دوليات

المأزق الأمريكي في إيران: حلفاء واشنطن قلقون من تداعيات فشلها

بقلم ابتسام الشامي

تخبط أمريكي في إدارة الحرب

لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بدء هجوم مالي غير مسبوق على الجمهورية الإسلامية، بهدف ما وصفه قطع جميع مصادر الإيرادات التي تدعم النظام الإيراني، حتى عادت لغة التهديد بالخيار العسكري إلى ألسنة المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمهم الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي ديفنس. وعلى الرغم من أن “العقوبات” الاقتصادية جاءت كخيار بديل عن الحرب على ضوء ما بدا عجزاً أمريكياً عن الاستمرار فيها، إلا أن التصريحات أكدت ما بات معلوماً حول التخبط الأمريكي في الخروج من الحرب بعد الفشل في إدارتها بما يحقق أهدافها المعلنة.

وبعيداً عما يكرره الرئيس الأمريكي بشأن “الإنجازات” العظيمة للحرب بوجهها العسكري، وما يتوقعه هو وأركان إدارته من نتائج متأتية من الحرب الاقتصادية، فإن الواقع الذي خلفته الحرب بما في ذلك استعصاء الحل السياسي بالنظر إلى ما تنطوي عليه مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية من إقرار بهزيمة واشنطن في الحرب ضد طهران، فإن عامل الوقت مقروناً بضغوط اقتصادية قصوى وتلويح جديد بالعمل العسكري، لا يلعب لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية والمنخرطين معها في الحرب من دول المنطقة، بل إن عامل الوقت يصبح أكثر ضغطاً على الادارة الأمريكية وسط عجزها عن الحد من تداعيات الحرب وخسائرها السياسية والاقتصادية. وهو ما تقر به القراءات الغربية لمآلات الحرب وفرص استمرارها، مع الاعتراف بقدرة إيران على امتصاص الضغوط والتكيف معها.

المأزق الأمريكي وتداعياته

في هذا السياق تذهب الصحف الأمريكية في قراءتها لنتائج حرب الأربعين يوماً على الجمهورية الإسلامية وما تلاها، إلى أن الحرب خلقت تحولات كبرى في منطقة كانت تتمتع فيها واشنطن بنفوذ كبير قبل أن يبدأ هذا النفوذ بالتآكل تدريجياً. وتشير في هذا الإطار مجلة فورين أفيرز، إلى أنه منذ شن الولايات المتحدة و”إسرائيل” الحرب على إيران في 28 شباط، تعرضت دول المنطقة لموجات متكررة من الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة ومحطات لتحلية المياه، فيما اضطرت مطارات ومصاف للنفط إلى تعليق عملياتها مراراً، وتوقفت حركة الموانئ أحياناً بسبب الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز. وترى المجلة الأمريكية أنه على الرغم من أشهر من المفاوضات، فإن “طهران وواشنطن تمضيان في صراع متقطع يسعى خلاله كل طرف إلى استنزاف القدرات المادية والإرادة القتالية للطرف الآخر” مضيفة أن استمرار الصراع لن يؤدي فحسب إلى مزيد من الأضرار المادية، بل من شأنه أن “يعمق الانقسامات والصراعات الكامنة في المنطقة، وقد يزعزع الاستقرار السياسي حتى في دول الخليج، ما يفرض على حكومات المنطقة إعادة النظر في علاقاتها بالقوى الخارجية، وكذلك في علاقاتها ببعضها البعض”.

بدورها تعتقد وكالة رويترز البريطانية أن الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها “نزهة صغيرة” تحولت إلى “مأزق يلقى رفضاً واسعاً، ويهدد بإرباك رئاسته”.

ويعدد محللو الوكالة ستة تداعيات عميقة للحرب، أولاها ما يتعلق بالداخل الأمريكي، وبالمستقبل السياسي للرئيس الأمريكي نفسه، حيث يدفع ترامب ثمناً سياسياً باهظا، مع تراجع نسبة تأييده من 40% إلى 33% منذ بدء الصراع، وذلك بفعل تقويض ارتفاع أسعار البنزين وعده الانتخابي في 2024 بخفض التكاليف على الأمريكيين. وربطاً بتداعيات الحرب على الداخل الأمريكي، فإن “الصراع” وسّع بحسب وكالة رويترز “الانقسام بين الجمهوريين الأكثر ميلاً إلى الانعزالية، الذين يريدون إنهاء الحرب سريعاً، ومشرعين جمهوريين يعتقدون أن على ترامب مواصلة الضغط العسكري على طهران”.

ومن التداعيات الأخرى للحرب بحسب الوكالة البريطانية، أن الحرب هزّت الاقتصاد العالمي، وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب الملاحة، وارتفاع حاد في أسعار النفط، وأثار مخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي.

أما بخصوص تداعيات الحرب على إيران، تقول وكالة رويترز في تحليلها بأن الأخيرة خرجت جريحة لكنها لم تُهزم. صحيح أن “الحرب عرّضت كل من الاقتصاد والقوات المسلحة بإيران لأضرار شديدة، لكن طهران لا تزال قادرة على شن هجمات وإبقاء مضيق هرمز مغلقاً”.

وفي مقابل صمود إيران تزعزع استقرار الشرق الأوسط. وتقول وكالة رويترز في هذا السياق “كان الهدف من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية إزالة إيران بوصفها تهديداً للشرق الأوسط، لكن بدلاً من ذلك زادت طهران جرأة وجعلت المنطقة أقل أمناً”.

وفي ما يعتبر محللو الوكالة أن إيران بعد الحرب تحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى السلاح النووي، يشيرون في المقابل إلى تراجع جاهزية الجيش الأمريكي. حيث فقد الأخير طائرات مسيّرة وطائرات أخرى، سواء بنيران إيرانية أو في حوادث. مشيرين إلى أن الجيش الأمريكي استخدم تقريباً كل مخزونه العالمي من أنواع معينة من الصواريخ الدقيقة. وتستشهد رويترز بتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يؤكد أنه “بحلول تموز كانت الولايات المتحدة قد استخدمت نحو 65% من صواريخها الاعتراضية من طراز باتريوت، وخفضت مخزونها من صواريخ ثاد الاعتراضية، بنسبة لا تقل عن 38%”.

قلق آسيوي أوروبي

الحديث عن تراجع المخزون الصاروخي للولايات المتحدة الأمريكي ليس تفصيلاً عابراً في واقع التداعيات التي خلفتها الحرب، ففضلاً عن أن هذا المعطى الموثق بتقارير استخباراتية – أغضب تسريبها إلى الإعلام الرئيس الأمريكي – يقوض الخيارات الأمريكية في الاستمرار في الحرب، فإنه يثير إشكالية لدى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الذين يعتمدون دفاعياً على قدراتها الصاروخية، وبالتالي فإن من شأن ذلك أن يدفعهم إلى البحث عن بدائل، مع ما يعنيه ذلك من تراجع محوريتها بالنسبة إلى تحالفهم الأمني الوثيق بها.

في هذا الإطار، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن الإنفاق الهائل للذخائر الأمريكية في “الشرق الأوسط” يثير قلق الحلفاء الآسيويين بشكل متزايد، ويحبط مسؤولي “البنتاغون” المشرفين على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبحسب الصحيفة فإن هؤلاء المسؤولين “يخشون أن تؤدي الحرب المطولة مع إيران إلى تقويض استعداد الولايات المتحدة للصراع مع الصين في ظل استمرارها في تصعيد الضغط العسكري في جميع أنحاء المنطقة”. ولفتت إلى أن هذه المخاوف بشأن استنزاف المخزون تأتي في وقت ألغت فيه الولايات المتحدة مناورة إنزال برمائي مع كوريا الجنوبية كانت مقررة في أيلول المقبل. وبالموازاة نقلت الصحيفة عن مسؤول تايواني قوله إنهم يتوقعون “تأخيرات كبيرة” في وصول صواريخ “باتريوت” من طراز 3Pac- بسبب استنزاف الإمدادات، إذ استنفد “البنتاغون” معظم مخزونه من الصواريخ الاعتراضية في “الشرق الأوسط”، واصفاً التحول في التركيز من منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأنه “مقلق”. وبحسب مرصد الأمن التايواني، تشير واشنطن بوست إلى أنه لم تسلم أسلحة أمريكية بقيمة تقارب 30 مليار دولار، كانت قد جرت الموافقة على بيعها لتايوان، بما في ذلك صواريخ “باتريوت” بقيمة 882 مليون دولار. وتنقل الصحيفة الأمريكية عن دبلوماسي آسيوي مطلع على الأمر، أن “البنتاغون” حذر اليابان بالمثل من احتمال حدوث تأخيرات في شحنات الدفاع، بما في ذلك صواريخ “توماهوك كروز”.

صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية كانت قد أشارت في شهر أيار الماضي، إلى أن تسليم 400 صاروخ “توماهوك” إلى اليابان قد يتأخر لمدة تصل إلى عامين، فيما ذكرت صحيفة “ذا بوست” أن استنزاف الأسلحة في إيران أصبح مصدر توتر بين الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، على الرغم من أن الرئيس نفى أن مخزونات الأسلحة الأمريكية آخذة في النفاد. لافتة إلى أن الحلفاء يواجهون صعوبة في التعامل مع التناقض المتمثل في الضغط عليهم لزيادة إنفاقهم على الأسلحة الأمريكية في حين يواجهون تأخيرات في التسليم. وقال المسؤول التايواني: “الوضع بالغ الصعوبة”.

وما يثير قلق الحلفاء الآسيويين، يثير قلق الحلفاء الأوروبيين أيضاً في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية المرشحة للمزيد من الانفجار.

فقد كشف مسؤول بوزارة الحرب الأمريكية ومسؤول بحلف شمال الأطلسي الناتو، أن القوات المسلحة الأمريكية تعاني من” نقص حاد” في الصواريخ الاعتراضية في أوروبا بسبب حرب إيران، ما يثير المخاوف من ضعف دول الناتو في مواجهة هجوم روسي محتمل. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن المسؤول الأمريكي، أن النقص الأشد يتركز في صواريخ منظومة باتريوت، ما يثير مخاوف داخل دول الناتو من محدودية القدرة على التصدي لهجمات صاروخية واسعة. وأوضح أن الوضع يثير قلقاً خاصاً في حال وقوع سيناريو يتمثل بإطلاق صواريخ باليستية روسية باتجاه أراضي دول أوروبية، إذ قد تكون قدرة الولايات المتحدة والناتو على اعتراضها محدودة للغاية.

خاتمة

مع مرور ستة أشهر على الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران، يتكشف عمق المأزق الأمريكي، فلا قدرة للولايات المتحدة على الاستمرار فيها، ولا على إدارة خروج يحفظ بعضاً من ماء وجه الإمبراطورية التي هزمها الصمود الإيراني، ويواصل النيل من مكانتها وسمعتها. ومن المنطقي الاعتقاد بالنظر إلى نتائج الحرب، أن مكانة الولايات المتحدة في منطقة غرب آسيا لن تكون وحدها ضحية المغامرة العسكرية الفاشلة، وإنما مكانتها العالمية وتحالفاتها الدولية أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *