الجيش السوداني يستعيد شمال كردفان
بقلم توفيق المديني
أعلن الجيش السوداني في نهاية شهر تموز/يوليو 2026، فرض سيطرته على مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، عقب مواجهات مع قوات الدعم السريع، مشيراً إلى أنَ هذه المناطق تمثل ممرات استراتيجية تربط وسط السودان بولاية شمال كردفان وإقليم دارفور غرب البلاد، بحسب بيان الجيش.
وتشهد ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025 مواجهات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في إطار الصراع المستمر بين الطرفين.. ويسيطر الجيش السوداني على أجزاء واسعة من ولاية النيل الأزرق، بينما تقاتل “الحركة الشعبية-شمال” الحكومة منذ عام 2011، مطالبة بحكم ذاتي لإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
مقتل قائد للدعم السريع غرب دارفور..
والجيش السوداني يعزز قواته غرب كردفان
أعلنت القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني تحقيق نصرٍ عسكريٍّ في معركتي بئر سليبة وحجر مرفعين بولاية غرب دارفور، أسفر عن مقتل قائد العمليات العسكرية للدعم السريع اللواء مهدي جبل مون.
وأكد مسؤول سوداني تمكن الجيش من الاستيلاء على 1300 طن من الأسلحة والمعدات الحربية من قوات” الدعم السريع” في المعارك الأخيرة في شمال كردفان.ونقل موقع “سودان تربيون” عن مصادر عسكرية إرسال الجيش السوداني تعزيزات عسكرية إلى محاور القتال في كردفان، شملت نحو 22 قافلة عسكرية، تضمن بعضها مدرعات باكستانية الصنع ومسيّرات استطلاع تسلمها الجيش الشهر الماضي.
وأفاد ضابطان بتسلم الجيش 100 مدرعة تباعاً مكنت قوات الجيش من توفير حماية باليستية، حيث إنها مخصصة للتصدي للنيران الخفيفة والمتوسطة وشظايا القذائف، إضافة إلى حماية طاقم المشاة وقوافل الإمداد أثناء التنقل في المناطق القتالية.
بدوره أكد وزير الدفاع السوداني الفريق حسن داود كبرون، تمسك القوات المسلحة بمواصلة عملياتها العسكرية، مشدداً على أنه “لا مجال لدخيل أو خائن”، ومعتبراً أن السودان يمتلك موارد كبيرة تجعله محل أطماع خارجية. وبالمقابل وصل رتل عسكري ضخم للدعم السريع خلال الأسبوعين الفائتين، تمركز جزء منه في غابة ود الحليو غرب النهود، بينما انتشرت مفارز أخرى في الأحياء الشرقية، مع استمرار تدفق شاحنات الإمدادات اللوجستية.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب سيطرة الجيش السوداني، خلال الأسبوعين الماضيين، على مناطق جبرة الشيخ وأم قرفة وأم سيالة وبارا، ما اضطر قوات الدعم السريع إلى إعادة انتشارها في النهود والمزروب وعيال بخيت، وسط تكهنات بتوسع رقعة الاشتباكات.
وتحتفظ النهود بأهمية استراتيجية بوصفها عقدة لوجستية تربط بين إقليمي كردفان ودارفور، وهو ما عزز قيمتها العسكرية منذ انتقال المعارك إلى هذه المنطقة، بالتزامن مع انكماش خطوط تمركز الدعم السريع شرقاً وغرباً مؤخراً. وشهدت ولاية شمال كردفان خلال الأسابيع الماضية تقدماً للقوات المسلحة السودانية، وهو ما أدى إلى انسحاب قوات الدعم السريع نحو قرى ومناطق مجاورة، من بينها منطقة الجمامة شمال غربي بارا.
حركة انشقاقات واسعة داخل معسكر حميدتي
تواصلت الانشقاقات في صفوف قوات الدعم السريع، وانضمام مقاتلين منها إلى الجيش السوداني، بعد التقدم الأخير على عدة جبهات. وقالت مصادر سودانية، إن أحد الانشقاقات وقعت في مجموعة اللواء موسى علي أحمد، المعروف بلقب موسى خمسين، ووصل المنشقون إلى مدينة الدبة في ولاية شمال كردفان، وعددهم 318 مقاتلا و50 عربة قتالية. وهذا الانشقاق ليس الأول، في صفوف ألوية وتشكيلات الدعم السريع، في ظل الخسائر الميدانية التي تتكبدها على الأرض.
يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد القتال في شمال كردفان والنيل الأزرق واستمرار هجمات الطائرات المسيرة على المدن والمنشآت المدنية. ووصلت المجموعة إلى الدبة بكامل عتادها العسكري، قبل أن تتجه مراسم استقبالها إلى مناطق حدود العاصمة الخرطوم. وقال “موسى خمسين” خلال الاستقبال إن قرار الانشقاق جاء بسبب ما وصفه بغياب العمل المؤسسي داخل الدعم، مؤكدا أن مجموعته اختارت العودة إلى القوات المسلحة والاستعداد للقتال إلى جانبها دفاعا عن وحدة السودان واستقراره.
ورحب قائد حرس الحدود السوداني العقيد محمد صالح يونس، بالقوة المنضمة إلى الجيش، وقال إن أبواب القوات المسلحة مفتوحة أمام الراغبين في العودة، داعياً عناصر الدعم السريع إلى عدم الانخراط في القتال ضد الجيش. ويعمل الجيش السوداني بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان على توسيع رقعة سيطرته، على الطرق الرئيسية غرب البلاد ووسطها، وقطع خطوط إمداد الدعم السريع في كردفان ودارفور.
وتتسارع وتيرة التطورات الميدانية والسياسية في المشهد السوداني بشكل لافت، فبينما تحكم قوات الدعم السريع قبضتها الأمنية على مدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور عبر أوسع استنفار عسكري تشهده المدينة منذ سقوطها، تتهاوى تحصيناتها في محاور أخرى تحت وطأة انشقاقات جماعية وضربات متلاحقة للجيش السوداني.
وعلى وقع هذه التحركات العسكرية والتطورات الميدانية يدفع المدنيون العزل الفاتورة الأكبر، حيث تتفاقم أزمة النزوح في أقاليم كردفان والنيل الأزرق وسط ظروف إنسانية كارثية زادها دخول موسم الأمطار تعقيداً وقسوة. وعلى الرغم من محاولات الدعم السريع حشد قواتها في التخوم الشمالية الغربية لولاية شمال كردفان، وشن هجمات باستخدام الطائرات المسيرة لاستعادة الأراضي التي خسرتها مؤخراً، إلا أن هذه المساعي باءت بالفشل.
ويعزو متابعون ذلك إلى الكثافة العددية للجيش والقوات المساندة له في تلك المناطق، فضلاً عن الغطاء الجوي الكثيف الذي يحيد أي تجمعات للدعم السريع المهاجمة، وحصوله على معدات عسكرية باكستانية الصنع مدرعات تمتاز بالخفة وسرعة الحركة طائرات ومسيّرة للاستطلاع والهجوم من طرازات متعددة، أبرزها مسيّرات “شاهبار”. وبدى واضحاً خلال الأسابيع الأخيرة أن الجيش السوداني بات يمتلك زمام المبادرة والمناورة في غالبية المحاور.
وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع النبرة التصعيدية لرئيس هيئة الأركان، الفريق أول ياسر العطا، الذي قطع الطريق أمام أي مسارات تفاوضية أو هدن مؤقتة. فقد تحدث العصا في تصريحات صحفية عن قرب إعلان “تحرير كامل التراب السوداني”، مؤكدا أن الخيارات المتاحة أمام الخصم باتت محدودة.
الشعب السوداني يعاني من آثار الحرب الأهلية
تستمر المآسي الإنسانية جراء التصعيد العسكري في السودان، ففي إقليم كردفان، أطلقت منظمتا “مناصرة ضحايا دارفور” و”الأمل والملاذ للاجئين” نداءات استغاثة عاجلة لوقف التدهور المروع في الأوضاع المعيشية. وأجبرت العمليات العسكرية المندلعة منتصف أغسطس الجاري في محلية شيكان نحو 4250 مدنيا على الفرار من قرى “أم عرادة”، “تُميد”، و”الخور الأبيض”.
واضطرت هذه العائلات، التي تشكل النساء والأطفال وكبار السن السواد الأعظم منها، إلى اللجوء لمناطق داخل شيكان أو خوض رحلة محفوفة بالمخاطر نحو مدينة أم درمان، هربا من جحيم المعارك والارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء، وسط تحذيرات من كارثة صحية مع دخول موسم الخريف. أما في جنوب البلاد، وتحديدا في إقليم النيل الأزرق، فالوضع ليس أقل قتامة، فقد رصدت “شبكة أطباء السودان” تدفق أكثر من خمسة آلاف نازح من مدينة “قيسان” صوب “الدمازين” وسط أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.
وقالت الشبكة الطبية المستقلة في بيان إن النازحين يعانون نقصا حادا في الغذاء والدواء ومواد الإيواء، “بما يهدد حياتهم ويزيد من معاناتهم، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن”.
وحذرت الشبكة من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين في ظل الأمطار الغزيرة التي تشهدها الولاية، وما قد يترتب عليها من مخاطر صحية وبيئية، في ظل محدودية الموارد والقدرات المتاحة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة. وتتصاعد المخاوف الطبية من تفشي الأمراض الوبائية وسط مخيمات وتجمعات النازحين المكشوفة للأمطار الغزيرة، في ظل عجز واضح في الموارد وشبه غياب للمنظمات الإغاثية الدولية التي وجهت لها نداءات متكررة للتدخل الفوري وتأمين مسارات آمنة لإيصال المساعدات.
عودة البرهان إلى استئناف مهامه من القصر الجمهوري بالخرطوم
استأنف رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش في السودان الفريق أول ركن عبد الفتاح برهان نشاطه الرسمي – يوم الخميس 13 آب/أغسطس 2026 من داخل القصر الجمهوري في الخرطوم، متسلماً أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع عودة مؤسسات الدولة إلى العمل من العاصمة، بعد سنوات من إدارتها مؤقتا من مدينة بورتسودان شرقي البلاد.
ومنذ اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل/نيسان 2023، كان القصر الجمهوري أحد أبرز المواقع التي دارت حولها المعارك في وسط الخرطوم. وسيطرت قوات الدعم السريع على القصر خلال الأيام الأولى للحرب، وظل تحت سيطرتها حتى مارس/آذار 2025، عندما أعلن الجيش استعادته خلال تقدمه في وسط العاصمة.
وأجبرت المعارك التي اندلعت في الخرطوم الحكومة ومؤسسات الدولة على نقل أعمالها إلى مدينة بورتسودان شرقي البلاد، بعدما أصبحت العاصمة ساحة معارك وتعذر على مؤسسات الدولة مواصلة عملها من مقارها.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت بورتسودان مركزاً مؤقتاً لإدارة أعمال الحكومة، واستضافت اجتماعات مجلس الوزراء ومؤسسات الدولة، إلى جانب عدد من البعثات والمنظمات الدولية التي نقلت نشاطها من الخرطوم. واستمر عمل الحكومة من بورتسودان لنحو ثلاثة أعوام، في حين ظلت الخرطوم العاصمة الرسمية ومركز الدولة من الناحية الدستورية والقانونية. وبعد استعادة الجيش مناطق واسعة من العاصمة، بدأت الحكومة التحضير لإعادة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم. وفي أبريل/نيسان 2025، وضعت الأمانة العامة لمجلس الوزراء خطة لعودة الوزارات والمؤسسات الحكومية من بورتسودان إلى العاصمة على مراحل.
وخلّفت الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة والسلطات المحلية، فيما قدر بحث أجرته جامعات أمريكية عام 2024 عدد القتلى بنحو 130 ألفا.ً
خاتمة
بعد أن كان السودان في عقد التسعينيات من القرن العشرين يقيم علاقات وثيقة مع محور المقاومة، ولا سيما مع العمود الفقري لهذا المحور أي إيران، علاقات في المجال السياسي الأمني والإيديولوجي الديني منذ تولي عمر البشير زمام السلطة في عام 1989، حيث أقامت إيران تحالفاً استراتيجياً مع السودان، الذي كان معادياً لأمريكا والكيان الصهيوني، واستطاع هذا التحالف بين الدولتين الإيرانية والسودانية، أن يبقى قائماً بعد التصدع الذي حدث بين نظام البشير وحسن ترابي في نهاية التسعينات.
وتدفقت الاستثمارات الإيرانية إلى السودان، وكانت ناجحة رغم تعرضها للضغوطات الدولية والأزمات الداخلية في السودان، تلك الاستثمارات قد مكنت إيران من التأثير والنفوذ في الشرق الأوسط وأن يلمع اسمها حتى في داخل إفريقيا السوداء. وبناء على ذلك تقوم ما يشبه المنافسة بين إيران ودول عربية للوصول إلى قلب السودان، تلك المنافسة التي كانت إيران تحتل فيها موقعاً متقدماً.
غير أنَّه بعد مرور عامين على الحراك الشعبي الذي قام به الشعب السوداني ضدَّ نظام عمر البشير في 18ديسمبر/كانون الأول 2018، ونيل الشعب السوداني الحرّية التي يطمح لها، لا سيما أنَّ المكسب الوحيد الذي تحقق في البلاد هو حرِّية التعبير، لكنَّه ظل ينتظر الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي طالب بها، يعتقد الكثير من السودانيين أنَّ الجيش يهيمن على مجلس السيادة، وهو الهيكل الذي يحكم السودان منذ أغسطس/آب 2019.ويرى الشعب السوداني أنَّ الجيشَ يُعَرْقِلُ عملية التحول الديمقراطي، ويَحُولُ دونَ تَحْقِيقَ المطالب التي نادت بها، “الحرِّية والسلام والعدالة”. فالفاعلون الرئيسيون في النظام القديم ما زالوا يشغلون مناصب رفيعة المستوى في الدولة، وذلك رغم الجرائم التي ارتكبوها.
والقيادات المتنفذة في الجيش هيَ مَنْ تُؤَخِّرُ تشكيلَ المجلسِ التشريعيِّ الذي كان ينبغي تكونه في نهاية عام 2019، وذلك بسبب رغبتها في التفرد بالسلطة. ويواصل الجيش بسط نفوذه على معظم الشركات ومجال تعدين الذهب وإنتاج الأغذية والمنسوجات. وهذا الأمر يَحُولُ دون وضعِ حدٍّ للفساد الذي استفحل في ظل النظام القديم، وإيجادِ حلٍّ للنقصِ الفادحِ في الخبزِ والوقود، إذ يتحكم الجيش في حوالي 82 في المئة من ميزانية الدولة.
في هذا الوقت بالذات من مرور السودان بمرحلة الانتقال من عهد حكم البشري إلى نظام جديد غير محدّد الهوية، يعوّل الكيان الصهيوني على التطبيع مع السودان لتحقيق المزيد من التغلغل الصهيوني داخل بلدان القرن الإفريقي، وفي باقي البلدان الإفريقية الواقعة في وسط وشرق القارة، مستغلاً حالة الضعف التي يعاني منها السودان لالتقاط الأنفاس، لأنَّ السلطة فيه انتقالية ومكبلة بقيودٍ عديدةِ.
الكيان الصهيوني حقق اختراقاً استراتيجياً بإخراج السودان من محور المقاومة، في ظل حرص القيادة العسكرية الحالية المستولية على السلطة المضي قدماً في نهج التطبيع مع الكيان الصهيوني، مستغلة ضعف القوى السياسية السودانية وتشرذمها وعجزها عن بلورة البديل الوطني والديمقراطي. والحال هذه، وضع الكيان الصهيوني علاقته مع السوان على قائمة أولويات منظومة أمنه القومي بهدف ترسيخ تفوقه العسكري والاقتصادي في المنطقة، والْهَيْمَنَةِ على القرن الإفريقي والبحر الأحمر والخليج العربي (جغرافياً، واستراتيجياً، وأمنياً).
