سوريا الجديدة أمام العدوان الصهيوني والتحديات المقبلة
بقلم توفيق المديني
ما إنْ تمَّت الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد يوم الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حتى شنَّ الكيان الصهيوني عدواناً واسع النطاق على سوريا أُطْلِقَ عليه اسم “سهم الباشان”، حيث وجه سلاح الطيران الصهيوني ضربات متلاحقة عنيفة أدَّتْ إلى تدمير القدرات الاستراتيجية للجيش السوري بشكل كامل تقريباً، بحسب وسائل إعلام صهيونية. ويُعَدُّ هذا العدوان الصهيوني على سوريا الأكبر من نوعه منذ حرب حزيران عام 1967، حيث إنَّه أعاد الجيش السوري إلى “نقطة الصفر”.
ويكمن الهدف الصهيوني الاستراتيجي من خلال زيادة وتيرة الاعتداءات المتكررة على سوريا تحطيم أهم بنية تحتية استراتيجية للجيش السوري في إقليم الشرق الأوسط، وتفكيك الروابط بين الساحتين السورية واللبنانية، وصولاً إلى عزل حزب الله نهائياً عن مراكز الدعم في إيران، وضرب خطوط الدفاع الإيرانية المتقدّمة، وتجريد إيران من أوراق قوتها في المنطقة؛ وبالتالي فإنَّ تدمير الجيش السوري سينهي أيّ خطر قد يأتي من سوريا لعقودٍ قادمة.
تحطيم البنية التحتية الاستراتيجية للجيش السوري
وقبل بدء هذا العدوان اعتمد الكيان الصهيوني على عقود من المعلومات الاستخبارية المتراكمة لتوجيه ضربات دقيقة ومكثفة في كل أرجاء سوريا، لضمان عدم وقوع أسلحة الجيش السوري في أيدي أطراف إسلامية جهادية حسب ادعاء العدو الصهيوني.
فقد حدَّدت الاستخبارات العسكرية الصهيونية مسبقاً كل منظومة مضادات الطائرات لدى الجيش السوري كهدف استراتيجي للقضاء عليها، لا سيما منظومة صواريخ أرض – جو هي الأكثر كثافة في العالم وكابوس كل سلاح جو أجنبي فكّر بأن يهاجم في أي مرَّة سوريا أو محيطها، وفور تصفية سلاح الجو منظومة الدفاع الجوي السورية، جرى خلق واقع أول من نوعه في الشرق الأوسط منذ نحو 60 سنة، واقع يكون فيه لسلاح الجو الصهيوني التفوق الجوي الكامل والمطلق فوق معظم لبنان، سوريا، العراق وإيران.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، شنَّ طيران العدو الصهيوني أكثر من 400 غارة على مختلف المناطق السورية، استهدفتْ ضرب ما لا يقل عن 350 هدفاً على الأرض: من الطائرات القتالية لسلاح الجو السوري، و15 سفينة صواريخ سورية حديثة، وكل مخازن الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ من الأنواع المختلفة لمديات قصيرة ومتوسطة، وحتى بطاريات المدفعية وألوية الدبابات والقيادات ومكاتب وحدات الاستخبارات وغيرها، بوساطة سلاح الجو وبمعونة سلاح البحرية جرى تدمير نحو 80% من عموم الجيش السوري.
احتلال الكيان الصهيوني قمة جبل الشيخ
وبعد سقوط نظام بشار الأسد وهروب الأخير إلى روسيا الأحد الماضي، أقدم جيش الاحتلال الصهيوني على الاستيلاء على أعلى قمة في جبل الشيخ السوري، على الحدود الفلسطينية السورية اللبنانية. ويشكل احتلال الكيان الصهيوني لجبل الشيخ تحولاً كبيراً في ميزان القوى في المنطقة التي تشهد تطورات متسارعة، حيث يحمل الموقع أهمية استراتيجية وعسكرية تتجاوز الحدود السورية لتشمل الدول المجاورة. ويتيح احتلال هذه القمة للكيان الصهيوني تعزيز سيطرته الإقليمية وتوسيع نطاق نفوذه الأمني والاستخباراتي، في ظل تحولات سياسية وعسكرية كبيرة تشهدها المنطقة.
يمثل جبل الشيخ، أعلى قمة في سوريا بارتفاع 2814 متراً، موقعاً بالغ الحساسية بفضل موقعه الاستراتيجي الذي يكشف للجهة المسيطرة عليه مساحات واسعة من سوريا ولبنان وقسما من الأردن وفلسطين المحتلة. ويوفر الجبل بسبب قربه من العاصمة دمشق، التي تبعد عنه حوالي 40 كيلومتراً فقط، منصة لمراقبة التحركات السورية واستهدافها عند الحاجة. وجاءت سيطرة الاحتلال على الجبل في إطار تحرك صهيوني هادئ في الأراضي السورية لاستغلال المواقع المهجورة في سوريا دون قتال، وذلك بالتزامن مع دخول المعارضة السورية إلى دمشق وإسقاط نظام الأسد.
ولا تقل هضبة الجولان الاستراتيجية، التي تبلغ مساحتها 1200 كيلومتر مربع، أهمية عن جبل الشيخ. واحتل الكيان الصهيوني معظم الجولان عام 1967 وضمّه في 1981، ورغم عدم الاعتراف الدولي بهذا الضم، باستثناء الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب الأول، فإن دولة الاحتلال تعتبرها جزءا من أمنها القومي. وتتميز الجولان بموقعها الجغرافي الذي يطل على سوريا ولبنان ويجاور الأردن، ما يجعلها منصة استراتيجية للتحكم في التحركات العسكرية في المنطقة.
الآن، مع وجود الرادارات على جبل الشيخ، تستطيع دولة الاحتلال مراقبة سوريا ولبنان بكفاءة عالية، ما يوفر لها إنذاراً مبكراً ضد أي تهديد جوي. لا يقتصر دور الجبل على الرصد العسكري فحسب؛ بل يُستخدم كموقع متقدم لجمع المعلومات الاستخباراتية عبر أجهزة استشعار متطورة واعتراض الاتصالات. كما أنه يمثل غطاء مثالياً للقوات الخاصة الإسرائيلية لتنفيذ عمليات عسكرية وجاسوسية داخل سوريا ولبنان، مع إضعاف طرق التهريب الحيوية لحزب الله، لا سيما في وادي البقاع وجنوب لبنان.
احتلال المنطقة العازلة
كما توغل جيش الاحتلال الصهيوني في الأراضي السورية مسيطراً على المنطقة العازلة من الجولان، حيث يُعَدُّ احتلال الكيان الصهيوني للمنطقة العازلة في مرتفعات الجولان بعد سقوط نظام البعث في سوريا انتهاكاً لاتفاقية فصل القوات الموقعة بين “إسرائيل” وسوريا عام 1974، ويتعارض مع القانون الدولي.
وأعلن رئيس الحكومة الصهيونية الفاشية بنيامين “انهيار” اتفاقية فك الارتباط لعام 1974، التي أقيمت على أساسها هذه المنطقة. وقال نتنياهو، خلال زيارة له إلى مرتفعات الجولان السوري المحتل، الأحد الماضي، إنَّ “سقوط نظام الأسد في سوريا يوم تاريخي في تاريخ الشرق الأوسط. ونحن لن نسمح لأي قوة معادية بالاستقرار عند حدودنا”. وأطلق نتنياهو تصريحاته لدى توقفه عند موقع مطل على الحدود السورية، وبرفقته وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ورئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات اليهودية في الجولان، أوري كلنر.
وأضاف نتنياهو، وفق بيان رسمي عن مكتبه: “نظام الأسد هو حلقة مركزية في محور الشر الإيراني، وهذا النظام سقط. وهذه نتيجة مباشرة للضربات التي أنزلناها على إيران وحزب الله، الداعمين الأساسيين لنظام الأسد، وتسببت في تبعات بأنحاء الشرق الأوسط من جانب الذين يريدون التحرر من نظام القمع والاستبداد هذا”.
وقال نتنياهو إنَّه وجه الجيش بـ “السيطرة على المنطقة العازلة وعلى مواقع السيطرة القريبة منه. وفي موازاة ذلك، نعمل من أجل جيرة حسنة، كتلك الجيرة الحسنة التي نفذناها وننفذها هنا عندما أقمنا مستشفى ميدانياً للعناية بآلاف السوريين الذين أصيبوا في الحرب الأهلية. وقد وُلد مئات الأطفال السوريين هنا في إسرائيل”.
وتابع نتنياهو: “نمد يد السلام نفسها إلى جيراننا الدروز. إليهم أولاً، وهم أشقاء إخوتنا الدروز في دولة إسرائيل. ونمد يد سلام للأكراد والمسيحيين والمسلمين، الذين يريدون العيش بسلام مع إسرائيل. وسنتابع التطورات بسبع أعين. وسننفذ ما ينبغي من أجل الدفاع عن حدودنا وعن أمننا”.
في سوريا الجديدة، هناك إجماع من قبل مختلف مكونات الشعب السوري، على الإدانة الشديدة لهذا العدوان الصهيوني المتمادي على سوريا، والرفض الكامل لاحتلال الجولان والمنطقة العازلة، وتحميل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة المسؤولية كاملة عن تداعياته وآثاره. والشعب السوري متمسك بوحدة أراضيه التاريخية، ولن يفرّط في أي شبر منها مهما بقي الاحتلال الصهيوني محتلاً للأراضي العربية السورية والفلسطينية.

العوامل التي عبدت الطريق لمشروع الشرق الأوسط الجديد
ترى القيادات الصهيونية السياسية والعسكرية إضافة إلى النخب ومراكز الأبحاث الاستراتيجية المرتبطة بجيش الاحتلال، أن تحطيم بنية الجيش السوري يدخل في سياق بناء مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تعزز بثلاثة عوامل تاريخية أساسية:
الأول: هزيمة المشروع القومي العربي أمام المشروع الإمبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني هزيمة تاريخية عادلة بسبب عدم ديمقراطيته، وعدم بلورته برنامجاً واضحاً لتحرير الأراضي العربية المحتلة، من الجولان إلى فلسطين، فضلاً عن سيادة نهج التسوية والتعاطي مع القرارات الدولية، خصوصاً قراري 242و338، كحقائق مطلقة.
الثاني: وبعد أن أصبح الكيان الصهيوني أمراً واقعاً متجسداً في دولة “إسرائيل”، ركيزة للإمبريالية الأمريكية بل قوة محلية أو إمبريالية فرعية، هو أن المشرق العربي (أو ما اصطلح على تسميته في المدارس الغربية باسم الشرق الأوسط) يمثل نظاماً سياسياً يحتوي على قسمات مشتركة لأنظمة الحكم المختلفة فيه ومخترقاً اختراقاً كاملاً من جانب القوى الإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية، وتابعاً لدول المراكز الرأسمالية الغربية في شكل الأعراض المرضية للمسألة الشرقية، كما شخصها لنا كارليون بروان على النحو التالي: حيث يتميز النظام السياسي المخترق بأربع خصائص:
الأولى، وتتميز أن القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية لا تقوم بإلحاقه بنظامها السياسي بالكامل ولكنها لا تتركه يفلت من قبضتها الخانقة أبداً، كما هو الحال لنظام البعث المنهار في سوريا.
الثانية، وفيها يعيش النظام السياسي المخترق في مجابهة مستمرة متصلة (وربما يومية) مع القوة أو القوى الإمبريالية المهيمنة.
الثالثة، وفيها تختلط القضايا المحلية والقومية بعضها ببعض وبحيث لا يفهم النظام السياسي للمجتمع المخترق (حتى على المستوى المحلي) دون الرجوع إلى القوة أو القوى الإمبريالية الخارجية المهيمنة.
الرابعة، وفيها يكون النظام السياسي المخترق عبارة عن لعبة سياسية تلعبها القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية في تحالفات متبدلة متغيرة.. نموذج نظام الأسد منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا2011 ولغاية سقوطه مؤخراً.
الثالث: وبعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، ورفض الأسد إجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية في بنية النظام القائمة على حكم طائفي خدمة لبقاء سلالة الأسد العائلية في الحكم، حيث يشكل العلويون طائفة دينية باطنية استوطنت في سوريا، لكن أصولها ترجع إلى العراق منذ أكثر من ألف عام، حيث ينحدر العلويون من أتباع محمد بن نصير الذي انشقّ عن المذهب الشيعي الإسلامي في القرن التاسع للميلاد. ونظراً إلى الدلالات السلبية التي جلبها تعبير “نصيري” لهذه الطائفة، تمّ استبداله في العصر الحديث بتعبير “علوي”، نسبة لأتباع علي، ابن عم الرسول محمد وخليفته الشرعي لدى المسلمين الشيعة. وتبلغ نسبة العلويين حوالي 12% من مجموع سكان سوريا. وهم يشكّلون أغلبيةً في محافظتي اللاذقية وطرطوس اللتين تحدان تركيا ولبنان تباعاً، أي المنطقة الساحلية الغربية من سوريا. مع أن أغلبية أبناء الطائفة قد لحق بهم أذىً شديد، وهم متضرّرون من حكم آل الآسد، وفق عدد من وجهائهم.
وعلاوة على ذلك، نخر الفساد الاقتصادي والمالي والإداري كل أجهزة الدولة ومؤسساتها، لا سيما أجهزة المخابرات والقيادات الإقطاعية في الجيش، والإدارة، والقضاء، فأصبح النظام السوري شبحاً متدنياً للنموذج العلماني الذي أراد حزب البعث تطبيقه في منطقة الشرق الأوسط، واختزل المشروع القومي العربي الذي نادى به البعث في ظل حكم حافظ الأسد ومن بعده ابنه، الذي هو نقيض لنموذج الحكم المستنير والتحديثي الذي زعم أنه بصدد تطبيقه في بداية عقد السبعينات.
لقد وجدت الدول العربية الشرق أوسطية (العراقية والسورية) نفسها مرمى لتنازع مزدوج يمارس من جهة حكم الأقلية بغطاء إيديولوجي حركة القومية العربية، ومن جهة أخرى باسم الثورة الإسلامية، وبالتالي ثمة نموذجان يفضحان “الطابع الاصطناعي” واللاشرعية في الدولة، يمزقانها بين بناء الدولة القومية ذات الطابع العلماني والاتحاد في كيان وحدوي عربي أوسع، وبين خطر بناء الدولة الإسلامية على الطريقة الإيرانية.
نهاية النموذج القومي بعد سقوط نظام البعث في كل من بغداد، ودمشق، ومأزق كبير للنموذج الإسلامي في طهران: فماذا بقي في المنطقة سوى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يحتل فيه الكيان الصهيوني مركز الريادة من أجل بناء دولة “إسرائيل الكبرى”، والسيطرة الأمريكية على العالم العربي بعد الاستحواذ على نفط الشرق الأوسط، وعلى الأسواق العربية، وعلى الأموال العربية المودعة في الغرب.
بالتأكيد، إنَّ هذه العوامل مجتمعة محمّلة بنزاعات هدامة يمكنها أن تكون عامل فقدان الاستقرار للأنظمة السلطوية، وتجعل الدول العربية معرضة ومهددة في وجودها وبقائها(خصوصاً مصر والجزائر والأردن)، بعد أن جعلت الأنظمة السياسية العربية، من الفساد والاستبداد بديلاً عن الحرِّية، بحجة الفوضى الناجمة عن الحرِّية.
ففي سوريا تجتمع السلطوية مع أشكال من التعددية السياسية، وتجتمع اقتصادات الإقطاع مع رأسمالية السوق واشتراكية الرعايا، وتجتمع أفكار الحداثة مع مقولات الرجعية، كما أسهم تعنت الأسد في اعتقاده بأنه انتصر في الحرب الأهلية، في رفضه الانفتاح على المعارضة وفق القرار 2454 من أجل حل الأزمة السياسية في سوريا، وأسهمتْ العقوبات الدولية وخصوصاً قانون قيصر الأمريكي في خنق النظام اقتصادياً، إضافة إلى سيطرة الأكراد والأمريكان على المنطقة الشرقية التي يتواجد فيها النفط والغاز، كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى حالة من الإفقار المطلق للشعب السوري، وكذلك الجيش السوري الذي خرج منهكاً من الحرب الأهلية، ورفض بشار الأسد إعادة بنائه وتدريبه خوفاً منه. ولا يمكن تفسير الانهيار النفسي والمعنوي للجيش السوري، وتهتك هذه المؤسسة العريقة للدولة الوطنية السورية تاريخياً، وترهلها، إلا بسبب سياسات التمييز والفساد. فكيف يمكن لجندي سوري راتبه 7 دولارات، وجنرال سوري راتبه 40 دولاراً، أن يجعل من هذا الجيش جيشاً مقاتلاً للدفاع عن الوطن السوري ومواجهة جيش الاحتلال الصهيوني؟.
خاتمة.. سوريا الجديدة والتحديات التي تواجهها
هناك مقولة عربية سائدة في الفكر السياسي الحديث، أن مسألة تهديم نظام سياسي أسهل بكثير من عملية بنائه، إنَّها الحالة عينها التي يعيشها الشعب السوري، الذي أزال عن كاهله كابوس نظام سياسي حكم البلد لمدة 61 عاماً، وهو يشعر بالفرحة لزوال هذا النظام. لكنَّ سوريا التي دخلت مرحلة جديدة، بعد سنوات من الحرب التي مزّقت النسيج المجتمعي، وأجّجت الانقسام الطائفي والمذهبي، تستدعي من السلطة الجديدة في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة والخطيرة كثيراً من العقلانية والتعقل والحكمة، من أجل تشكيل نظام سياسي بديل، فالنظام السياسي هو شأن سوري خالص يختاره الشعب السوري صاحب السيادة، فهو وحده الذي له الحقّ في تقرير مصيره بنفسه بمنأى عن أي شكل من أشكال التدخل الخارجي.
