مِن فِيتنَام إلى إِيران: حِينَ يَعجزُ التَّفوق الأَمريكي عن صِناعة النَّصِر
بقلم زينب عدنان زراقط
لِمَن لا يُصدِّق أن إيران انتصرت في حربها مع أمريكا، فليَعُد إلى التاريخ، من كوريا وفيتنام إلى أفغانستان والعراق، وصولاً إلى حربها غير المباشرة مع روسيا؛ ففي كل مرة دخلت واشنطن الحرب وهي تراهن على التفوق، خرجت في النهاية مُثقلةً بالخسائر، ومهزوزة الهيبة، منهزمة!.
تاريخ الولايات المتحدة العسكري يكشف حقيقة كثيراً ما تتجاهلها الحسابات السياسية المبنية على التفوق في السلاح: امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق النصر. فمنذ الحرب الكورية مروراً بفيتنام وأفغانستان والعراق، أثبتت التجربة الأمريكية أن التفوق الجوي والتكنولوجي والقدرة على تدمير البنية العسكرية للخصم لا تكفي وحدها لفرض إرادة سياسية مستقرة.
وفي الحرب الدائرة مع إيران، بدلاً من انهيار طهران، ظهرت قدرة إيرانية على مواصلة الضرب والرد، فيما أصبح مضيق هرمز وأمن القواعد الأمريكية في الخليج والعلاقات مع الدول المضيفة عوامل ضغط على واشنطن. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد تكون الولايات المتحدة قادرة على إيقاع أضرار هائلة بخصمها، لكنها لم تتمكن من تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة تفرض من خلالها شروطها على إيران.
وهنا يمكن الحديث عن تقييد القوة الأمريكية، إذ إن المسار المنطقي في النهاية قد يقود إلى التفاوض، ليس لأن أحد الأطراف فقد كل قدراته، وإنما في حرب الاستنزاف تصبح تكلفة الاستمرار أعلى من تكلفة التسوية.
فهل تكشف التجارب التاريخية للحروب الأمريكية، من كوريا وفيتنام إلى أفغانستان والعراق، عن نمطٍ متكرر تتحول فيه الانتصارات العسكرية إلى إخفاقات سياسية واستراتيجية، وما الذي يختلف في الحالة الإيرانية؟ وهل تستطيع إسرائيل مواصلة الحرب وفتح جبهة لبنان من دون غطاء أمريكي، أم أن حسابات واشنطن ستفرض عليها التراجع والتسوية؟
هزائم أمريكا التاريخية وصولاً إلى إيران
أ- من كوريا وفيتنام إلى العراق: يمكن فهم المأزق الأمريكي الحالي من خلال التجارب التاريخية السابقة التي حققت فيها الولايات المتحدة انتصارات عسكرية، لكنها أخفقت سياسياً. وكما تلخص إحدى القواعد الاستراتيجية المستخلصة من التجارب العسكرية الأمريكية: قد تنتصر الولايات المتحدة في المعركة، لكنها تخسر الحرب عندما تعجز عن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية. ففي الحرب الكورية، تمكنت الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها من منع سقوط كوريا الجنوبية وتحقيق مكاسب عسكرية مهمة، لكن الحرب انتهت دون تحقيق الهدف السياسي المتمثل في توحيد شبه الجزيرة. بقيت الحدود تقريباً عند خطوط ما قبل الحرب، وتحولت القوة العسكرية إلى تسوية سياسية محدودة.
أما حرب فيتنام فكانت المثال الأكثر وضوحاً على الفارق بين الانتصار التكتيكي والهزيمة الاستراتيجية. امتلكت الولايات المتحدة تفوقاً هائلاً في الطيران والمدفعية والتكنولوجيا، وأوقعت خسائر ضخمة بالقوات الفيتنامية، لكنها لم تستطع تحويل ذلك التفوق إلى إرادة سياسية قابلة للاستمرار. وفي النهاية انسحبت القوات الأمريكية، وسقطت سايغون عام 1975.
وتكرر نمط مشابه في أفغانستان. فقد استطاعت الولايات المتحدة إسقاط حكومة طالبان في بداية الحرب والسيطرة على مساحات واسعة، لكنها لم تتمكن من بناء واقع سياسي دائم يمنع عودة الحركة. وبعد عقدين تقريباً، انتهى التدخل الأمريكي بانسحاب ترك وراءه عودة طالبان إلى السلطة.
وفي العراق، كان المشهد أكثر وضوحاً: سقطت بغداد بسرعة، وانتهى النظام الذي قادته واشنطن، لكن الاحتلال تحول إلى حرب طويلة واستنزاف سياسي وعسكري. وهكذا تحققت عملية عسكرية كبرى، بينما بقي تحقيق النتيجة السياسية النهائية أكثر تعقيداً.”
ب- الحرب ضد إيران: بينما تبدو المواجهة مع إيران أكثر تعقيداً من الحالات السابقة لسبب جوهري: الولايات المتحدة لا تواجه دولة منهارة عسكرياً أو سياسياً، بل دولة تمتلك قدرات صاروخية واسعة، وعمقاً جغرافياً كبيراً، وشبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة، فضلاً عن القدرة على تهديد خطوط الملاحة والطاقة.
والأكثر حساسية هو التهديد المحتمل للبنية التحتية الحيوية تحت الماء، بما فيها كابلات الاتصالات والإنترنت في منطقة الخليج. فأي اضطراب واسع في هذه البنية يمكن أن يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى الأزمة، نظراً لاعتماد الاقتصاد العالمي على شبكات الاتصالات العابرة للحدود.
كان يكفي إيران أن تمنع واشنطن من تحقيق أهدافها المعلنة، من تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وإضعاف النظام السياسي، وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى القضاء على نفوذ إيران الإقليمي، لكي تعتبر نفسها منتصرة. وهنا يصبح معيار النصر مختلفاً، ويتمثل ذلك بصمود إيران ورفع كلفة الحرب اقتصادياً وسياسياً على الولايات المتحدة وحلفائها. فالحقيقة أن أمريكا في حربها مع إيران تلقّت الصاع بصاعين، هزيمةً نكراء، عسكرياً وسياسياً!.
هل تستطيع إسرائيل وحدها مهاجمة إيران؟
صحيح أن إسرائيل تستطيع تنفيذ عمليات جوية واستخباراتية واسعة، لكنها لا تستطيع إدارة حرب إقليمية مفتوحة بمعزل عن الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة توفر لإسرائيل دعماً عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً بالغ الأهمية، كما أن الدفاع عن المجال الجوي الإسرائيلي في مواجهة هجمات صاروخية كثيفة يحتاج إلى كميات كبيرة من منظومات الاعتراض والذخائر. وبالتالي، فإن المشكلة الإسرائيلية ليست بالضرورة في القدرة على تنفيذ ضربة جديدة، بل في القدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة. إذا تحولت المواجهة إلى تبادل مستمر للصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن معادلة الكلفة تصبح أكثر تعقيداً. فالدولة التي تعتمد على منظومات دفاعية عالية التكلفة لمواجهة هجمات صاروخية متكررة تواجه مع مرور الوقت تحدي المخزون والتمويل والقدرة على التعويض.
وهذا يفسر لماذا لا تكفي القوة الجوية وحدها لإثبات إمكانية الانتصار في حرب طويلة. وهو الدرس المستفاد من الحرب الروسية – الأوكرانية التي تكشف جانباً مهماً من هذه المعادلة. فقد تحولت الحرب التي توقع البعض أن تكون قصيرة إلى صراع طويل استنزف كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر وأعاد إحياء سؤال القدرة الصناعية على إنتاجها.
والدرس الأبرز ليس أن روسيا انتصرت أو أن الغرب انهار، وإنما أن الحرب الحديثة تستهلك الموارد بوتيرة قد تتجاوز توقعات صناع القرار. وقد أثبتت الحرب أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يعني امتلاك مخزون غير محدود منها. فالذخائر الاعتراضية، والصواريخ الدقيقة، والمدفعية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي كلها تحتاج إلى إنتاج مستمر وسلاسل إمداد مستقرة. وعندما تتزامن حرب طويلة في أوروبا مع أزمة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، فإن الضغط على هذه الموارد يصبح أكثر وضوحاً.
وفي اعتراف أمريكي علني بنقص مخزونات الذخائر، قال الرئيس الأمريكي ترامب “انخفاض مخزونات الذخائر الأمريكية يعود إلى تقديم إدارة بايدن مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 300 مليار دولار”.
وهنا تظهر مشكلة أمريكية أساسية: الولايات المتحدة تستطيع تحمل تكلفة عسكرية ضخمة لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع تجاهل آثار حرب طويلة على أسعار الطاقة والتضخم والأسواق وثقة المستثمرين. كل ارتفاع في أسعار الطاقة، وكل اضطراب في سلاسل الإمداد، وكل زيادة في الإنفاق العسكري، يمثل تكلفة إضافية. ومع استمرار المواجهة، يصبح السؤال الداخلي في الولايات المتحدة أكثر أهمية: إلى متى يستطيع المجتمع الأمريكي تحمل حرب لا تبدو نهايتها واضحة؟.
ومن هذا المنظور، تصبح المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وأمن الملاحة في الخليج، والحرب في لبنان واليمن، والحرب الروسية ـ الأوكرانية، أجزاء من منظومة واحدة أكبر تتعلق بإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي.
لماذا قد تكون الهزيمة الأمريكية اقتصادية أكثر منها عسكرية؟
أخيراً، في الحروب الحديثة، الهزيمة الاستراتيجية يمكن أن تحدث عندما:
1. تعجز الدولة عن تحقيق أهدافها المعلنة.
2. تستنزف موارد عسكرية واقتصادية ضخمة.
3. تفقد قدرتها على فرض شروط التسوية.
4. ترتفع تكلفة حماية قواتها وقواعدها.
5. تتضرر مكانتها الردعية.
6. يزداد اعتماد الخصم على نفسه بدلاً من التراجع.
7. تتغير حسابات الحلفاء الإقليميين بشأن الاعتماد على القوة الأمريكية.
وبناءً عليه، إذا انتهت الحرب من دون تغيير النظام الإيراني، ومن دون تدمير قدراته الصاروخية، ومن دون القضاء على نفوذه الإقليمي، ومن دون ضمان حرية الملاحة بصورة مستدامة، فإن الولايات المتحدة ستكون أمام نتيجة تشبه بعض تجاربها التاريخية: قوة عسكرية هائلة حققت أضراراً هائلة، لكنها لم تحقق الغاية السياسية التي خاضت الحرب من أجلها.
أما إذا أضيف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الطاقة، واستنزاف مخزونات الذخائر، وزيادة الإنفاق العسكري، وتراجع ثقة الحلفاء بقدرة واشنطن على حمايتهم، فإن الخسارة لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واستراتيجية وسياسية أيضاً.
وهكذا، فإن التاريخ الأمريكي يعيد نفسه ولكن بصورة مختلفة:
– كوريا علمت الولايات المتحدة أن القوة العسكرية لا تكفي لتغيير الواقع السياسي.
– فيتنام أثبتت أن تدمير الخصم لا يعني إخضاعه.
– أفغانستان أثبتت أن احتلال الأرض لا يعني السيطرة على المستقبل.
– العراق أثبت أن إسقاط النظام أسهل بكثير من بناء نظام سياسي مستقر وفق شروط القوة المحتلة.
أما إيران، فإنها قد تضيف درساً جديداً، يمكن لدولة أقل تفوقاً عسكرياً أن تحوّل التفوق العسكري للخصم إلى عبء عليه، إذا امتلكت القدرة على الاستمرار والاستنزاف ورفع تكلفة الحرب.
في الختام، يمكن القول إن جبهة لبنان تبدو تحصيل حاصل لأي تسوية إقليمية شاملة؛ فإسرائيل تواجه فيها سقفاً عسكرياً وسياسياً واضحاً، إذ يبقى خوض حرب واسعة وطويلة مرتبطاً بالدعم الأمريكي، وفي ظل تردد واشنطن في الانخراط في حرب إقليمية جديدة، تضيق قدرة إسرائيل على تحويل التصعيد إلى حرب قابلة للحسم. ويبقى السؤال: ماذا ستحمل الرهانات الانتخابية لكلٍّ من ترامب ونتنياهو، وهل تدفعهما إلى التهدئة والتسوية أم إلى مزيد من التصعيد؟.
