حشود مليونية يمانية في ذكرى المولد النبوي.. ما الرسائل والدلالات؟
بقلم نوال النونو
أحيا اليمنيون الثلاثاء الماضي مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف للعام 1448 للهجرة على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، بحشود مليونية في العاصمة صنعاء ومعظم الساحات بالمحافظات الأخرى، في مشهد استثنائي لم يشهده اليمن من قبل.
وامتلأت كل الشوارع والطرقات والأزقة المحيطة بساحات الاحتفال في صنعاء وعموم المحافظات اليمنية، بالحشود الذين توافدوا منذ ساعات الصباح الباكر، وحمل ضيوف رسول الله الأعلام الخضراء والبيضاء، وصور الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي – رضوان الله عليه – وصور زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، كما رددوا هتافات متنوعة، من أبرزها: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.. وجب الشكر علينا ما دعا لله داع»، وهتاف الحرية والبراءة من أعداء الله: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام».
وجاء هذا الحضور الكبير تتويجاً لأسابيع من الاستعدادات التي شهدتها العاصمة صنعاء والمحافظات، بدأت بتزيين الشوارع والسيارات بالأنوار الخضراء والبيضاء، وتنظيم المسيرات الضوئية والفعاليات الثقافية والإنشادية، وصولاً إلى تجهيز الساحات والمنصات ومرافق الخدمات والفرق الصحية والإسعافية والترتيبات المرورية والأمنية.
وتكتسب الحشود المليونية دلالة سياسية إلى جانب بعدها الديني؛ فهي، تقدم رسالة للعالم بأن خيارات الشعب اليمني وقراراته تنطلق من رؤية مستقلة ومرتبطة بهويته الإيمانية.
ويرى عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح أن الحشود المليونية في مختلف الساحات لم تكن وليدة المصادفة، وإنما جاءت نتيجة ارتباط شعبي بالمناسبة، وبالهوية التي يرى أنها تمثل أساساً لتحركات الشعب اليمني ومواقفه.
ويشير الفرح إلى أن الحضور الجماهيري الكبير يعبر، في نظره، عن التمسك بالحرية والاستقلال ورفض التبعية والإملاءات الخارجية، معتبراً أن إحياء ذكرى المولد النبوي يعد مناسبة لتعزيز الوعي ورفع المعنويات ومواجهة حالة الخوف والإحباط، محذراً مما يسميه «الحروب الناعمة» التي تستهدف الإنسان وقيمه ووعيه، ومن هنا تصبح المناسبة، وفق هذا الطرح، فرصة لإعادة بناء الشخصية المجتمعية واستلهام الدروس من السيرة النبوية.
خطاب المولد.. تثبيت للثوابت
وكالمعتاد، أطل زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي عبر شاشات عملاقة نصبت في ساحات الاحتفال، ليتحدث عن أهميتها، وموجهاً رسائل متنوعة للداخل والخارج.
ووضع زعيم أنصار الله في خطابه بمناسبة ذكرى المولد النبوي القضية الفلسطينية في صدارة القضايا التي يؤكد اليمن تمسكه بها، مشدداً على ثبات الموقف اليمني تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته، وعلى اعتبار أن مواجهة العدو الإسرائيلي جزءاً من الثوابت التي لا تتغير.
ويربط الخطاب بين هذا الموقف وبين ما يصفه بالموقف المبدئي والإيماني للشعب اليمني، مستشهداً بما قدمه اليمن خلال معركة «طوفان الأقصى» من إسناد للمقاومة الفلسطينية، ومعتبراً أن الموقف من فلسطين أصبح معياراً واضحاً في تحديد موقع الأطراف من قضايا الأمة.
ولا يقف الخطاب عند فلسطين وحدها، وإنما تناول واقع الأمة الإسلامية، وحالة الضعف والانقسام والتراجع أمام التحديات، داعياً إلى استعادة الاعتبار للمنهج المحمدي والقرآن الكريم، والعودة إلى القيم التي يرى أنها قادرة على إعادة بناء وعي الأمة وموقفها من أعدائها.
وفي هذا السياق، تبرز عبارة «أشداء على الكفار رحماء بينهم» باعتبارها معياراً يقارن به السيد عبد الملك الحوثي بين ما ينبغي أن تكون عليه علاقات أبناء الأمة، وبين واقع سياسي يرى فيه أن بعض الحكام يتشددون تجاه شعوبهم، فيما يظهرون الضعف أمام القوى الخارجية، وهنا يؤكد السيد الحوثي وقوفه مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان ومحور المقاومة في مقارعة الطغيان الأمريكي الصهيوني، مؤكداً أن إيران ومحور المقاومة كانوا أشداء على الكفار، وتمكنوا من مواجهة الأعداء وهزيمتهم.
اليمن وحقوقه.. رسالة لا تقبل المساومة
وينتقل خطاب السيد الحوثي من قضايا الأمة العامة إلى القضية اليمنية المباشرة، مؤكداً أن الشعب اليمني لن يقبل بمصادرة حقه في الاستقلال، وإنهاء الحصار والاحتلال السعودي، مهما بلغت التحديات والتضحيات.
وتحضر هنا قضية الحصار السعودي باعتبارها أحد أبرز الملفات التي يركز عليها الخطاب، مع التأكيد على حق اليمنيين في إنهاء الحصار وفتح المطارات، ورفض استمرار الاحتلال والعدوان.
ولا يقدم الخطاب هذه المطالب باعتبارها مطالب ظرفية أو قابلة للتجاوز مع مرور الوقت، بقدر ما يضعها ضمن «الثوابت» التي تستمر المعركة من أجل تحقيقها، ولذلك تأتي الإشارة إلى معادلة «الحصار بالحِصار» و«التصعيد بالتصعيد» لتؤكد أن خفض التصعيد خلال السنوات الماضية لم يُفهم في صنعاء باعتباره تنازلاً عن الحقوق أو قبولاً بتسوية لا تعالج جوهر القضية.
ومن هذه الزاوية، تحمل المناسبة رسالة مزدوجة إلى الداخل اليمني، مفادها استمرار التمسك بالمطالب والحقوق؛ وإلى الخصوم، بأن الحصار والمماطلة لا يُنظر إليهما باعتبارهما وضعاً يمكن أن يستمر بلا نهاية.
وتتسع دلالات خطاب المولد لتشمل مسألة الوعي، إذ يربط السيد عبد الملك الحوثي بين التمسك بالرسالة المحمدية وبين القدرة على مواجهة ما يعتبره مخاطر سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية، معتبراً أن الطغيان الأمريكي الإسرائيلي هو السبب في ضعف الأمة وتشتتها، وأن الحل الوحيد لنهضة الأمة الإسلامية وقدرتها على مواجهة التحديات والمخاطر يكمن في العودة إلى المنهج المحمدي الأصيل، والتمسك بالثوابت الإسلامية الأصيلة.
المؤسسة العسكرية.. جهوزية عالية للمواجهة
وبالتوازي مع الخطاب السياسي والشعبي، تأتي رسائل المؤسسة العسكرية لتضيف بعداً آخر إلى المشهد، فقد أكد وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن يوسف حسن المداني أن القوات المسلحة في حالة جاهزية لمواجهة التحديات والمضي فيما وصفاه بانتزاع حقوق الشعب اليمني.
وتحمل برقياتهما للمناسبة لغة عسكرية واضحة، إذ يربطان بين ذكرى المولد النبوي ودروس المواجهة والثبات المستلهمة من السيرة النبوية، ويؤكدان أن المناسبة تمثل، بالنسبة إلى القوات المسلحة، محطة لاستنهاض الهمم وليس احتفالاً عابراً.
كما تتضمن البرقيات تحذيراً للخصوم من استمرار الحصار والمماطلة، مع التأكيد على أن الخيارات العسكرية، بحسب ما ورد فيها، باتت أوسع، وأن القوات المسلحة مستعدة للرد على أي تصعيد.
وهنا تثبت المؤسسة العسكرية مصداقيتها، فعشية الاحتفال بذكرى المولد نفذت القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية نوعية استهدفت تحشيدات تابعة للعدو الإسرائيلي في مناطق العبر والوديعة بمأرب، إضافة إلى استهداف سفينة نفطية سعودية أمام سواحل ميناء ينبع، وقصف متواصل على مواقع الخونة التابعين للسعودية في مأرب والمخا.
وعند جمع هذه الرسائل في سياق واحد، تبدو الحشود المليونية في ذكرى المولد النبوي وكأنها تعبر عن أكثر من مستوى في وقت واحد، فهي، أولاً، احتفاء شعبي واسع بذكرى ميلاد الرسول الأكرم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهي، ثانياً، تعبير عن هوية دينية واجتماعية يرى منظمو المناسبة أنها تشكل أساساً لمواقف اليمنيين، وهي، ثالثاً، منصة لإعادة تأكيد مواقف سياسية وعسكرية تجاه قضايا اليمن والأمة.
