إقليميات

حَربُ اليَمَن ضدَّ آل سعود.. هي ثأرُ مِحوَرُ المقاومة كُلِّه

بقلم زينب عدنان زراقط

لفهم طبيعة الدور الذي تؤديه السعودية في المنطقة، لا يمكن النظر إلى الأحداث بصورة منفصلة، بل لا بد من ربط مواقفها وتحركاتها في اليمن ولبنان وسوريا وفلسطين، وصولاً إلى علاقتها بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وما يرتبط بذلك من مواقف تجاه قوى المقاومة والحرب على إيران. وفي هذا السياق، تندرج الوقائع والمواقف الآتية ضمن صورة واحدة تتناول طبيعة الدور السعودي امتداداً إلى الساحة السياسية والاقتصادية إلى الملفات الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى الصراعات التي تعصف بالمنطقة.

ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الحديث عن السعودية والحرب في اليمن وحدها، بل يتسع ليشمل طبيعة تحالفاتها وعلاقاتها الدولية، وحجم إنفاقها العسكري، والأدوات التقنية والأمنية التي ترتبط بهذا الدور.

فإلى أي مدى يتجاوز الدور السعودي حدود الصراع في اليمن، ليمتد إلى لبنان وسوريا وفلسطين، وصولاً إلى العلاقة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي؟ وما طبيعة الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التي استخدمتها السعودية، للتأثير في مسار الأحداث والصراعات في المنطقة؟

1- التَّسَلُّح والعلاقات مع الولايات المتحدة

وفي هذا السياق، لا يقتصر الحديث على الموقف السياسي والعسكري، بل يمتد كذلك إلى طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية، وحجم الإنفاق والتسلّح والتقنيات المستخدمة في مجال المراقبة.

السعودية التي تتصدّر المركز الأول بقائمة مستوردي الأسلحة والتجهيزات العسكرية على مستوى العالم، السعودية التي صممت نظام بغاسوس لمراقبة كل وسائل الاتصالات كافة، فاذا كان هاتفُك متصل فأنت مراقب. العام الماضي التزمت السعودية باستثمار قيمته ترليون دولار في الولايات المتحدة بعد زيارة ترامب لابن سلمان. مُعرباً عن رغبته أن يكون جزءاً من اتفاقات أبراهام. ووقعت واشنطن والرياض صفقة أسلحة بقيمة 142 مليار دولار هي الأكبر في التاريخ. ولا يتوقف هذا المسار عند صفقات السلاح والاستثمارات مع الولايات المتحدة، بل يمتد إلى العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المرتبطة بالكيان الإسرائيلي، وهو ما يفتح فصلاً آخر من طبيعة هذه العلاقات.

2- التَّسَلُّح والعلاقات مع الكيان الإسرائيلي

ومن هنا، ينتقل المشهد من العلاقات السعودية الأمريكية إلى العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، ولا سيما في سياق الحرب التي شهدتها المنطقة والتطورات المرتبطة بالبحر الأحمر. حيثُ كانت السعودية أول من أغاث إسرائيل بمد جسر جوي عبر الأردن بعدما حظرت اليمن الناقلات الإسرائيلية من العبور عبر البحر الأحمر. كما كانت السعودية تعمل كطوق حماية عن إسرائيل بالتصدي للصواريخ اليمنية العابرة لأراضيها نحو الصهاينة.

وقد أشادَ نتنياهو بهذا المحور السعودية، مصر، السودان، البحرين، الأردن والإمارات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان محور النعمة عام 2024. وفي السياق نفسه، وبناءً على حرص السعودية على بناء دولة فلسطينية كما تدعي، اقترح نتنياهو بناء دولة فلسطينية في أراضي المملكة العربية السعودية الشاسعة في محفلٍ آخر.

ولا يتوقف الأمر عند حدود المواقف السياسية أو التطورات العسكرية، بل ينتقل كذلك إلى طبيعة الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية المرتبطة بالكيان الإسرائيلي. ليس هذا فحسب بل إنَّ السعودية تموّل الكيان الإسرائيلي علناً!.. فقد وُضعت قاعدة الاستثمارات المتبادلة بين السعودية وإسرائيل في منذ عام 2021، عندما أقنع جاريد كوشنر صندوق الاستثمارات العامة السعودي (مزود بـ 620 مليار دولار) بمنحه ملياري دولار لصندوق الاستثمار الخاص (Affinity Partners) الذي كان قد أطلقه لتوه. بعد ذلك، استثمر جاريد كوشنر في شركتين إسرائيليتين، هما مجموعة “شلومو” (Shlomo Group) منذ عام 2023، و”فينيكس فايننشل” (Phoenix Financial) منذ عام 2024.

3- الوصاية السياسية على لُبنان

ومن العلاقة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، تنتقل الصورة إلى لبنان، حيث لا تقتصر هذه المواقف على التصريحات، بل تمتد إلى الساحة اللبنانية وما يرتبط بها من تدخلات سياسية مباشرة، بما يعرقل مسار تطور البلد ويبطئ عجلته الاقتصادية والحياتية، وينعكس على مختلف سبل الحياة فيه، من الاستقرار السياسي والاجتماعي إلى التنمية والخدمات والفرص الاقتصادية.

بيدَ أنَّه لا يخفىَ على أحد أن العماد جوزيف عون انتخب رئيساً للجمهورية بشرط سعودي “هو أو لا أحد”، بعد أن أقلّتهُ طائرة خاصة للتوجه إلى الرياض، ليُحسم القرار خلال 24 ساعة قبل جلسة الانتخابات، وأدارَ الاستشارات في لبنان على الأرض المستشار السعودي يزيد بن فرحان مع تقديم ضمانات بملف إعادة الاعمار!، وقد أدى يزيد بن فرحان دوراً بارزاً في الاتصالات والتحركات التي سبقت انتخاب جوزيف عون، في ظل عودة الحضور السعودي المباشر إلى الملف السياسي اللبناني.

وهنا تبرز علامات الاستفهام حول مواقف الرئيس جوزيف عون بعدَ تعيينه، التي تمحورت حول المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة وتسليم سلاح حزب الله، وانجرّ إلى مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، على الرغم من تحذير حزب الله من هذه الخطوة، التي لا جدوى منها سوى تقديم التنازلات. وبالفعل، أقدم الإسرائيلي على ارتكاب الانتهاكات والاعتداءات في ظل الرئاسة اللبنانية وتحت مظلة التفاوض، الذي انتهى في نهايته إلى مخرج عقيم من دون حل، في وقت لا يزال فيه الاحتلال الإسرائيلي حاضراً والاعتداءات على لبنان مستمرة، وتحديداً في الجنوب اللبناني – بيئة المقاومة -.

التدخلات كلها واضحة “الوصاية السعودية” على الدولة اللبنانية، – على عينك يا تاجر – كما وسبق اختطفوا رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، وأعلن استقالته بكلمة مُتلفزة من الرياض!، وهي أول من طالب بنزع سلاح “حزب الله”، وقد أصبح حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية من أبرز الملفات التي تطرحها السعودية في مقاربتها للشأن اللبناني، ومن شروط دعمها السياسي والاقتصادي للبنان. وهكذا، فإن الملف اللبناني لا ينفصل عن بقية الملفات الإقليمية، إذ يتقاطع فيه النفوذ السياسي مع الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ولا سيما ما يرتبط بحزب الله وسلاحه ومستقبل الدولة اللبنانية.

4- التحولات في المشهد السوري

أما ما جرى في سوريا، وكيف حدث التحول السياسي الذي أطاح ببشار الأسد، وما أعقبه من تطورات داخل الساحة السورية، فقد كان ذلك كله، جزءاً من تدبير سعودي.

فقد التفَّت دول الخليج وتحديداً السعودية بشكل مفاجئ حول سوريا لتعيد إحياء العلاقات مع بشار الأسد قبل إسقاطه في أواخر عام 2024، وما بدى أن الوعود التي نالها أثّرت عليه حتى تغيّر مساره تجاه محور المقاومة وشمل التضييق على تواجد حزب الله عند الحدود وتم اغلاق الحوزات الدينية والمدارس الإيرانية وكل المؤسسات الإنسانية التابعة لإيران إضافة إلى إجراءات التفتيش المشدّدة.

وعلى الرغم من تحذير الأسد من ترتيبات إسقاطه بعدما علمت الجمهورية الإسلامية بالمخطط الخليجي لإيقاعه، ما عاد باستطاعته التراجع وجرى الانقلاب الرئاسي. ليؤتى برئيس كان عُنصراً تابعاً للمنظمات الارهابية التي أنشأتها السعودية بدعمٍ أمريكي “أحمد الشرع”، الذي سُرعان ما احتضنته دول الخليج هو الآخر وعقدوا استثمارات اقتصادية بمئات ملايين الدولارات، كما أَعلنت المملكة العربية السعودية عن استعدادها لسداد ديون سوريا للبنك الدولي، ما يمهد الطريق للموافقة على مِنَح بملايين الدولارات لإعادة الإعمار ودعم القطاع العام السوري المشلول.

لنجد سوريا الآن، فبعدما كان الشعب يحتفل بقدوم الشرع وإسقاط الأسد، ها هو اليوم يتظاهر ويعبّر عن غضبه من الوضع الاقتصادي والخناق المفروض على مختلف مقومات الحياة. هذا ما يريدونه، سوريا مليئة بالمشكلات وعدم الاستقرار، ليبقوا أوصياء عليها، وينهبوا نفطها، ويستبيحوا أراضيها، كما قضمت إسرائيل جبل الشيخ ومساحات واسعة من سوريا دون أي مواجهة. والأهم، تبقى سوريا هي الجارة اللصيقة بلبنان، والمنفذ المباشر الذي يمكنهم استغلاله لبث شرورهم ولعنتهم داخل الحدود اللبنانية.

وفي هذا المحفلِ تبرز تصريحات علنيه لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن الإرهاب والإسلام السياسي، بأشهر عبارتين صرَّحَ بهما، الأولى في أمريكا وفي أشهر وسائل الإعلام الأمريكي بقوله: “نحن صنعنا الإرهاب بطلب أمريكي”، والثانية قالها في السعودية: “نريد العودة إلى إسلام ما قبل 1979م”.

يتفاخر ابن سلمان بصناعة الإرهاب، آل سعود هم الذين خلقوا داعش وتنظيم القاعدة وموّلوها وحرّضوها لتهاجم سوريا والعراق ولبنان. فإن الحديث عن الإرهاب لا ينفصل عن الحديث عن الحروب التي شهدتها المنطقة، ولا عن الجماعات المسلحة التي تمددت بين سوريا والعراق ولبنان، وما رافق ذلك من عمليات تمويل وتسليح وتحريض وتجنيد، لتصبح هذه الجماعات جزءاً من المشهد الأكثر تعقيداً في المنطقة.

5- تقنيات التجَسُّس واستهداف المقاومة وقياداتها

ومن سوريا ولبنان، يعود المشهد مرة أخرى إلى ملف المقاومة، واستهداف قياداتها، وما يرتبط بذلك من صراع أوسع يمتد إلى اليمن وإيران.

وتجدر الإشارة في هذا المحفل إلى بروز موضوع التِّقنيات الأمنية والمراقبة باعتباره أحد الجوانب المرتبطة بهذا الدور. مثل نظام بغاسوس التجسسي للتعرف على الوجه والقياسات الحيوية، وهو ليس ببرمجيات حديثة، على قدر ما هو سلاح عسكري واستعماري بذات الوقت!، ولم يقتصر استخدامه على المراقبة والتجسس، بل ارتبط أيضاً باستهداف شخصيات سياسية وحزبيه وأُخرى معارضة وصحفيين ونشطاء، وقد كشفت تقارير وتحقيقات عن استخدامه في مراقبة أشخاص ارتبطت بعض حالاتهم لاحقاً بعمليات اغتيال، ما يثير علامات استفهام خطيرة حول طبيعة هذه التقنيات والجهات التي تستخدمها والأهداف التي توظَّف من أجلها.

وصولاً إلى استهداف قيادات المقاومة، والحرب على اليمن وإيران، تتضح حلقة أخرى من حلقات هذا الصراع، حيث لم يعد الأمر متعلقاً بالسياسة أو الاقتصاد فحسب، بل امتد إلى استهداف القيادات التي تقف في مواجهة هذا المحور.

وبالفم الملآن قالها محمد بن سلمان لترامب في ولايته الأولى عند زيارته، أنه يريد اغتيال “السيد حسن نصر الله”، وهذا كان مسعاهم منذ ابتداء حرب اليمن، وإعلان الشهيد الأقدس مناصرته لقضية اليمن ومظلوميته. وهذه الحقيقة أكَّدها السيد بنفسه خلال حوارٍ إعلامي متلفز، وأكَّد أن جريمة اغتيال القائدين الشهيدين سليماني والمهندس وحتى القائد الشهيد الحاج عماد مغنية، كانت عملاً إجرامياً مشتركاً أمريكي – إسرائيلي – سعودي!.

6- الحرب على إيران والدور الإقليمي

ومن استهداف المقاومة وقياداتها، يصل الحديث إلى الحرب على إيران، وما يرد بشأن الدور الذي قامت به بعض الدول الإقليمية في هذا السياق.

كذلك الحرب على إيران ما كانت أن تكون لولا “وجود شركاء استثنائيين في المنطقة” كما لقبتهم جوني إرنست، سيناتور أمريكية. مؤكدةً أنه “لم تكن السعودية وقطر مجرد متفرجين، بل شاركتا بنشاط. فقد كان وصولهما إلى القواعد، والدعم اللوجستي، والتعاون الاستخباراتي، أمراً بالغ الأهمية من الناحية العملياتية بالنسبة لنا”. وفي هذا الإطار، نقَلَ الموقع الإخباري الأمريكي المانيتور بشأن الدور السعودي المباشر في الغارات الجوية داخل إيران.

وكما نقل الموقع الاخباري الأمريكي المانيتور أن المملكة العربية السعودية قامت في أواخر آذار – بداية نيسان – مباشرةً بتنفيذ سلسلة من الغارات الجوية غير المعلنة ضد أهداف داخل إيران.

ختاماً، صدق الإمام الخميني عندما قال “لو اغتسل آل سعود ألف مرة بماء زمزم، لما تطهّروا”. وبناءً على ذلك، فإن الحرب التي تخوضها اليمن ضد آل سعود ليست فقط من أجل تحرير أراضيها التي اغتصبتها السعودية، أو لطرد المرتزقة الذين أرسلتهم السعودية إلى أرضها، بل هي حربٌ لإقصاء آثار جرائم آل سعود التي تغلغلت في كل جبهات محور المقاومة. وهي ثأرٌ مفروضٌ تأديته من أجل كل المظلومين والمحرومين والشهداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *