عامان على غيابه.. لماذا لا تزال “إسرائيل” تقرأ نصر الله؟
بقلم د. محمد الايوبي
هل يمكن أن يُغتال زعيم، فيُقتل جسده، ويبقى عقله حاضراً في أروقة مؤسسات من اغتالوه؟.. هذا هو السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بعد عامين على عملية الاغتيال التي نفّذتها “إسرائيل” في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2024، اغتيل السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله. حيث كان من المفترض أن يُمثّل هذا الاغتيال ضربة قاضية، ليس فقط لقيادة الحزب، بل لمعادلة الصراع بكاملها.
لكن الواقع “الإسرائيلي” بعد عامين يقول شيئاً آخر: نصر الله لم يعد فقط قائد اُغتيل، بل تحوّل إلى موضوع دراسة في الجامعات، ومادة بحث في مراكز الدراسات الاستراتيجية، وهاجس دائم في الذاكرة الجمعية “الإسرائيلية”. لماذا لا تزال “إسرائيل” تقرأه؟ وكيف تحوّل من خصم يُقاتل إلى نصّ يُدرس؟ هذه الأسئلة تشكّل محور هذا المقال.
الجواب هنا لا يكمن في الحنين إلى خصم غاب، ولا في استعادة ذكرى عدو رحل، بل في حقيقة أعمق: أن نصر الله لم يكن فقط قائد عسكري أو زعيم حزب، بل كان مهندس معادلات صراع، ومُنتِج خطاب، وصانع “توازن الرعب” الذي حاولت “إسرائيل” تكسيره فلم تستطع. إن اغتياله، بهذا المعنى، لم يُنهِ المشروع الذي مثّله، بل حوّله إلى إرث يُقرأ ويُحلَّل ويُخشى، تماماً كما كان يُقرأ ويُحلَّل ويُخشى في حياته.
الاعتراف “الإسرائيلي”: “نحن الإسرائيليين نصغي إليه ونصدقه”
من أبرز المفارقات التي تكشفها الشهادات “الإسرائيلية” أن نصر الله لم يكن خصماً عسكرياً فحسب، بل كان ظاهرة إعلامية ونفسية في آنٍ واحد. فقد أُعدّ عنه برنامج كامل في قناة “كان” الإسرائيلية عام 2019، وصفته فيه القناة بأنه “لا يوجد عدوٌّ عربي يشغل الرأي العام في إسرائيل مثل السيد نصر الله”، ثم أضافت العبارة الأكثر دلالة: “نحن الإسرائيليين نصغي إليه ونصدقه”.
هذه العبارة ليست مجرد إشادة هامشية، بل هي اعتراف بمعادلة خطيرة: أن الجمهور “الإسرائيلي”، الذي يُفترض أن يكون في مواجهة خصمه، وجد نفسه ينتظر خطاباته ليبني عليها توقعاته لما قد يحصل. وهكذا تحوّلت كل كلمة أو عبارة ينطق بها إلى عنوان رئيسي في “إسرائيل”، يبني عليه الجمهور الإسرائيلي تصوراته للمرحلة المقبلة.
ويعود هذا الانجذاب إلى ما قبل عام 2006، حيث وصفه الصحفي والناقد التلفزيوني “الإسرائيلي” رعنان شاكيد بأنه “صاحب كاريزما تلفزيونية من الطراز الأول، وقائد مثالي فعّال وجدي، وأنه الأكثر فصاحة ووضوحاً في منطقتنا”. بل نُقل عن لسان “إسرائيلي” قوله بمرارة: “ليتنا نملك فقط رئيس حكومة يقول الحقيقة، ليت لدينا نصر الله صغيراً خاصاً بنا، واحدٌ يعيد وينفّذ”.
هذه الكلمات، التي ترددت في الإعلام “الإسرائيلي”، تكشف عن أزمة ثقة داخلية “إسرائيلية”، وعن فراغ قيادي حاولت “إسرائيل” ملأه بخطاب القوة، لكنها لم تستطع أن تنتج قائداً يشبه نصر الله في قدرته على الجمع بين الصرامة والبساطة، وبين الخطاب العسكري والخطاب السياسي.
دراسة “إدارة الدعاية الإسرائيلية”:
حين ينظر الجمهور إلى زعيم العدو كمصدر للحقيقة
بعد حرب تموز 2006، أظهرت دراسة بعنوان “إدارة الدعاية الإسرائيلية في حرب لبنان الثانية”، أعدها الباحث الدكتور أودي ليبل، ونقلت نتائجها الصحافية عينات بيرشوفسكي في صحيفة “يدعوت أحرنوت”، أن من حاز أعلى درجات المصداقية بشأن القتال وإدارته كانت خطابات السيد نصر الله للمتحدثين باللغة العبرية.
ليبل نفسه كتب عبارة لافتة: “إسرائيل وصلت إلى وضع جنوني، إذ أصبح قسمٌ من الجمهور ينظر إلى زعيم العدو الذي نحاربه باعتباره ذلك المصدر، وينتظر خطاباته بفارغ الصبر”. هذه الشهادة، التي صدرت من داخل المؤسسة الأكاديمية والإعلامية “الإسرائيلية”، تكشف عن هزيمة نفسية أعمق من أي هزيمة ميدانية. فحين يتحوّل زعيم العدو إلى مصدر للمصداقية، وحين ينتظر الجمهور خطاباته ليعرف ما قد يحدث، فإن المعركة تكون قد انتقلت من ساحة الميدان إلى ساحة الوعي، ومن مواجهة السلاح إلى مواجهة الخطاب.
ثلاث شخصيات في وقت واحد: كيف قرأ “الإسرائيليون” نصر الله؟
المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، تيس في برئيل، أوجز المشهد بالقول إن السيد نصر الله كان بالنسبة للإعلام “الإسرائيلي” ثلاث شخصيات في وقت واحد: “عدوّاً لدوداً وقائد جبهة الكاتيوشا، ومفسّراً للتحركات العسكرية، ومحللاً ومراقباً للمجتمع الإسرائيلي وجيشه”. هذه الشخصيات الثلاث ليست فقط توصيف، بل هي انعكاس لثلاثة أدوار كان يؤديها نصر الله في آنٍ واحد:
الدور الأول: العدو اللدود. لم يكن نصر الله مجرد خصم عسكري، بل كان يمثل تهديداً وجودياً لـ “إسرائيل”، ليس فقط بقدراته الصاروخية، بل بقدرته على صياغة خطاب يخترق المجتمع “الإسرائيلي” نفسه.
الدور الثاني: مفسّر التحركات العسكرية. كان نصر الله يمتلك قدرة استثنائية على قراءة المشهد العسكري “الإسرائيلي”، وتحليل نقاط قوته وضعفه، والتحدث بلغة يفهمها العسكريون والسياسيون على حدٍّ سواء.
الدور الثالث: المحلل والمراقب للمجتمع “الإسرائيلي”. وهذه هي الأخطر، لأنها تعني أن نصر الله لم يكن يخاطب جمهوره فقط، بل كان يخاطب “إسرائيل” أيضاً، ويفكك بنيتها الداخلية، ويكشف تناقضاتها، ويضع يده على جراحها.
“توازن الرعب”: المعادلة التي لم تسقط باغتياله
صحيح أن “إسرائيل” تقاتل اليوم حزباً بلا السيد، لكنها تقاتل الإرث الذي تركه، والمعادلات التي ثبّتها. فقد جمع نصر الله في قتاله مع “إسرائيل” بين الحرب النفسية والإعلامية، وبين تطوير القدرات العسكرية والاستخبارية، أو ما عُرف بـ “توازن الرعب”.
هذا التوازن لم يكن فقط معادلة عسكرية، بل كان منظومة متكاملة من الردع، تقوم على ثلاثة أعمدة: القدرة الصاروخية، والخطاب الإعلامي، والتماسك الداخلي. وقد نجح نصر الله في بناء هذه المنظومة على مدى ثلاثة عقود، حتى أصبحت “إسرائيل” تتعامل معها كمعطى ثابت، لا يمكن تجاهله.
بعد عامين على اغتياله، لم يسقط توازن الرعب، كما لم يسقط حزب الله بغياب قائده، كما كان يتمنى بنيامين نتنياهو، الذي نُقل عنه بعد ارتقاء السيد بساعات قوله: “توصلتُ إلى استنتاج مفاده أن الضربات القوية التي وجهها الجيش “الإسرائيلي” لحزب الله في الأيام الأخيرة لن تكون كافية، وإن القضاء على نصر الله شرطٌ ضروري لتحقيق الأهداف التي وضعناها: عودة سكان الشمال إلى مستوطناتهم، وتغيير موازين القوى في المنطقة لسنوات”. لكن ما حدث بعد عامين هو أن “إسرائيل” تدرك اليوم أن حزب الله قد غيّر وجهه بالفعل، لكنه لا يزال متمسكاً بشدة بأيديولوجية المقاومة، وتزداد جهوده لإعادة بناء قوته وصورته، في ظل مواجهته للتحديات، بما في ذلك مطلب نزع سلاحه.
شهادة “إسرائيلية”: “لا أحد يستطيع أن يحلّ محل نصر الله”
من أهم الشهادات التي صدرت عن مؤسسة أمنية “إسرائيلية”، ما كتبته أورنا مزراحي، نائبة رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، والباحثة في معهد دراسات الأمن القومي، بعد أكثر من عام ونصف على ارتقائه، حيث قالت: “من وجهة نظر إسرائيلية، عيّن الحزب رسمياً خليفة لنصر الله، لكن عملياً لا أحد يستطيع أن يحلّ محلّه”.
وأضافت أن نصر الله “يحظى بالتبجيل بين أنصاره، وهو يستحق ذلك، أولاً من خلال تضحياته الشخصية، وعلى رأسها مقتل نجله الأكبر في معركة ضد الجيش “الإسرائيلي” في التسعينيات، ما عزّز صورته كقائد يعيش معاناة جمهوره، بخلاف قيادات أخرى انشغلت عائلاتها بالثراء والامتيازات. وثانياً، من خلال 32 عاماً قضاها أميناً عاماً للحزب، حوّله إلى جيش مستقل وقوي يهدد ‘إسرائيل'”.
هذه الشهادة، الصادرة من داخل مؤسسة الأمن القومي “الإسرائيلي”، تكشف أن اغتيال نصر الله لم يكن فقط عملية عسكرية، بل كان محاولة لتفكيك رمزية قائد شكّل حالة استثنائية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.
“نصر الله.. أساطير لا تموت؟”
لم يتوقف الاهتمام “الإسرائيلي” بنصر الله عند حدود التصريحات الإعلامية أو الدراسات الأكاديمية العابرة، بل تجسد في إصدارات بحثية بارزة، من أبرزها كتاب صادر عن ضباط في جهاز الموساد والاستخبارات العسكرية بعنوان “نصر الله.. أساطير لا تموت؟”. هذا العنوان، الذي يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الرجل تحوّل إلى “أسطورة” يصعب محوها بالاغتيال، يكشف عن إشكالية “إسرائيلية” عميقة: كيف تتعامل دولة مع خصم اغتالته جسدياً، لكنها لا تزال مضطرة لقراءته فكرياً ونفسياً واستراتيجياً؟.
الجواب الإسرائيلي عن هذا السؤال لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان أكاديمياً وثقافياً أيضاً. فقد تحوّلت خطابات نصر الله إلى مادة تُدرَّس في الجامعات والكليات “الإسرائيلية”، ولا سيما في كليات فن الخطابة والبلاغة في تل أبيب، كنموذج متقدم في الحرب النفسية والدعاية المؤثرة. لم يكن “الإسرائيليون” يدرسون نصر الله لأنه “عدو” فحسب، بل لأنه كان خصماً يتقن فنون الخطاب بدرجة جعلت كلماته محط تحليل لمعرفة النوايا العسكرية قبل أن تُترجم إلى أفعال على الأرض.
وتكمن المفارقة الأعمق في أن خطابات نصر الله كانت تحظى بمتابعة استثنائية داخل المجتمع “الإسرائيلي”، مقارنة بأي زعيم عربي آخر، ليس لأن “الإسرائيليين” يحبونه، بل لأنهم كانوا يخشون أن يكون كلامه صادقاً. هذا الخوف من “مصداقية الكلمة” هو ما جعل الإعلام “الإسرائيلي” يبني توقعاته على كل عبارة ينطق بها، وهو ما أشارت إليه صراحة قناة “كان” الإسرائيلية عندما قالت: “نحن الإسرائيليين نصغي إليه ونصدقه”. هذه المصداقية، التي تحوّلت إلى سلاح نفسي بيد نصر الله، هي ما جعل “إسرائيل” لا تزال تقرأه بعد عامين على غيابه: لأنها تبحث في أرشيفه عن مفاتيح لفهم ما قد يفعله حزب الله بلا السيد، وكيف يمكن أن تُدار معركة نفسية فقدت صوتها الأقوى. الخلافة الرمزية: النص الذي يتجاوز مؤلفه
الأسئلة “ثقيلة الوطأة”.. كيف تستشرف “إسرائيل” مستقبلاً بلا نصر الله؟
لا تبحث “إسرائيل” في ماضي نصر الله لمجرد التوثيق أو الحنين إلى خصم غاب، بل لمحاولة استشراف المجهول. فغيابه لم يُلغِ المعادلة، بل فتح سلسلة من الأسئلة “ثقيلة الوطأة” على طاولة المؤسسة الأمنية والعسكرية “الإسرائيلية”: إلى أي مدى يمكن أن تذهب منظومة القيادة الجماعية في حزب الله في أي مواجهة مقبلة؟ كيف ستُدار العلاقات الاستراتيجية مع طهران في غياب الشخصية التي كانت بمثابة الجسر الأهم بين المقاومة اللبنانية والمشروع الإيراني؟ وكيف ستبدو جبهات الإسناد الإقليمية من دون العقل الذي كان ينسّق بينها؟.
هذه الأسئلة لا تنبع من فراغ، بل من قراءة “إسرائيلية” دقيقة لطبيعة المرحلة الحالية. فالتقديرات “الإسرائيلية” ترى أن غياب نصر الله شكّل “لحظة تاريخية” حرّكت الصفائح التكتونية للمنطقة، لكنه ترك خلفه بنية تنظيمية وعسكرية متكاملة وصعبة التفكيك. هذه البنية، التي بناها نصر الله على مدى ثلاثة عقود، هي ما يجعل “إسرائيل” تدرك أن اغتيال القائد لا يعني بالضرورة تفكيك المشروع. بل على العكس، قد يعني تحوّله إلى إرث يُدار جماعياً، وهو ما يزيد من صعوبة التوقع ويضاعف من حالة القلق الاستراتيجي.
ويتفق المحللون الإسرائيليون على أن نصر الله ترك “جراحاً غائرة في الذاكرة الجمعية الإسرائيلية”، وأن التخلص الجسدي منه لم يلغِ الهاجس الأمني والفكري الذي زرعه في وعي قادة الاحتلال ومستوطنيه. فـ”إسرائيل” لا تزال تقرأ نصر الله لأنها لم تستطع أن تتجاوز المعادلات التي ثبّتها، ولا أن تتجاهل الخطاب الذي اخترق وعيها، ولا أن تنسى أن الرجل الذي اغتالته جسدياً لا يزال حاضراً كفكرة، وكخطاب، وكمعادلة صراع. عامان على الغياب، و”إسرائيل” لا تزال تبحث في إرث نصر الله عن إجابات لأسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها قبل السابع والعشرين من أيلول 2024: ماذا يعني أن يغيب السيد، ويبقى هاجسه؟.
ففي النهاية؛ فإنه بعد عامين على اغتياله، ما زال الكثير يُقال عن السيد الشهيد حسن نصر الله في “إسرائيل”، بعضه من باب التقدير، وكثيره من باب الكراهية. لكنهم جميعاً، مدنيين وعسكريين وسياسيين، يتفقون على أن شخصيته الفذّة، وقدرته الاستراتيجية، وقيادته القوية، حفرت جراحاً غائرة عميقة في ذاكرة الإسرائيليين.
ولا شك في أن فرحتهم بغيابه لا تعني أن هاجسه الذي زرعه في نفوسهم سيغيب قريباً. فـ”إسرائيل” لا تزال تقرأ نصر الله، ليس لأنها تريد، بل لأنها لا تستطيع أن تتجاهل إرثه، ولا أن تتجاوز المعادلات التي ثبّتها، ولا أن تنسى الخطاب الذي اخترق وعيها، وجعلها تنتظر خطاباته بفارغ الصبر، كما اعترف بذلك باحثوها ومحللوها.
عامان على الغياب، ونصر الله لا يزال حاضراً في المعادلة، لا كذكرى، بل كواقع يُفرض على “إسرائيل” أن تتعامل معه، وكإرث يفرض على الأجيال المقبلة أن تقرأه وتفهمه. وهذا، في النهاية، هو ما يجعل من اغتياله ليس نهاية، بل بداية لفصل جديد من الصراع، فصل لا يزال نصر الله، حتى في غيابه، أحد أبطاله الرئيسيين.
