هامش ثقافي

بلا فلسفة!!.. “الاستهزاءَ بدورِ الفلسفة”!

بقلم غسان عبد الله

ولطالما قال أحدُنا للآخر: دعونا نكونُ واقعيينَ، ملمِّحين أو مصرّحين بضرورةِ العودةِ إلى الواقعِ والابتعادِ عن “الفلسفة” التي يُنظرُ إليها أحياناً كثيراً على أنها ترفٌ وجدلٌ عقيمٌ لا يقودً إلى نتائج.

أشعر بالحزِن كلّما سمعتُ العباراتِ التي تسيءُ للفلسفةِ وتسخرُ منها باعتبارِها عبثاً فكرياً لا مبرِّر له. بل أشعرُ بالإحباطِ تُجاه ما آلت إليه الفلسفةُ في عالمِنا المعاصرِ حيث تراجعت إلى مكانٍ خلفيٍّ لا يأوي إليهِ إلا قلّةٌ من الذين أُصيبوا بالهوسِ الفكري، وربما اتّهمهم البعضُ بالجنون. وأستغربُ تَراجُعَ العديدِ من المدارسِ والجامعاتِ عن دراسةِ أو تدريسِ الفلسفةِ حتى ولو على شكلِ مقرّرٍ أو متطلّبِ جامعةٍ عامٍ أو اختياري. ولعلّ هذا يعكسُ مدى عدمِ قناعةِ أصحابِ القرارِ التربويِّ بضرورةِ الفلسفةِ كأداةٍ لتحقيقِ أهدفِ التربيةِ المتمثّلةِ عند كلّ الأممِ في عبارةِ خلقِ المواطنِ/الإنسان الصالح.

لا أريد أن أتفلسف على أحد، لكني أرى إننا نظلمُ الفلسفةَ والفلاسفةَ وبالتالي نظلمُ أنفسَنا حين نتسرّعُ بإصدارِ أحكامٍ عامةٍ وغيرِ مدروسةٍ معبّرينَ في ذلك عن جهلٍ بطبيعةِ الشيءِ الذي نحكمُ عليه.

إن محورَ الفلسفةِ هو الإنسان، فكرُهُ وتكوينُهُ، وعلاقاتُهُ بالأشياءِ من حولهِ مثلما أنّ هدفَ الفلسفةِ هو البحثُ عن كلِّ ما يقودُ هذا الإنسانَ إلى سعادته.

الفلسفةُ رديفُ المنطق، بل هي نتاجُ المنطقِ والتفكيرِ السليم، ولذلك لا يصحُّ اتّهامُ الفلسفةِ بأنها بعيدةٌ عن الواقعِ في حين نقول لمحدِّثنا كثيراً عبارات من مثل “دعنا نكن منطقيين”، فهل يمكنُ تحقيقُ ذلك بدونِ الفلسفة؟.

الفلسفةُ دليلُ احترامِ العقلِ البشريِّ، تلك الأداةُ التي منَحَنا إياها خالقُ هذا الكونِ من أجلِ فهمِ ما يجري من حولِنا وفي ذواتِنا، ومن أجلِ تلمُّسِ طريقِ النجاةِ من مشاكِلِنا الكثيرة.

في الفلسفة اعتمادٌ كاملٌ على العقلِ واعترافُ بقدرةِ الإنسان، الذي ميّزهُ الخالقُ عن سائرِ الحيوانات، على التّفكير ومن ثُم حلِّ المشكلاتِ بطرقٍ معقولة. وفي كلِّ الفلسفاتِ بأنواعِها المختلفةِ دعوةٌ واحدةٌ لإمعانِ النّظرِ بالكونِ وفي ذاتِ الإنسان من أجلِ التدبُّر والتأمُّل والتوصُّل إلى ما هو خيرُ البشر وسعادتهم.

لا يمكنُ للإنسان، الفردِ أو الجماعة، أن يعيشَ دون فلسفةٍ تخصُّهُ وتُرشِدُهُ إلى سواء السبيل. فلكلٍّ منا فلسفتُهُ الخاصةُ والشخصيةُ دون أن يكونَ واعياً بذلكَ بالضرورة. إن سلوكَنا اليوميَّ مرهونٌ بأساليبِ التّفكيرِ التي نتَّبِعها وبطبيعةِ المعتقداتِ التي نَسجْنَاها في عقولنا.

إن معاداةَ الفلسفةِ والتّفلسُفِ والفلاسفةِ ظاهرةٌ غيرُ صحيّةٍ إن وُجِدتْ لدى أشخاصٍ أو مجتمعاتٍ، وذلك لأن فيها إنكاراً لدوراً العقلِ والتفكير في الحياة. في الفلسفةِ بحثٌ عن الحكمة وفيها اعتناقٌ لمبدأِ البحثِ العقليِّ أو العلميِّ كمنهجٍ مُحايدٍ بعيدٍ عن العواطفِ المنحازةِ. الفلسفةُ إن شئنا أم أبَيْنا أمُّ العلومِ وأصلُ جميعِ الأفكار في جميعِ المواضيعِ أو التخصصات.

في العلم ِبحثٌ عن الحقيقةِ، وفي الفلسفةِ تطبيقٌ لأساليبِ البحثِ عن الحقيقة. لقد أكرمنا الله تعالى بنعمةِ العقلِ أداةً للتفكيرِ الصحيح، ولولا ذلك لكنا نَهيمُ على وجوهنا كالبهائم لا ندري شيئاً عن الوجود. وعليه لا بدّ لنا جميعاً من استخدامِ عقولِنا في حلِّ مشكلاتنا، وفي ذلك فلسفة. لا بد أن نتَفَلْسَفَ إذا أردْنا إدراكَ كُنْهِ الأمور، فنحن جميعاً بحاجةٍ إلى التّعرّفِ على الحقيقةِ، والحقيقةُ كما نعلمُ ليست ملكاً لأحد، بل هي موروثُ البشريةِ جمعاء، وما الفيلسوفُ إلا جنديٌّ يعملُ في خدمةِ الحقيقة.

إن التنكر للفلسفةِ في الحياةِ وفي مناهجِ المدارسِ والجامعاتِ هو إنكارٌ لدور مهاراتِ التفكير المنطقيِّ والاستدلالِ العقليِّ في حلِّ مشكلات الحياة. وإن الاستهزاءَ بدورِ الفلسفةِ حربٌ على الرغبةِ في المعرفةِ الحقّةِ وابتعادٌ عن الحوارِ كأسلوب للتواصلِ مع الآخرين وللتوصُّل إلى الاستنتاجاتِ السليمة.

حتى الذين ينكرونَ دورَ الفلسفةِ ويسخَرون من الفلاسفةِ هم فلاسفةٌ دون شعورٍ واعٍ منهم، فهم عندما يطالبونَ بالابتعادِ عن التّفلسُفِ والرّجوعِ إلى الواقعِ والبُعدِ عن التّنظيرِ إنما يعبّرون عن فلسفتهم الخاصةِ والتي قد تسمّى بالفلسفةِ الواقعيةِ أي اعتماد الواقع كأساسٍ للنقاشِ ولا غضاضةَ في ذلك، فلكلٍّ مذهبُهُ في هذه الحياة.

الفلاسفةُ هم حكماءُ الأمةِ وعقلاءُ المجتمعِ، وهم أولئكَ الذين يمتهنونَ التّفكيرَ والذين بدونهم لم نكن ننْعَمُ الآنَ بثمارِ التكنولوجيا والإبداعاتِ العديدة.

الفلاسفةُ أناسٌ يتساءلونَ عن كلِّ شيءٍ ويحاولونَ تفسيرَ أيّ شيءٍ وينجحونَ ويفشلونَ بدرجاتٍ متفاوتة. فالفيلسوفُ إنسانٌ غيرُ عاديٍّ، ينظرُ بمنظارِ العقلِ إلى الدنيا فيرى ما لا يراهُ البشرُ العاديون.

إننا عندما نطالب شخصاً ما بأن لا يتفلسف، إنما نعبّر عن شعورنا بالجهلِ أو الإحباطِ لأننا عاديّون لا نفقهُ ما يقولُهُ هؤلاءِ الفلاسفةُ الذين يميلون عادةً إلى استخدام اللغةِ بطرقٍ تجريديةٍ أقربَ ما تكون إلى لغةِ الرّياضياتِ والفيزياءِ بما فيها من الرّموز والعلاقاتِ التي يصعُبُ على الناسِ العاديين فهمُها.

في زماننا الحاضر نشاهدُ انحرافاتٍ صارخةً في السلوكِ البشريّ لدى الأفراد والجماعات، وفي انشغالنِا بالمالِ والأعمال، لم يعدِ العقلُ تلك البوصلةَ التي قادتِ البشريةَ إلى برِّ الأمان.

في زمنٍ بات يسمى بثورة الاتصالات، تتراجعُ وسائلُ التواصلِ بين الشعوبِ والقبائلِ، وفي زمنٍ تسودُ فيه شريعةُ الغاب بمنطقها الظالم (القوي يأكلُ الضعيف)، تتراجعُ الحكمةُ ويخفُتُ صوتُ العقل، ويتقهقرُ الفلاسفةُ حتى باتوا مثالاً للتندُّر والفكاهةِ الخاليةِ من الطّعمِ أو اللون، ولله في خلقِهِ شؤون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *