فضاءات فكرية

بعد عامٍ على السّقوط و”التحرير”: إلى أينَ تتجهُ سوريا الآن؟! وهل نشهد تحقق الاستقرار المنشود، وبناء دولة القانون ومبادئ المواطنة الحقيقية؟!..

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

نعم، لقد كان الأسدُ -الذي فرَّ إلى روسيا تاركاً خلفه إرثاً ثقيلاً من الكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية- عبئاً ثقيلاً على إيران التي دعمته ووقفت معه.. وقبل ذلك كلّه، كان عبئاً على سوريا ذات التاريخ الحضاري العريق والتنوع الإنساني الثري، والموارد الاقتصادية الهائلة..

لكن الأسدَ آثر أن يظلَّ حبيسَ نزعة الحكم المُطلق والهوس بالسيطرة، معتصماً بسياسات أمنية قمعية وشعارات أيديولوجية بالية، وغارقاً في إنكار الواقع مُتّكئاً على غطرسة رافضة لكلّ تحوّلٍ أو تغيير.

ينتمي الأسد إلى المدرسة الأيديولوجية البعثية القومية التي ورثها عن والده، وهي واحدة من عدة تيارات وتنظيمات قومية متنافسة، تحاربت فيما بينها كما اصطدمت بعنف مع التيارات الدينية الأخرى، مُتسترةً خلف شعارات خلاصية عقائدية علمانية كبرى.

وصلت هذه الجماعة إلى سُدة الحكم عبر انقلاب عسكري، فسيطر ضباطها على مقاليد الدولة ومقدراتها وثروات مجتمعها، واحتكروا الثروات وموارد البلاد لعقود طويلة، جاعلين من ترسيخ السلطة ونهب الثروة شغلهم الشاغل. وقد أخفقوا تماماً في تحقيق أي من الشعارات الكبرى والوعود الضخمة التي رفعوها، وأخضعوا الشعب من أجلها، خاصة في مجال التنمية والبناء المجتمعي، وإقامة دولة القانون والمؤسسات، مفضّلين بدلاً عنها تشييد هياكل حديدية لدولة الأمن وهيمنة الفرد الواحد والحزب الواحد.

كما عملت تلك السلطة الفردية على تعميق الانقسامات الاجتماعية والتاريخية والهوياتية، مما زاد من دمار النسيج الوطني المفترض أن تكون الدولة جامعة ومظلة وطنية له. وكانت تستخدم بانتظام “قميص عثمان” الجاهز لتبرير إخفاقاتها، فتارة تتهم الاستعمار والصهيونية، وتارة أخرى تلوح بتهديد “الإرهاب” و”الأصولية”، متنصّلةً دائماً من تحمّل مسؤولية الخلل البنيوي المستمر: وهو إفراغ الدولة الوطنية من مضمونها، والعجز الفاضح عن تحقيق أي تنمية حقيقية، سواء على مستوى الهوية المشتركة أو المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للشعب.

وربما كانَ الشيء الأخطر في موضوعنا الحالي ليس فقط هيمنة فكر وسلوك الفساد والاستبداد، بل في المناخ العام والبنى التحتية –الفكرية والنفسية والسياسية والتاريخية– التي مهّدت لهما، وأنتجت في النهاية نظاماً طغيانياً متضخماً، نشأ ونما على حساب إضعاف مؤسسات الدولة وتقزيم إداراتها، حتى اختُزلت الدولة كلها في شخص ونخبة وهيكل تسلطي أمني-عسكري-حزبي.. إذ لو لم تكن البيئة السائدة لعقود هي بيئة اللا قانون، ولو لم تنتشر ثقافة المحسوبية والولاء الأعمى، ولو لم تتم تربية الناس على التقديس الأعمى والخضوع للاستثناءات بدلاً من قيم الدولة القانونية العادلة، لما وصلنا إلى هذا الدرك من الانقسام والاهتراء المجتمعي، ولما انتشرت بيننا أمراض التقاعس واللامبالاة واليأس والعزلة، ولما فُتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية المكلفة والخطيرة.

 

لقد فشل النظام السابق فشلاً ذريعاً في بناء دولة وطنية عصرية حتى بحدودها الدنيا.. فمفهوم الدولة العصرية –دولة الخدمات والقانون والمؤسسات، وليس دولة الأيديولوجيا المتخشبة- يحتاج للكثير الكثير من العمل والجهد والانشغال ببناء الذات الوطنية، حتى يتم تمثله واقعاً عملياً حياً في ظل بنى مجتمعية غائرة في انتماءاتها الأولى، وتتطلب التأهيل العقلي والعلمي والثقافي العصري الحقيقي..

ونحن اليوم، بعد نحو ستة عقود من هيمنة الاستبداد والقمع، وتعمد إهانة الكرامة الإنسانية، والعبث بمصائر الناس، وانتهاك أبسط حقوق المواطن السوري، وإهمال بناء دولة القانون والمؤسسات، فضلاً عن التدخلات المجانية في شؤون الجوار التي كلّفتنا حروبًا وموارد هائلة دون طائل، نجد أنفسنا أمام مرحلة بالغة التعقيد. فليس من السهل –بل ربما يكون مستحيلاً في سنوات قليلة– تحقيق ديمقراطية متكاملة ومزدهرة بين عشية وضحاها، خاصة بعد أن أضحى الملف السوري بكل تعقيداته على طاولات البحث الإقليمي والدولي، وتدخلات القوى الفاعلة في المحيط والعالم الباحثة بنهم على مصالحها السياسية والجيوسياسية والاقتصادية.. ويضاف إليه صعوبة وتعقيداً أكبر طبعاً، وجود سوريا إلى جانب الكيان الصهيوني..!!.

كذلك هناك صعوبة كبرى تنبع من ثقل الإرث الطويل من القمع، ومن جذور البنى التقليدية الراسخة، الأمر الذي يتطلب جهوداً مضنية وعملاً تراكمياً جاداً.. وأولوية المرحلة الراهنة هي تحقيق الأمن والاستقرار، ونشر مناخ من الطمأنينة، ومنع أي توجهات انتقامية أو ثأرية، والعمل بتشاركية وطنية مع الجميع في الداخل.. كما أن استعادة الهوية الوطنية السورية الجامعة، وإعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية بعيداً عن هيمنة الأجهزة الأمنية القمعية، وتجنب الصدامات الداخلية والخارجية، تشكل جميعاً الخطوات الأساسية نحو إعادة بناء هياكل الدولة السورية من جديد.

ويجب على أبناء الوطن، من مختلف مواقعهم وانتماءاتهم وتكويناتهم، أن يتحلوا بشجاعة المشاركة الفاعلة، لا أن يقفوا متفرجين أو ينسحبوا إلى العزلة متخندقين وراء شعارات جوفاء تبتعد عن جوهر الوطنية الحقيقية. فالمرحلة تتطلب عملاً دؤوباً وتشاركاً جماعياً في بناء الوطن الشامل، فالدولة الوطنية المنشودة تُبنى بجهود وعقول الجميع، ولا تقوم إلا على أساس من القيم والحقوق، وعلى رأسها قيمة الحرية..

لكن الحرية ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي فعل وسلوك ينبع من الداخل أولاً، قبل أن تكون تحرراً من النير الخارجي كالاستعمار والتدخل الأجنبي. فهي ليست فقط رفضاً لنظم الاستبداد والفساد التي سحقت الكرامة ونهبت الثروات، بل هي أيضاً تحرر ذاتي من هيمنة الآخرين ووصايتهم الفكرية، تحرر من استعبادنا للتاريخ الماضي الممتلئ بنيران الفتن.. فما الجدوى من التحرر من أنظمة القمع إذا بقينا أسرى لمنظومات التفكير الاستبدادية ذاتها، سواء أكانت دينية أم علمانية أم مدنية؟!..

فالحرية الحقيقية هي تحرر شامل في الفكر والروح، ورفض الاستبداد السياسي يجب أن يسبقه رفض للاستبداد الفكري والتاريخي، والتخلص من التمذهب العقائدي الطائفي الجامد، وخلع رداء التبعية الفكرية الذي يثقل كاهلنا. فهذا المارد الداخلي هو الذي دفعنا ثمنه غالياً من أرواحنا ومواردنا ومستقبلنا.

ولذلك، فإن إزالة رموز الديكتاتورية وهياكلها لا يكفي؛ بل الأهم هو اجتثاث ثقافة الاستبداد ذاتها من أعماقنا في أنسجتنا التاريخية وثقافتنا التقليدية المهيمنة، لتُفسح المجال أمام ولادة ثقافة وطنية سياسية عصرية، تقوم على واقع جديد متين يمنع عودة أي استبداد بأي شكل كان. وهذه مهمة تربوية وثقافية وعلمية شاقة، تحتاج إلى أجيال من الجهد الفكري والاجتماعي المتواصل، وما أكثر التحديات والألم على هذا الدرب الطويل.

نعم، المرحلة القادمة أصعب بكثير، فسوريا ليست مجرد دولة، بل هي جغرافية بالغة التعقيد والتداخل، وميدان لحضارة عريقة وموقع جيوسياسي فائق الأهمية (والخطورة)، والتعامل معه معقد ويشبه التعامل مع حقول ألغام..!!.. كما أن سوريا ثروةٌ ضخمة من القدرات والموارد والطاقات الطبيعية والبشرية، وتنوعٌ ديني وتاريخي وإثني وعرقي حيوي لكنه محفوف بالمخاطر.. وإسقاط النظام السابق، رغم صعوبته، يبقى أهون من التحدي الأكبر المتمحور حول: إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وضمان انتقال سلمي للسلطة، وإرساء نظام ديمقراطي، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، وتحقيق الطموحات السياسية والاقتصادية والحضارية..

ونحن نرى أن الطريق الوحيد لخدمة الشعب وتأمين حاجاته، وضمان حقوقه الأساسية، وحفزه على المشاركة الطوعية في صنع القرار والمصير، يمر حتماً عبر: الانفتاح السياسي والاقتصادي، والاعتراف القانوني بالتعددية، ومنع احتكار السلطة… أي إقامة نظام مدني ديمقراطي تعددي؛ ومنع إقامة سلطات أمر واقع محلية تحت أي شعار او غطاء..!!. حيث أن أي مسار آخر لن يكون سوى تكرار لمآسي الماضي وتعقيداته ودهاليزه وتكاليفه الباهظة..

صحيح أن السلطة –أية سلطة– مغنم كبير، ولكنها في الوقت نفسه مفسدة كبرى، إذا لم تُضبط بقيود الدستور والقانون، وإذا لم تحمها رقابة شعبية حقيقية مستدامة.

والمقياس الحقيقي لأي نظام سيكون دائماً هو: خدمة الناس، وتمكينهم، وتحسين حياتهم بشكل ملموس وعملي.. فهذا هو المحك والفيصل.

وتشهد غالبية دول في المنطقة –رغم الاختلافات وتعقّد الملفات والتنافس فيما بينها، وتدخل الآخرين- اعتماد سياسات تقوم على المشاركة والتنمية الاقتصادية والانفتاح، سعياً نحو مستقبل مزدهر تتطلع إليه شعوبها، وشعبنا السوري ليس بدعاً من الشعوب، هو أيضاً يتطلع للتنمية والازدهار خاصة بعد أن حُرِم لعقود من الاستثمار العادل في طاقاته وموارده، وهو يستحق العيش بأمان واستقرار ونهضة حقيقية.

ولكن هذا المسار يتطلب بناء علاقات طيبة وإيجابية مع جميع الدول العربية والإقليمية الصديقة، وكل من يمد يده للصداقة الحقيقية والمصالح المتبادلة، وخصوصاً الدول التي أحرزت تقدماً لافتاً في التنمية والازدهار الاقتصادي والاجتماعي.. نعم، يجب إقامة علاقات تعاونية مع كل من يريد الخير لسوريا، بما يعود بالنفع على جميع مكونات البلد، الذي يستحق أبناؤه العيش بحرية واستقرار والتمتع بثرواته وخيراته.

كما يتطلب ذلك -على المستوى الإقليمي- تشكيل نظام جديد يُخفِّف التوتر، ويُنهي الاستقطاب الذي ساهم فيه النظام السابق، وكان سبباً في سقوطه الذي يجب أن يكون درساً للنظام الجديد في عدم ارتهانه لأحد، وانفتاحه على الجميع، ومنع الاستقطابات كلها، خاصة الطائفية منها.!!. ويمكن لسياسة المصالحة أن تكون ضمانة أمان للنظام السوري الجديد، الذي نرى ضرورة أن يُمد يد التواصل والاحترام للجميع.

وباستثناء إسرائيل -التي تستغل مرحلة التحول السوري لمواصلة غاراتها، وإثارة الفتن والقلاقل الداخلية، واحتلال أراضٍ سورية، وتهديد النظام الجديد- فإنّ المشهد العالمي يحمل دلائل ومؤشرات طيبة وإيجابية، لكنها تبقى مؤشرات إعلامية وسياسية غير كافية، ولا تتناسب مع حجم المسؤولية المفترضة على عاتق العديد من دول العالم تجاه سوريا وشعبها.

وبطبيعة الحال يجب عدم التقليل من العدوان والاستباحة الصهيونية المتواصلة للمشهد السوري، وهي استباحة مزعزعة للاستقرار، بما يتطلب إعادة الحصانة إلى المجتمع السوري، كي ننجو ويتم التغلب على تبعات العدوان الإسرائيلي المتكرر، وهنا يجب أن نبحث عن الإجابة في موقعين رئيسيين: أولاً، في السلطة القائمة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عما يحدث على أرضها، إذ أن أي حكم مسؤول عن أرضه وشعبه، وثانياً، في الشعب نفسه. فخلاصنا لا يكمن فقط في امتلاك ترسانة عسكرية متطورة حديثة، أو منظومات دفاع جوي قوية؛ إذ أنَّ جوهرَ القوة الحقيقية ينبعُ من بناء مرونة داخلية تجعل استخدامَ العدو لسلاحه ضدنا أمراً صعباً وغير مُجدٍ وغير نافع.

لهذا: من أجل توليد وإشادة هذه المرونة، علينا الشروع في التحول من نموذج “السلطة” القاهرة، إلى نموذج “الدولة الوطنية” التشاركية التي تقوم على إلغاء حكم الفرد، وتبني الديمقراطية والتعددية، وتتجاوز التقسيمات الطائفية والعصبيات العتيقة بكافة أنماطها وأشكالها.. كما أنها تعيد تأسيس مفهوم الدولة القائمة على مؤسسات موحدة بالكامل، جيش واحد، وقانون واحد، وقرار سيادي واحد.

ولا تكتمل صورة هذه الدولة إلا بكونها دولة قانون عادلة، تُعلي من قيمة المواطنة المتساوية فوق الانتماءات الضيقة ما قبل وطنية، وتقدس المؤسسة الدائمة على حساب فكرة “الزعيم المنقذ” العابرة.. كما أن تحصين المجتمع يتطلب خلق نسيج اجتماعي متماسك بشكل عميق وبنيوي، يشعر فيه جميع أبنائه بأنهم مستهدفون من قبل عدو خارجي واحد، مما يدفعهم للتصدي له معاً. وهذا بعيد كل البعد عن الواقع السوري الحالي، حيث يستنزف الخوف والصراع الداخلي بين مكونات المجتمع طاقتها، ويحول الانتباه عن العدوان الخارجي.

ولا شك بأن تحقيق هذا التماسك الاجتماعي يستلزم، مجدداً، قيام السلطة ببناء دولة المواطنة الحقيقية، وإرساء قواعد المساواة والعدالة، وإنهاء كافة أشكال التمييز. ويجب أن يرافق ذلك اجتثاث آفات الفساد والمحسوبية والاحتكار، ووضع حدّ لسيطرة العائلات والولاءات الشخصية على مقدرات البلاد، والاستعاضة عن اقتصاد الريع والسلاح باقتصاد منتج، وجذب الكفاءات بدلاً من توزيع المناصب على الأتباع.

فالمواطن الذي يُحرم من حقوقه الأساسية، ويُستبعد من المشاركة في الحياة العامة والوظائف والعسكرية، غير قادر على المواجهة، ولن يكون سوى نقطة ضعف في جسد الوطن، سهلة الاختراق. وأخيراً، فإن البلد الذي لا يملك قراره بنفسه، ويستمد توجهاته من الخارج، لا يمكنه أن يدّعي الاستقلال أو أن يبني مجتمعاً قوياً قادراً على مواجهة التحديات.

وعندما يقتنع العدو بأنّ سوريا أصبحت كتلة واحدة متماسكة، تمتلك إرادة شعبية موحدة، ولا تخضع لأجندات خارجية أو أيديولوجيات متصارعة، عندها فقط سيفقد عدوانه معناه، لأن هدفه الأساسي -وهو تفكيك وتمزيق هذا المجتمع- لن يعود قابلاً للتحقق.

فهل ستستطيع القيادة الجديدة وجميع أطياف المجتمع السوري، تهيئة المناخ اللازم لإعادة بناء الفرد-المواطن القوي والقادر؟ وهل بمقدورها إعادة إعمار الوطن على أسس من العدل والقانون والتشاركية الحقيقية لا الشكلية، ليس مجرد إعادة بناء إعمارٍ جغرافي ومادي فحسب، بل بناء سياسي واجتماعي واقتصادي حديث ومتحضر، يجمعُ شتات الناس، ويُنهي معاناتهم، ويعيد لهم كرامتهم، ويحول الحلم إلى واقع ملموس..!!..

..سنبقى نتابع ونتطلع، وندعو الجميع إلى المشاركة الفاعلة في تشكيل هوية وطنية سورية جامعة، بعيداً عن العزلة والانكفاء، والتحرر من الأفكار العقيمة والمعيقة، ورفض التبعية لأي فرد أو جهة أو تيار..

فسوريا وطنٌ للجميع، وهي مسؤولية كل سوري..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *