الولايات المتحدة والحرب على إيران.. النفوذ الأمريكي في غرب آسيا إلى تراجع
بقلم ابتسام الشامي
مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس، يزداد مأزق الرئيس الأمريكي حدة في ظل عجزه عن انهاء الحرب على إيران بصورة نصر من شأنها تحسين وضع حزبه الجمهوري في البازار الانتخابي..
وبينما أعاد التلويح بالخيار العسكري من على منبر الأمم المتحدة مهدداً الجمهورية الإسلامية بـ “الإفناء” فإن ما يظهر من تداعيات الحرب على بلاده لاسيما خسائرها المادية والاستراتيجية يوضح عمق مأزق الولايات المتحدة وضيق خيارات الرئيس وإدارته.
علامات استفهام حول مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة
خذلت الحرب العدوانية الأمريكية الاسرائيلية على الجمهورية الاسلامية في إيران الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدل أن تمنحه فرصة الوقوف على منبر الأمم المتحدة رافعاً شارة النصر في حرب تصدّر إسقاط النظام أهدافها، اضطرته إلى الغرف من معين أكاذيبه التي أطلقها منذ الأيام الأولى للحرب نهاية شهر شباط الماضي، مكرراً ادعاءات القضاء على برنامج إيران النووي وقوتها البحرية وقدرتها الصاروخية. وفي الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، استغل ترامب منبرها لمحاولة صناعة صورة نصر لا تتطابق مع الواقع، قبل أن يستدرك بوابل من التهديد بإبادة “الجمهورية الإسلامية” إذا لم يتسن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع، في تناقض صارخ مع الصورة التي قدمها عن إيران التي انهكتها الحرب ووضعتها على حافة الاستسلام. وعلى الرغم من توقعه بأن تتوصل إدارته إلى اتفاق مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني المقبل، دعا الرئيس الأمريكي الدول الأخرى إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة في عزل إيران اقتصادياً لدفعها إلى طاولة المفاوضات. وأضاف قائلاً “لدي قرار كبير يجب أن أتخذه. هل سنتوصل إلى اتفاق مع إيران يتيح لها إعادة البناء وجعلها دولة أعظم بكثير مما كانت عليه من قبل؟ أم أبيد الجمهورية الإسلامية سريعاً، لكيلا أمنحها فرصة قتل وتدمير الناس والبلدان مرة أخرى”؟.
تقديم ترامب نفسه بصورة القادر على تغيير المعادلات الميدانية والسياسية في المواجهة مع إيران، إلى جانب كونها صورة مبالغ فيها تبدو منفصلة عن الواقع، وتندرج تحت سقف إعادة صناعة صورة قوة للولايات المتحدة الأمريكية التي نالت الحرب من سمعتها ومن ثقة “حلفائها” بها، فإلى الفشل في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، فإنها تركت ندوبها الواضحة في مستقبل حضور واشنطن في منطقة غرب آسيا العائمة على الثروات، وهي المنطقة التي ازداد النفوذ الأمريكي فيها حد الاحتكار لناحية التأثير في سياسية غالبية أنظمة دولها وفي مقدمها الدول الخليجية. هذا الواقع الذي بني على مدى عقود من الزمان يبدو انه في طريقه إلى الانحلال والتفكك بفعل نتائج الحرب على إيران. واذا كان من الصحيح القول إن الحرب لم تنتهِ بعد وإن الإدارة الأمريكية تكابد من أجل تعديل نتائجها العسكرية بحملة من الضغوط الاقتصادية القصوى والحصار الذي امتد ليشمل قطاع النقل الجوي، إلا أن فرص تعديل تلك النتائج تبدو ضئيلة إن لم تكن معدومة، وفق ما يقرأه الخبراء والمحللون الاستراتيجيون الغربيون، مستندين في تقديرهم هذا إلى ضيق الخيارات الأمريكية مع التشكيك بقدرة خيار العودة الحرب في تحقيق الأهداف في ظل ما يواجهه هذا الخيار من تحديات بما في ذلك نقص المخزون الصاروخي الدفاعي والهجومي، ومدى تأثير ذلك في قدرة الولايات المتحدة على حماية “مصالحها” في ساحات أخرى.
في هذا السياق، قالت مجلة “إيكونوميست” إن عقوداً من التدخل الأمريكي في “الشرق الأوسط” أضعفت ثقة حلفاء واشنطن بقدرتها على حماية المنطقة، معتبرة أن الحرب الحالية مع إيران عمّقت هذا التحول، بعدما تكبّدت دول الخليج أضراراً اقتصادية وأصبحت تتساءل عن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمنها.
وأوضحت المجلة، في تحقيق لها، أن فشل الولايات المتحدة في المنطقة خلال 35 عاماً عزّز لدى حلفائها شعوراً بأنها أصبحت جزءاً من المشكلة بدلاً من الحل، في تناقض مع التفاؤل الذي ساد واشنطن مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991، وانعقاد مؤتمر مدريد، وانهيار الاتحاد السوفييتي.
لكن العقود التي هيمنت فيها واشنطن على المنطقة خلفت، بحسب المجلة، “فوضى واضطرابات”، كان أحدثها الحرب التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، والتي توقع انتهاءها خلال أيام، لكنها دخلت شهرها الثامن دون أفق واضح للتسوية.
وبحسب المجلة فإن الحرب ألحقت أضراراً اقتصادية بحلفاء الولايات المتحدة العرب في الخليج، إلى جانب تداعياتها على الاقتصاد العالمي، معتبرة أن فقدان ثقة الحلفاء وإرهاق الرأي العام الأمريكي سيكونان من أبرز آثارها طويلة الأمد.
وإذ تذكّر المجلة البريطانية بأن الولايات المتحدة جرّبت خلال العقود الماضية أشكالاً مختلفة من التدخل العسكري في الشرق الأوسط، بما في ذلك إرسال قوات برية إلى العراق، واستخدام القوة الجوية في ليبيا، وتسليح مقاتلين سوريين، ودعم التحالف الذي قادته السعودية في حرب اليمن منذ 2015. تشير إلى أن التداعيات على حلفاء واشنطن كانت أكبر، ولا سيما خلال الحرب الحالية مع إيران، التي ألحقت أضراراً كبيرة باقتصادات دول الخليج، وأدت إلى خسائر بمئات المليارات من الدولارات نتيجة تراجع مبيعات النفط والغاز، وانخفاض السياحة، وتضرر البنية التحتية. ورأت “إيكونوميست” أن هذه التطورات ستفرض قيوداً على الدور الأمريكي المستقبلي في المنطقة. معتبرة أن ترامب أضعف ما تبقى من الثقة الخليجية بواشنطن عندما شن حرباً على إيران، وهي حرب حاول رؤساء أمريكيون سابقون تجنبها.
ونقلت المجلة عن دبلوماسي خليجي قوله إن أحداً في المنطقة ليس مستعداً حالياً للحديث علناً عن مستقبل القواعد الأمريكية، مضيفاً: “ليس هذا هو الوقت المناسب لمثل هذا الحديث على الإطلاق”.
وخلصت “إيكونوميست” إلى أن الولايات المتحدة استطاعت الحفاظ على هذا الوضع لفترة طويلة، لكن قواعدها أصبحت عرضة للهجمات، وناقلات النفط تتعرض للاستهداف، فيما تخوض “إسرائيل”، الحليف الأقرب لواشنطن، حرباً مستمرة منذ ثلاث سنوات. معتبرة أن ما بنته الولايات المتحدة خلال 35 عاماً لم يكن متيناً بما يكفي، وأن كثيراً من دول المنطقة بقيت ضعيفة أو منقسمة أو فاشلة، وأن غياب الضامن الأمريكي التقليدي قد يدفعها إلى تحمل مسؤولية بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً.
بدورها ذكرت صحيفة “تلغراف” أن الحرب مع إيران تكشف يوماً بعد آخر عن تراجع النفوذ الأمريكي في “الشرق الأوسط”، وأن القواعد العسكرية الأمريكية التي أُنشئت أصلاً لردع الهجمات باتت اليوم أهدافا في حد ذاتها، ما يدفع حلفاء واشنطن في الخليج إلى إعادة النظر في مدى اعتمادهم عليها.
وأوضحت الصحيفة أن هذا التحول يمنح طهران مكسباً استراتيجياً يتجاوز الميدان العسكري، إذ يبدو أن أحد أبرز نتائج المواجهة هو إضعاف موقع الولايات المتحدة لدى حلفائها الإقليميين، في وقت تبحث فيه دول الخليج عن ترتيبات أمنية بديلة تضمن مصالحها بعيداً عن الاعتماد الأحادي على واشنطن. وبحسب الصحيفة، فإن استهداف القواعد الأمريكية لم يعد احتمالاً نظرياً بل واقعاً يفرض على العواصم الخليجية إعادة حساب أولوياتها، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الوجود العسكري الأمريكي على توفير الحماية التي طالما اعتُبرت مضمونة، في ظل استمرار المواجهة مع إيران وتداعياتها على الملاحة في مضيق هرمز وأمن الطاقة في المنطقة.
وتخلص “تلغراف” إلى أن ما يجري لا يقتصر على كونه اختباراً لقدرات الفريق الأمريكي العسكرية، بل يمتد إلى شرعية حضوره الاستراتيجي في المنطقة، إذ إن كل يوم تستمر فيه الحرب يزيد من إدراك الحلفاء أن مصالحهم قد لا تكون بالضرورة متطابقة مع أولويات واشنطن، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط على أسس جديدة.
الخوف على المصالح الأمريكية في العالم يرتفع
وفي سياق متصل بمستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً لدبليو جي هينغان قال فيه إن إيران كشفت عن ضعف القواعد العسكرية الأمريكية في “الشرق الأوسط”. وأشار فيه إلى أنه وقبل قرار الرئيس دونالد ترامب الهجوم على إيران، بدأ مشروع ضخم لبناء وترميم ثكنات البحارة في القاعدة الأمريكية بالبحرين، مقر قيادة البحرية بالمنطقة. فقد كان هذا المشروع، الذي حظي بدعم وزير الدفاع بيت هيغسيث، أحدث استثمار أمريكي في هذا المجمع الشاسع، الذي مكن القوات الأمريكية من بسط نفوذها في الشرق الأوسط لعقود. لكن مستقبل الثكنات وبقية المنشأة أصبح في الساعات الأولى من الحرب على إيران محل شك. ففي 28 شباط، أمطرت الصواريخ الإيرانية وطائرات الهجوم المسيرة أحادية الاتجاه مستودعات الطعام والوقود وإصلاح السفن في القاعدة ودمرت مرافق القيادة عالية التقنية، وأصبحت أماكن السكن غير صالحة للسكن، وجرى إجلاء نحو 1,500 فرد من أفراد الخدمة وعائلاتهم، تاركين وراءهم سياراتهم وحيواناتهم الأليفة وممتلكاتهم.
وبعد مرور ما يقارب سبعة أشهر، تضيف الصحيفة الأمريكية، لا تزال القاعدة التي وصفها الجيش سابقاً بأنها أكثر القواعد ازدحاماً في العالم، والتي تبلغ مساحتها 152 فداناً، محظورة فعلياً على الأفراد غير الأساسيين. ونقل الكاتب عن ديفيد إتش. بترايوس، القائد السابق للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط والمدير السابق لوكالة المخابرات المركزية قوله “إن الأمر يتطلب إعادة نظر شاملة، ليس في استراتيجية قواعدنا ومقراتنا الأمامية فحسب، بل في كيفية عملنا في المستقبل”. وأضاف الكاتب أن القواعد الأمريكية وحاملات الطائرات في المنطقة، نظر إليها في العادة على أنها آمنة نسبياً للقوات. صحيح أن القواعد والسفن الحربية كانت تتعرض أحياناً لقصف مدفعي وصاروخي من الجماعات المسلحة، إلا أن هذه الهجمات كانت في معظمها متفرقة وغير مؤثرة، ويمكن إحباطها بسهولة. أما اليوم، يضيف الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، فتخوض واشنطن وطهران حرباً مباشرة. وقد أظهرت أكثر من ستة أشهر من القتال أن الدفاعات الجوية الحديثة، مهما بلغت شموليتها، لا تستطيع حماية القواعد بشكل كامل من وابل الطائرات المسيرة والصواريخ. ويعتقد الكاتب أن هذا الضرر بدأ يؤثر بالفعل في قدرة أمريكا على مواصلة القتال، مستدلاً على ذلك بأن الأضرار الفادحة التي لحقت بالقاعدة في البحرين أدت إلى سلسلة من المشاكل المتلاحقة للبحرية الأمريكية، فبدون الوصول إلى مركز العمليات، تفتقر السفن الحربية العاملة قرب مضيق هرمز إلى إمدادات منتظمة من الوقود والغذاء والسلع الأخرى. وهو ما اضطر البحارة للاعتماد على قاعدة في دييغو غارسيا، التي تبعد 2,200 ميل عن خليج عمان لإعادة التموين، الأمر الذي استغرق أسبوعين بدلاً من أسبوع واحد. كما أمضت حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” أكثر من 250 يوماً في البحر من دون التوقف في أي ميناء، باستثناء توقفات قصيرة في غوام وعمان. وقد أثار هذا الانتشار المطول ضجة إعلامية واسعة النطاق حول نقص الغذاء وتدهور الحالة النفسية للبحارة. و”نظرا للتغيرات السريعة التي تشهدها الجيوش العالمية، يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن معظم قواعدها وموانئها ومطاراتها المنتشرة في 80 دولة، والتي يقدر عددها بنحو 750 قاعدة حول العالم، أصبحت أكثر عرضة للهجمات الجوية بشكل كبير”. والخطير في هذا الاستنتاج بحسب الكاتب أنه “بات بإمكان روسيا والصين، وحتى كوريا الشمالية، إطلاق ترسانة أوسع من الصواريخ الأكثر قوة وتطورا تقنيا ضد المنشآت الأمريكية في مناطقها”.
ارتفاع الأصوات الداعية إلى وقف الحرب
الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية وما خلّفتها من تداعيات سياسية ربطاً بعلاقة واشنطن بـ “حلفائها” الإقليميين، تدفع بالمزيد من الأصوات الداعية إلى وضع حد للحرب على إيران، ولا تقتصر هذه الأصوات في الداخل الأمريكي على الحزب الديمقراطي وإنما بدأت تتصاعد بشكل لافت في أوساط الحزب الجمهوري أيضاً. وفي هذا الإطار، أشارت مجلة “تايم”، الأمريكية، إلى أن عدداً متزايداً من مرشحي الحزب الجمهوري يدعو إلى “إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو سبعة أشهر على إيران”، حتى في مناطق تُعد معاقل جمهورية تقليدية، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وتصاعد المخاوف من تأثير الحرب على أسعار الوقود وتكلفة المعيشة. وبحسب “تايم”، فقد أعرب مشرّعون من الحزبين عن قلقهم من عدم وضع ترامب استراتيجية للخروج من الأزمة، وعن تأثير الحرب على أسعار الوقود التي ارتفعت بصورة حادّة في أنحاء الولايات المتحدة منذ بدايتها.
ومع تزايد مخاوف الجمهوريين بشأن انتخابات تشرين الثاني، “يتجه مزيد من مرشحي الحزب ومشرعيه إلى النأي بأنفسهم عن الرئيس في هذه القضية، على الرغم من بقاء هؤلاء أقلية”. ونقلت المجلة عن الاستراتيجي الجمهوري والمستشار السابق للسيناتور راند بول، برايان دارلينغ، قوله، إن جزءاً كبيراً من السخط الشعبي إزاء الحرب يعود إلى تأثيرها التضخمي داخل الولايات المتحدة.
خاتمة
لا ترسم كلمات الرئيس الأمريكي صورة مزيفة عن نتائج حربه العدوانية على إيران فحسب، وإنما يعكس تناقضها حجم المأزق الذي أدخل دونالد ترامب بلاده فيه عندما قرر شن العدوان مصغياً إلى شريكه الإرهابي بنيامين نتنياهو، وبدلاً من أن تعزز الحرب حضور الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، ها هي تهدم ما بُني على مدار عقود، وتدفع بها إلى الخارج مبقية “حلفاءها” بلا غطاء أمني لطالما تدثروا به أملاً بتأبيد حكم عروشهم وممالكهم.
