الجَنوب اللُبنَاني في سِباق الوَقت: بين التَّفاوض الأمريكي – الإيراني وحِسَابات نتنياهو للتَصعِيد
بقلم زينب عدنان زراقط
على الرغم مما شهده الجنوب اللبناني من استنزاف واسع، ودمار وتهجير وتجريف وغارات وعمليات نسف، لم تتجرأ إسرائيل على التعامل معه بالطريقة التي تعاملت بها مع الأراضي السورية، حيث انتقلت من التوغل إلى فرض واقع ميداني معلن، كما حدث في جبل الشيخ الذي دخله بنيامين نتنياهو ووقف فوقه معلناً تكريس السيطرة الإسرائيلية عليه.
أما في الجنوب اللبناني، فلا تزال إسرائيل تتحرك بحذر، فتدفع بالجرافات، أحياناً عن بُعد أو بواسطة تقنيات مسيّرة، وتزرع المتفجرات وتنفذ عمليات الهدم والتجريف في خطوات متدرجة، بعيداً عن مواجهة مباشرة واسعة.
وتدرك إسرائيل أن هذا الجنوب ليس ساحة خالية من المقاومة، وأن الهدوء القائم لا يعني غياب الرصد أو انتهاء القدرة على الرد. وفي المقابل، اختارت المقاومة سياسة الصبر الاستراتيجي، وأفسحت المجال أمام الدولة اللبنانية ورئاستي الجمهورية والحكومة لخوض المسار الدبلوماسي والمفاوضات المباشرة، على أمل استعادة الحقوق اللبنانية بالوسائل السياسية.
إلا أن هذا المسار، وفق هذه القراءة، لم يوقف الاعتداءات الإسرائيلية، بل سمح باستمرار عمليات التجريف والنسف والاستيلاء على الأراضي والمنازل، في وقت لم يُقابل فيه ذلك بموقف رسمي يرقى إلى مستوى تعليق المفاوضات أو إعادة النظر في جدواها، بل استمرت التنازلات فيما دفع الجنوب وأهله كلفة هذا المسار.
بعد سبع جولات تفاوضية، ومع الحديث عن جولة ثامنة يفترض أن تنعقد خلال شهر سبتمبر، بات لبنان أمام سباق مع الوقت؛ إذ لا تفصلنا سوى أيام معدودة عن أكتوبر، الموعد المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل، فيما لا تزال تل أبيب لم تحدد موعداً واضحاً لاستئناف المفاوضات. ويأتي ذلك بالتزامن مع اقتراب موازين القوى الإقليمية من تفاهم أمريكي – إيراني محتمل، يُطرح فيه لبنان في صدارة الملفات، مع التأكيد على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
ماذا حققت الولايات المتحدة من حربها على إيران، ولماذا انتقلت من خيار المواجهة العسكرية إلى البحث عن تسوية عبر التفاوض؟ ومع اقتراب التفاهم الأمريكي – الإيراني، ما الخيارات التي ستلجأ إليها إسرائيل بين التصعيد والتفاوض، وكيف ستؤثر حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية في قرارها خلال المرحلة المقبلة؟
من الحرب إلى التفاوض: ماذا حققت واشنطن؟
أمّا في الجهةِ المقابلة، فخلاصة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، فإن واشنطن لم تحقق أياً من الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها، بقدر ما أنتجت تداعيات استراتيجية واقتصادية عكسية. فقد انتهت المواجهة إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية دون أن تتحمل الولايات المتحدة كلفة مباشرة توازي أهميته الاستراتيجية، بينما ارتفعت أسعار الوقود بصورة حادة، وازدادت الأعباء الاقتصادية على المواطنين الأمريكيين. وفي الوقت نفسه، تعرضت قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في دول الخليج لهجمات وأضرار، الأمر الذي وضع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أمام اختبار لم تكن واشنطن مضطرة إلى خوضه أصلاً. هذا ما أثّرَ على صورة الولايات المتحدة لدى عدد من الدول العربية، وعمقت الشكوك حول قدرتها على حماية حلفائها أو تقدير عواقب قراراتها العسكرية في المنطقة.
والأهم من ذلك كله أن إيران لم تكن، في الأساس، دولة تهدد الأراضي الأمريكية أو الأمن الداخلي الأمريكي بصورة مباشرة، لخوض حرب بهذا الحجم وخلق أزمة جديدة كانت واشنطن في غنى عنها.
بينما تشير مجموعة من الإشارات المتزامنة إلى أن المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة قد يكون دخل مرحلة أكثر جدية مع اقتراب استحقاق الكونغرس الأمريكي، حتى وإن لم يُعلن بعد عن اتفاق نهائي. فقد كشفت رويترز أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير أجرى اتصالاً بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل زيارته إلى طهران، وأن ترامب طلب منه استخدام نفوذ إسلام آباد لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات، في خطوة تؤكد أن الوساطة الباكستانية باتت جزءاً من المسار الرامي إلى إعادة فتح قنوات التفاوض. وفي موازاة ذلك، برز ملف مضيق هرمز بوصفه إحدى أبرز عقد التسوية، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني التوصل إلى تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن تقاسم إدارة المضيق وعائداته، قبل أن تؤكد مصادر إيرانية لاحقاً أن التفاصيل لا تزال قيد التفاوض.
وهذه التطورات لا تعني أن الاتفاق الأمريكي – الإيراني أصبح منجزاً، لكنها توحي بأن البحث لم يعد يدور فقط حول وقف المواجهة، بل انتقل إلى ترتيبات ما بعد الحرب، وفتح الممرات البحرية، وإدارة عائداتها، وإعادة تنظيم المصالح الإقليمية؛ وهي ملفات عادةً ما تظهر عندما تبدأ الأطراف في الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث في شكل التسوية المقبلة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية بالنسبة إلى لبنان، إذا كان أي تفاهم إقليمي مرتقب سيضع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية في صدارة بنوده، بما قد يفرض على إسرائيل اتخاذ قرار حاسم قبل أن تكتمل هذه المعادلة.
إسرائيل بين أربعة مسارات للتصعيد وحسابات التسوية
الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في المنطقة، وربما يؤدي إلى تخفيف مستوى المواجهة المباشرة وإعادة ترتيب أولويات الأطراف المختلفة. وفي الحالة اللبنانية، قد يكون من نتائج هذا التفاهم دفع إسرائيل نحو الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها، أو على الأقل ممارسة ضغوط أمريكية أكبر باتجاه تثبيت التهدئة. لكن ذلك يبقى مرتبطاً بمضمون الاتفاق نفسه وبقدرة واشنطن على ضبط السلوك الإسرائيلي. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تعني بالضرورة تطابق المصالح في كل لحظة، كما أن إسرائيل قد ترى أن بعض المكاسب التي يمكن تحقيقها ميدانياً يجب انتزاعها قبل إغلاق المسار التفاوضي. لذلك، فإن الاتفاق الإيراني – الأمريكي قد يكون مدخلاً إلى التهدئة، لكنه قد يكون أيضاً عاملاً يدفع إسرائيل إلى الإسراع في تحقيق أهدافها قبل اكتماله. وهنا تبدو أمام إسرائيل مجموعة من الساحات التي يمكن أن تتحرك فيها بالتوازي أو بالتتابع.
1- غزة تبقى الساحة الأكثر مباشرة، مع استمرار العمليات العسكرية والضغط على القطاع.
2- أما الضفة الغربية فتمثل ساحة استراتيجية مختلفة، إذ يمكن أن يؤدي التوسع الاستيطاني وفرض السيطرة الأمنية إلى خلق واقع دائم يصعب تغييره مستقبلاً.
3- ويظل لبنان الجبهة الأكثر حساسية، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية واستمرار العمليات العسكرية في الجنوب.
4- أما سوريا، فتتحول بصورة متزايدة إلى ساحة للتنافس على النفوذ، في ظل التداخل بين المصالح الإسرائيلية والتركية والسورية.
ولا يمكن استبعاد أن تمتد تداعيات التصعيد إلى ساحات إقليمية أخرى، إذا رأت إسرائيل أن إعادة خلط الأوراق تخدم أهدافها السياسية والأمنية.
أما إذا انهارت المفاوضات بالكامل، فقد يصبح المشهد أكثر خطورة، مع عودة احتمالات المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة أو بين إسرائيل ومحور المقاومة. ومع ذلك، لا يعني التصعيد بالضرورة اندلاع حرب شاملة. فقد تلجأ الأطراف إلى عمليات محدودة، وضربات محسوبة، وضغوط سياسية واقتصادية، بهدف تحسين شروط التفاوض من دون تجاوز عتبة الحرب الكبرى.
ختاماً، تحمل الفترة المقبلة الممتدة من أيلول إلى تشرين الأوّل أهمية خاصة، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً بسبب الحسابات السياسية والانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي مثل هذه المراحل، قد يتحول التصعيد العسكري إلى أداة سياسية لتحسين صورة الحكومات، أو الضغط على الخصوم، أو رفع سقف المطالب قبل الانتخابات والاستحقاقات السياسية.
إلاَّ أنَّهُ على الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الكبير، فإن التجارب السابقة في لبنان وغزة أظهرت أن التفوق في السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق حسم سياسي سريع. ولهذا، فإن أي تصعيد إسرائيلي في لبنان سيكون محكوماً بحسابات دقيقة، لأن الانتقال من العمليات المحدودة إلى حرب واسعة قد يفتح جبهات متعددة ويجعل السيطرة على مسار الأحداث أكثر صعوبة. المعضلة اللبنانية ليست في التفاوض بحد ذاته، وإنما في موقع لبنان داخل التفاوض، والأوراق التي يدخل بها وعناصر قوّته، والحدود التي يضعها أمام أي تنازل محتمل.
