إبقاء سقف التصعيد قابلاً للارتفاع تبعاً للموقف السعودي، وإذا لم تحدث استجابة للمطالب المطروحة، فقد تتجه صنعاء إلى توسيع نطاق العمليات أو زيادة وتيرتها، بما يتناسب مع المعادلات الثلاث التي أعلن عنها المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية: الحصار بالحصار، وضرب التحشيدات، وحماية السيادة من الاختراقات.

أما الاحتمال الآخر، فيتمثل في أن تدفع كلفة العمليات وتداعيات استمرارها الرياض إلى البحث عن مسار يخفف من حدة المواجهة، خصوصاً إذا أصبحت المحافظة على حركة الملاحة والإمدادات أولوية تتطلب معالجة أسباب التصعيد بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه العسكرية.

وبين هذين الاحتمالين، تبدو الرسالة اليمنية واضحة: المرحلة السابقة من المواجهة انتهت إلى معادلة جديدة، ولم يعد الحصار بالنسبة لصنعاء إجراءً يمكن أن يستمر من دون رد، ولذلك فإن التحذير من “التصعيد الشامل” يمثل في جوهره إعلاناً بأن مستوى المواجهة المقبلة سيتحدد بدرجة كبيرة وفق السلوك السعودي خلال الفترة القادمة.

ويرسم حصاد العمليات المعلن ملامح مرحلة جديدة في المواجهة اليمنية السعودية، عنوانها محاولة نقل الضغط من الداخل اليمني إلى المصالح السعودية المرتبطة بالبحر والطاقة والتحشيد العسكري، ومع استمرار غياب الاستجابة السعودية للمطالب التي تطرحها صنعاء، فإن احتمالات اتساع المواجهة تبقى قائمة، فيما تظل قدرة الطرفين على تجنب الانزلاق إلى تصعيد أكبر مرتبطة بمدى استعداد السعودية للاعتراف بأخطائها في اليمن ومعالجة ذلك بالتعويضات ورفع الحصار وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *