هل تنجح المبادرة الأممية إلى بعث المسار الانتخابي في ليبيا؟
بقلم توفيق المديني
في ظل هذه الحرب المشتعلة على السلطة في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي، انتهت الجولة الرابعة للحوار الليبي في الصخيرات بضواحي الرباط في شهر أبريل 2015، بتوقيع المشاركون في الحوار الليبي على نص الاتفاق السياسي الليبي” المعروف بـ “اتفاق الصخيرات” في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015.
وانطلقت أعمال المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فعلياً، بدخول رئيسه فايز السراج طرابلس في 30 مارس/ آذار 2016.ونصَّ اتفاق الصخيرات على أن تكون مدّة ولاية حكومة الوفاق الوطني سنة واحدة قابلة للتجديد سنة أخرى، لتسلّم مهماتها إلى حكومة جديدة مشكّلة بموجب أحكام الدستور الذي يفترض الانتهاء من صياغته قبل نهاية ولاية حكومة الوفاق الوطني.
ومنذ فشل اتفاقَي الصخيرات وجنيف، بادرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى تدشين مبادرة جديدة للحل؛ فقد جمعت 120 شخصية تمثّل البلديات والأحزاب والجامعات ومكونات المجتمع المختلفة تحت اسم “الحوار المهيكل”، من أجل “معالجة القضايا الأساسية في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ذات مصداقية ودعم جهود توحيد المؤسسات”.
فانطلق الحوار، رسمياً، في 14 ديسمبر 2025، وعقدت فرق الحوار، بين ديسمبر 2025 ويونيو/ حزيران 2026، جولات من الاجتماعات تركزت خلالها المداولات على عدة محاور، أبرزها إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد الحكومة والمؤسسات التنفيذية؛ بما فيها المؤسسات المالية والرقابية والمؤسستان الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية. وشددت على ضرورة وضع سقفٍ زمني محدد للفترة الانتقالية، مع تقييدها بجداول زمنية صارمة للعبور بالبلاد إلى انتخابات، وإنجاز مشروع المصالحة الوطنية.
لكن تعثر مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى تفاهمات بشأن مهام المرحلة الأولى دفع البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة “4+4” في أبريل/نيسان الماضي، لتكون آلية مصغرة مكونة من أربعة أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية ومثلهم يمثلون قوات شرق ليبيا، تعمل على معالجة ملف الانتخابات برعاية أممية، بعدما عجز مجلسا النواب والدولة عن إجرائها.
جدل ليبي حول اتفاق لجنة 4+4
باعتباره خريطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية
جاء إعلان البعثة الأممية لنتائج مباحثات اللجنة الليبية المصغرة 4+4 عقب اجتماع لأعضائها، يوم الخميس 20أغسطس2026، في تونس، برئاسة المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، واتفقوا خلاله على اللقاء مجدداً داخل ليبيا قبل نهاية أغسطس/ آب الحالي، لوضع الترتيبات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق وإعلانه رسمياً، بحسب بيان للبعثة. وقالت البعثة إنَّ اللجنة وقَّعَتْ بالأحرف الأولى، على مسودة الاتفاق النهائي بشأن إجراء الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية، وذلك خلال اجتماعها السابع في تونس.
ويأتي إعلان البعثة عن هذه المرحلة، بعد عام من إطلاق خريطة الطريق الأممية التي حدّدت لها مرحلتين رئيسيتين، أسندت إلى مجلسي النواب والدولة المرحلة الأولى، والتي تضمنت تهيئة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، على أن ينتقل المجلسان بعد إنجاز هذين الملفين إلى العمل على توحيد الحكومة والمؤسسات.
وتأتي الخطوة بعد سلسلة اجتماعات رعتها البعثة الأممية في تونس، وركزت على عقدتين ظلتا من أبرز عوائق المسار الانتخابي، هما الإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية.
من الناحية القانونية، يضع التوقيع اللجنة أمام فجوة محتملة بين الأطراف التي تفاوضت والمؤسسات التي تملك صلاحية إصدار القوانين والقرارات اللازمة للتنفيذ.
ويقول الخبير القانوني المهدي كشبور للجزيرة نت إن التوقيع بالأحرف الأولى “يمثل خطوة سياسية لها أهميتها في تسريح حالة الانسداد، لكنه ليس خطوة حاسمة، ولا يعني أن الاتفاق أصبح نافذا أو ملزما لجميع مؤسسات الدولة”. ويضيف أنَّ الحجية القانونية للمخرجات ترتبط بطبيعة الاتفاق وصفة الموقعين ومدى التفويض الممنوح لهم، فضلا عن الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لاعتماد كل بند.
وبحسب كشبور، فإن أي تفاهم يتضمن تعديلا للقوانين الانتخابية أو تغييرا في اختصاصات المؤسسات لا يمكن أن يستند إلى التوافق السياسي وحده، بل يحتاج إلى استكمال الإجراءات من الجهات صاحبة الاختصاص.
ويحذر من أن أخطر ما قد يواجه الاتفاق هو “الفجوة بين الجهة التي تفاوضت ووقعت، والمؤسسات التي تملك قانونا سلطة إصدار التشريعات والقرارات اللازمة لتنفيذه”، بما قد يفتح الباب أمام الطعن في أي إجراءات تصدر خارج الاختصاصات المقررة.
إعلان
ويوضح الدغاري أن أعضاء مجلس النواب تابعوا تفاصيل اجتماعات اللجنة ومجريات محادثاتها عبر وسائل الإعلام والبيانات الرسمية، من دون أن يتلقوا أي إحاطة مباشرة بشأن ما دار فيها أو مخرجاتها، مضيفا أن النواب المشاركين في اللجنة لم يطلعوا بقية أعضاء المجلس على تفاصيل المباحثات، في ظل ما وصفه بالتكتم على مجرياتها.
ويؤكد أن مجلس النواب لا يستطيع – بالتالي – تحديد موقفه من الاتفاق قبل الاطلاع رسميا على نصه ومخرجاته، مشددا على أن الإعلان الدستوري يمثل المرجعية التي سيحتكم إليها المجلس في التعامل مع أي ترتيبات جديدة. ويضيف أن النواب سيناقشون الاتفاق وما قد يترتب عليه من إجراءات إذا عُرض عليهم رسميا.
ويكشف هذا الموقف إحدى عقد التنفيذ المحتملة: اتفاق سياسي توصلت إليه لجنة مصغرة، مقابل مؤسسات تشريعية لا يزال مطلوبا منها تحديد موقفها ومدى استعدادها لتحويل مخرجاته إلى إجراءات نافذة. لكن العقدة القانونية ليست الوحيدة، فحتى إذا نجح الفرقاء في تجاوزها، تبرز معركة أخرى تتعلق بالسلطة التنفيذية التي ستقود البلاد إلى الانتخابات.
موقف البعثة الأممية من اتفاق لجنة 4+4
في إحاطتها أمام مجلس الأمن، يوم الأربعاء 19أغسطس2026، قالت المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، تيتيه إن البعثة تدرس “المضي في المرحلة التالية من خريطة الطريق”، موضحة أنها تتعلق بـ “مسألة توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على السير بالبلاد نحو الانتخابات”. وأضافت أنَّ ليبيا تدخل “مرحلة حاسمة تتمثل بإحراز تقدم في توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شاملة”، معتبرة أنَّ ذلك يتطلب “إرادة سياسية واستعداداً لتقديم التنازلات” من الأطراف الليبية، إلى جانب دعم دولي مستدام ومنسق. علماً أن السفارة الأميركية في ليبيا رحّبت الجمعة (21 أغسطس)، على “إكس”، بـ “التقدّم الذي أحرزته الأطراف الليبية في تونس نحو التوصل إلى اتفاق بشأن القوانين الانتخابية والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات”، معتبرة أن “هذا التقدم يمثل خطوة مهمة نحو مسار موثوق يفضي إلى إجراء انتخابات وطنية ناجحة”.
ويعني ذلك عملياً أنَّ ملف توحيد الحكومة والمؤسسات، الذي كان في التصور الأصلي للبعثة مشروطاً بإنجاز مجلسي النواب والدولة مهمتي المفوضية والقوانين الانتخابية، بات مطروحاً الآن باعتباره مرحلة مستقلة في خريطة الطريق. غير أن تيتيه لم تحدّد بعد الجهة التي ستتولى هذه المهمة: هل يعود الملف إلى مجلسي النواب والدولة، أم ينتقل إلى لجنة 4+4 التي حلّت محل المجلسين في تنفيذ المرحلة الأولى، أم يتطلب آلية سياسية أخرى؟.
وعلى الرغم من هذه الخطوة التي تبدو متقدمة في مسار إنجاز خريطة الطريق، إلا أنَّ تيتيه أقرّت بأن الخريطة “قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوخى في البداية”، لكنها شدّدت على أن ذلك “لا يعني فقدان الاتجاه، بل هو تكيف ضروري مع الواقع السياسي”.
المبادرة الليبية
قبل تدخّل إدارة ترامب في سياق الأزمة، كان المشهد السياسي الليبي يتسم بانقسام السلطات التنفيذية بين شرق وغرب، وبانفلات الوضع الأمني، وتمزق النسيج الاجتماعي، واستفحال التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الليبي، الأمر الذي دفع برئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، على عقد اجتماع في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية في 10 مارس/ آذار 2024، من أجل “حل النقاط الخلافية التي تخص كيفية الوصول إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية”. واتفقوا، بحسب ما جاء في بيان الجامعة، على “وجوب تشكيل حكومة موحدة مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية وتقديم الخدمات الضرورية للمواطن وتوحيد المناصب السيادية”.
مثّل لقاء القاهرة، لاحقاً، مرجعية لمبادرة ثلاثية لرؤساء المجالس الثلاثة. ومن أهم مضامينها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية على نحو متزامن، في موعد أقصاه 17 فبراير/ شباط 2027، وذلك بموجب قوانين تنجزها لجنة “6+6” التي شُكّلت في مارس 2026 من ستة أعضاء من مجلس النواب ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب جملة من الإجراءات؛ منها إعداد مشروع ميزانية موحّدة لسنة 2027، ووضع إطار قانوني جديد للرقابة على قطاعات النفط، والغاز، والمياه، والمعادن. وعلى الرغم من أن المبادرة لم تلقَ اهتماماً سياسياً وإعلامياً مماثلاً لمبادرتَي بعثة الأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي بولس، فإن المنفي أبدى تمسكاً بها، بـ “ما يسهم في بلورة خريطة طريق توافقية تحظى بقبول واسع وتؤسس لتسوية سياسية مستدامة تستند إلى الشراكة الوطنية وتحافظ على وحدة الدولة وسيادتها”.
وبينما يعد بيان المنفي أول رد فعل رسمي ليبي، لم يصدر عن مجلسي النواب والدولة حتى يوم أمس (السبت 22 أغسطس) أي موقف حيال إعلان تيتيه عن المرحلة الجديدة في خريطة الطريق، وكذلك حيال توصل لجنة 4+4 لاتفاقها وعزمها على التوقيع النهائي عليه داخل ليبيا الأسبوع المقبل. وكذلك لم تصدر أي مواقف إقليمية ودولية، باستثناء السفارة الأميركية لدى ليبيا التي أعادت نشر تدوينة كتبها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، رحّب فيها باتفاق لجنة 4+4، مؤكداً استمرار دعم بلاده للحوار بين الأطراف الليبية وجهود البعثة الأممية والشركاء الدوليين لإنشاء “سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة شؤون ليبيا بأكملها”.
المبادرة الأمريكية
عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 1 ديسمبر 2024 نسيبَه مسعد بولس مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا. وما إن عُيِّن بولس حتى أبدى، لأسباب تجارية واضحة، اهتماماً بالملف الليبي، وأجرى زيارات ولقاءات مع فاعلين إقليميين في هذا الملف، وزار ليبيا، حيث التقى أبرز المكونات السياسية والعسكرية في الشرق والغرب، ثمّ إنه جمع هؤلاء الفاعلين في باريس خلال مطلع عام 2026. ويُعدّ اجتماع باريس بدايةً لتبلور ما أصبح يُعرف إعلامياً بـ”مبادرة بولس”.
لا تتوافر، حتى الوقت الراهن، أيّ وثيقة رسمية للمبادرة، غير أن بولس ركّز في تحركاته وتصريحاته طوال الأشهر الأخيرة على ضرورة حَسْم ملفات سياسية تتصل بتوحيد أجهزة السلطة التنفيذية، وملفات اقتصادية تخصُّ قطاع الطاقة والاستثمار، وأخرى أمنيَّة تتعلق بالمؤسسة العسكرية، من دون أن يمنح الإشكاليات المرتبطة بالدستور والانتخابات أولويةً.
يتعامل بولس مع واقع الانقسام السياسي والمؤسساتي في ليبيا “براغماتياً”، ويرى أنّ السلطات القائمة في الشرق والغرب أمرٌ واقعٌ محكومٌ بشبكات معقدة ومتداخلة من المصالح والحسابات السياسية والاقتصادية والجهوية والمناطقية، إضافة إلى مصالح القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي.
ويستشف الخبراء والمحللون أنَّ هناك توجهاً أمريكياً إلى تسمية صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، ونائبه رئيساً للمجلس الرئاسي، وتثبيت الدبيبة رئيساً للحكومة، غير أنَّ بولس لم يتطرق، حتى الوقت الراهن، إلى أسماء بعينها يمكن أن تشغل هذه المناصب. وتواجه فرضية تعيين صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي معارضةً شديدة من مكونات سياسية واجتماعية فاعلة في المنطقة الغربية.
فقد رفضت المكونات الاجتماعية في مصراتة، التي تمثّل تشكيلاتها العسكرية العمود الفقري للقوات المحسوبة على حكومة الوحدة الوطنية، أيّ توجُّه يُفضي إلى “عسكرة الدولة”، وشدّدتْ على أنَّ أيَّ حلٍ يجب أن يجري في إطار دستوريٍّ واضحٍ، وليس عبر “تسوية سياسية ضيقة أو ترتيبات تعيد إنتاج الأزمة، أو تدفع بشخصيات غير نزيهة”؛ ما دفع بولس إلى الردِّ بنفي وجود مبادرة مكتوبة أو بنود محددة. إضافةً إلى ذلك، يبدو أنَّ صدام يواجه اعتراضات حتى داخل عائلة حفتر نفسها، التي يتقاسم أفرادها النفوذ في المنطقة الشرقية.
خاتمة
تتنافس حكومتان على السلطة في ليبيا بعد أكثر من عقد ونيف على الإطاحة بمعمر القذافي. وتدعم جماعات للمقاتلين السابقين الذين ساعدوا في الإطاحة بالقذافي الحكومتين. ولا يعترف المجتمع الدولي سوى بحكومة الوفاق الوطني.
ويثير فشل المبادرتين السابقتين لحل الأزمة الليبية (الصخيرات، وجنيف) في توحيد السلطة التنفيذية، والوصول إلى انتخابات عامة تُنهي المراحل الانتقالية، الشكوك في قدرة بعثة الأمم المتحدة الحالية على تنفيذ خرائط الطريق التي طُرحت وتحويلها إلى واقع سياسي وأمني واقتصادي، في سياق افتقارها إلى الآليات التنفيذية؛ وذلك لأنّ تنفيذ هذه المسارات ظل رهين حسابات الفرقاء الليبيين، ومصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي.
فالاختراق الحقيقي لن يقاس بلحظة التوقيع في تونس، بل بما سيحدث بعدها: نشر الاتفاق، وتحديد آلية اعتماده، ومنحه الغطاء القانوني، وإعادة ترتيب المؤسسات المعنية، ثم الاتفاق على سلطة تنفيذية قادرة على قيادة البلاد إلى إجراء الانتخابات البرلمانية و الرئاسية عندها فقط سيتضح إن كانت لجنة “4+4” قد فتحت بالفعل طريقاً جديداً نحو الانتخابات، أم أنَّها نقلت الخلاف الليبي من القوانين والمفوضية إلى محطة أكثر صعوبة: من يملك تحويل التفاهم السياسي إلى التزام قانوني، ومن يضمن ألا تصبح المرحلة الانتقالية الجديدة امتداداً للمرحلة التي سبقتها؟.
