المقاومة.. تاريخ عريق في مواجهة العدو

الأطماع التاريخية الصهيونية في لبنان

بقلم حسين عبد الله

 يقول ألفرد أبو سمرا الصحافي المرجعيوني صاحب وناشر جريدة القلم الصريح “إنه في العام 1945 كان ابن مرجعيون سيسيل حوراني مسافراً إلى نيويورك من القدس وكان يجلس إلى جانبه رجل يضع على عينيه نظارات عريضة مال برأسه نحو حوراني وسأله أنت من أين؟ فرد حوراني أنا من مرجعيون في جنوب لبنان رد بن غوريون فوراً “هذه المرجعيون لنا”.

ولطالما ركّز ألفرد أبو سمرا ابن بلدة جديدة مرجعيون في جنوب لبنان في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في المقالات والمواقف التي نشرها عبر جريدته الشهيرة “القلم الصريح” على التنبيه والتحذير من الأطماع والمشاريع الإسرائيلية الصهيونية التي تستهدف جنوب لبنان وثرواته (خصوصاً المائية والجغرافية)، معتبراً أن الجنوب يقع في دائرة الاستهداف المباشر لهذا المشروع.

لذلك يرتبط اسم ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء للعدو) بمنطقة مرجعيون وجنوب لبنان عموماً من خلال الأطماع والمخططات الاستراتيجية والعسكرية التي وضعها لتوسيع حدود كيانه.

والأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية هي أطماع تاريخية ففي خطاب حاييم وايزمن باسم الحركة الصهيونية عام 1919 والموجّه لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد، أشار وايزمن صراحة إلى حاجة “إسرائيل” إلى سد جزء من احتياجات المناطق الشمالية اعتماداً على المياه اللبنانية، فكتب يقول “.. نحن نعتقد أنه من الضروري أن تشمل الحدود الشمالية لفلسطين سهل الليطاني لمسافة 25 ميلاً والمنحدرات الغربية والجنوبية لجبل الشيخ وذلك لحاجة مناطقنا الشمالية للمياه من أجل الزراعة والصناعة والطاقة”.

فمنذ ما قبل اغتصاب فلسطين وإنشاء الكيان وبعد ذلك ، كان بن غوريون وعدد من قادة الحركة الصهيونية أثناء رسم حدود سايكس – بيكو والانتداب يطالبون بريطانيا وفرنسا بتوسيع الحدود الشمالية لتشمل جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وكانت منطقة مرجعيون وسهلها سهل الخيام عبر خطة سميت “خطة لافي” وتطلق “خطة لافي” في السياق الإسرائيلي على وثيقة استراتيجية سرية للغاية أُعدت في مطلع خمسينيات القرن الماضي بواسطة يوفال نئمان عندما كان رئيساً لقسم التخطيط الاستراتيجي في “الموساد”، وتستهدف إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتفتيت دول الطوق المحيطة بفلسطين المحتلة (وتحديداً لبنان وسوريا) إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة لضمان التفوق الإسرائيلي المطلق. وفيما يتعلق بالوضع اللبناني نصت الخطة على عدم استقرار أو وحدة لبنان، واقترحت اقتطاع أجزاء منه (مثل مناطق الجنوب أو ما يُعرف بنظرية “الأصبع اللبناني”) التي رأت في منطقة مرجعيون وحاصبيا امتداداً طبيعياً لـ “إصبع الجليل”، حيث سعى الاحتلال تاريخياً لضم هذه المناطق لأسباب أمنية واقتصادية وتثبيت مواقع استيطانية للسيطرة على مصادر المياه وموارد نهر الأردن وضمه للدائرة الإسرائيلية أو تقسيم البلاد إلى كانتونات مسيحية وإسلامية. وهو ما كان قد صاغه بن غوريون في خطة عام 1956 لتقسيم لبنان ووضع مقترحات استراتيجية تهدف إلى غزو جنوب لبنان وتفكيك الدولة اللبنانية، عبر إقامة دولة مسيحية شمال نهر الليطاني، وضم المنطقة الواقعة جنوبه (بما فيها مرجعيون) إلى “إسرائيل”. لذلك، عندما يُذكر اسم بن غوريون في سياق مرجعيون، فإن ذلك يشير مباشرة إلى العقيدة التوسعية الصهيونية وأطماع السيطرة على المياه والجغرافيا اللبنانية التي أسس لها في تلك المنطقة.

وكان قد نقل عن بن غوريون في مذكراته وشهادات تاريخية أنه كان يرى في عدم السيطرة على جنوب نهر الليطاني (الذي يمر بمحاذاة قضاء مرجعيون) كأحد أكبر أخطائه أو “حسراته” العسكرية في “حرب عام” 1948.

ولذلك فالأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية تعود إلى ما قبل قيام الكيان، وهي مستمرة منذ عشرينيات القرن الماضي ولاسيما بالنسبة لنهري الليطاني والحاصباني. ففي العام 1965 كنا أطفالاً عندما قادتنا أرجلنا ركضاً إلى منطقة في الخيام تشرف على نهر الحاصباني لمشاهدة الطائرات العدوة الإسرائيلية وهي تلقي مناشير تهدد وتحذر فيها من تحويل نهر الحاصباني بعدما قررت جامعة الدول العربية تحويل مجرى النهر الذي يصب في فلسطين المحتلة.

 فمشروع تحويل مجرى نهر الحاصباني والوزاني الذي كان سيتم تنفيذه وفقاً لقرار القمة العربية التي عقدت في القاهرة عام 1964 والقاضي بـ “التصدي لإسرائيل في محاولاتها سحب مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب وذلك من خلال قيام الدول العربية (لبنان وسوريا والأردن) بالسيطرة على روافد نهر الأردن وتحويل هذه الروافد تحت حماية قيادة عسكرية وعربية موحدة”، وقد بررت غولدا مائير رئيسة الوزراء العدو آنذاك هذا التهديد بقولها إن المياه بالنسبة “لإسرائيل” هي بمثابة الدم في العروق.

وتعتمد المستوطنات والقرى والمدن الإسرائيلية في الشمال على سد معظم احتياجاتها المائية من المياه العذبة من بحيرة طبرية.

وكانت هذه المناطق حتى عام 2000 تحصل على ربع احتياجاتها المائية من لبنان ولاسيما من نهر الليطاني ومياه نهر الوزاني (أحد روافد نهر الحاصباني). فعند اجتياح الاحتلال للبنان عام 1978 قام على الفور بالسيطرة على نهر الوزاني الذي يغذي نهر الأردن وقام كذلك بوضع مضخات ومواسير لتوصيل المياه من نهر الحاصباني إلى شمال “إسرائيل”. هذا بالنسبة لنهر الحاصباني والوزاني أما عن نهر الليطاني الذي يعتبر كما يصفه خبراء المياه في لبنان العمود الفقري للتنمية المائية، فقد عرقلت إسرائيل جميع المشروعات الهادفة إلى الاستفادة منه وذلك إما بمنع التمويل أو منع التنفيذ بالقوة المسلحة.

وما يذكر أن العدو حينما اجتاح لبنان عام 1982 كان أول عمل قام به عندما وصل إلى بحيرة القرعون هو الاستيلاء على جميع البيانات والمعلومات الهيدرولوجية عن السد والنهر.

وبتزايد الاحتياجات الإسرائيلية للمياه العذبة الصالحة للزراعة والصناعة وللاستهلاك البشري، وفي وقت بلغت فيه الفجوة المائية الإسرائيلية أكثر من مليار متر مكعب، يتضح أن السيطرة على تلك المناطق لا يخدم فقط الجانب الأمني والرغبة الإسرائيلية في وجود جيب أمني عازل يحميها من صواريخ المقاومة وحزب الله ولكنه يمثل فضلاً عن ذلك حاجة إستراتيجية ظلت دوماً أمام أعين الصهاينة.

 ففي عام 2002 وتحديداً في أيلول وتشرين الأول هدد رئيس وزراء العدو أرييل شارون بالحرب على لبنان بسبب تنفيذ مشروع جر مياه نهر الوزاني (أحد روافد نهر الحاصباني الذي يوفر ما بين 20 – 25% من مياه بحيرة طبرية) إلى القرى والبلدات المحررة في جنوب لبنان، وصرح كذلك شمعون بيريز وزير الخارجية آنذاك قائلاً “إن إسرائيل ترى في مساعي لبنان لتحويل مجرى مياه الحاصباني عملاً خطيراً واستفزازاً لا يمكن تحمله”، وعلى هذا المنوال أكد مفوض المياه السابق في “إسرائيل” دان زاسلافسكي أنه “ينبغي علينا الآن أولاً إيقاف تزويد قرى جنوب لبنان بالمياه، وإعلان أنه في اللحظة التي يخرج فيها أول متر مكعب من مياه الحاصباني فإننا سنقوم بتدمير الآلات، إن قضية الوزاني لا تحتاج إلى مفاوضات واتصالات وإنما دبابة تقوم بتدمير المنشآت اللبنانية على النبع”. لكن على الرغم من هذه التهديدات الصهيونية كانت المقاومة نجحت في تأمين حماية كافية لمشروع تزويد أكثر من 25 قرية وبلدة في جنوب لبنان من مياه الوزاني ما حمل العدو إلى الذهاب للأمم المتحدة وتقديم شكوى ضد لبنان وكان هذا انتصاراً للمقاومة.

هذه التهديدات تعكس ما تمثله قضية المياه من أهمية إستراتيجية للعدو وأن التعامل العسكري لحسم هذه القضية هو الخيار الأول لدى القيادة الإسرائيلية كما تبدّى من الاستعراض التاريخي السابق، وهو ما يجعل كذلك الأوامر التي أصدرها العدو في حرب آذار عام 2026 عبر المنشورات التي ألقتها طائراته على أهالي قرى الجنوب اللبناني منذ بداية الحرب الداعية إلى تركهم لمنازلهم حتى ما بعد الليطاني، تأخذ أبعاداً إستراتيجية كبيرة.

ولذلك ما قام العدو ويقوم به حالياً من تدمير وإبادة القرى والبلدات الجنوبية المحتلة وتدمير مقومات وملامح الحياة فيها يندرج في إطار المشروع التوسعي الصهيوني المرتبط بشكل وثيق بالأطماع بأرض لبنان ومياهه لا بل بلبنان كله ككيان وبلد ذي سيادة.

ولأن الخطر الصهيوني يطال لبنان كله تنبه مفكرون لبنانيون في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لهذا الخطر وفي مقدمهم المفكر  والكاتب الماروني الشيخ موريس الجميل الذي كان يدعو لبنان دائماً إلى أن يُطلق تصاميمه ومشاريعه الاقتصادية والحضارية التي تحافظ على المصير اللبناني وتسد الطرق والسُبل أمام “إسرائيل” كي لا تجتاح دور لبنان ومستقبله، مستنداً في ذلك على عاملين، التنمية الإستراتيجية الشاملة وخصوصاً في الأطراف، وتحويل لبنان إلى حاجة اقتصادية ـ تجارية – ثقافية للمشرق العربي ومن بعده الشرق كله.

ففي ندوة عن موريس الجميل، أقامتها “جامعة الكسليك” عام 2011 برعايته، يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري: “لقد حاول – موريس الجميل – إحداث ثورة في خطة مواجهة “إسرائيل” عبر نشر وعي عن مشروعها وأخطارها على المنطقة وعبر اعتبارها لبنان منافسها الأول ومزاحمها الخطِر من بين سائر الدول العربية”.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *