فضاءات فكرية

العقلُ (العلم) والدّينُ والفلسفة: نحو رؤيةٍ تكامليةٍ للمعرفةِ البشرية الهادفة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

فمثلاً، تقوم الفلسفة على ركائز عقلية ثابتة تُعد أساساً للفهم البشري، فهي تمنحنا مبادئ كلية تسبق التجربة الحسية وتُضفي عليها معنى ومصداقية حقيقية. ومن خلال هذه المبادئ، نسعى للإجابة على كثير من الأسئلة الوجودية الكبرى حول قضايا الخلق والمصير والغاية، والتي تظل جوهرَ تساؤلات الإنسان عبر العصور وفي كل مسيرته الوجودية.

ولا يمكن بطبيعة الحال الوصول إلى إجابات شاملة مقبولة عن تلك الأسئلة إلا من خلال تبنّي رؤية فلسفية شمولية متكاملة، تُمكّننا من تفسير مستويات الوجود المختلفة، بحيث تشكّل أساساً لتحقيق رؤية ذات معنى، ربما تمنح السعادة الفردية والجماعية..

ولا يمكن لتلك الرؤية أن تكتسب قيمتها الذاتية إلا عندما تتناغم مع المبادئ الدينية المقدسة، لأن هذه الأخيرة هي التي تعطيها وتمنحها عمقاً روحياً وأخلاقياً، وهذا ما أشارَ إليه المفكر الراحل مرتضى مطهري.

أما العلم، فيعتمد في منهجه على الحس والرؤية العيانية من خلال عنصري الملاحظة والتجربة، وما تختزنه من مقايسات ومعايرات واختبارات مادية مستندة لأرقام ونسب محددة، ويتميز بدقته في دراسة الجزئيات والظواهر المحددة والمحدودة، بما يمكنه ويجعله قادراً على منح الإنسان آلاف المعلومات التي تدور حول موضوع أو موجود جزئي واحد، من خلال ما يملكه من وسائل وأدوات علمية حسية دقيقة، ومختبرات مليئة بآلات ومخترعات حديثة قادر من خلالها على الوصول للدراسة والتحليل والاستنتاج المادي..

وبتعبير آخر: العلم هو المنهج المنظم لاستكشاف الظواهر الطبيعية من خلال عناصر الملاحظة والتجربة والاستدلال. حيث يكمن دوره الأساسي في تفسير الكون المادي، وتوفير أدوات لتحسين الحياة اليومية وتقليل الجهد والتعب والكلفة.. فعلى سبيل المثال، من خلال العلم، اكتشفَ الإنسان قوانين الفيزياء التي أدت إلى اختراع الطائرات والحواسيب، وتطور الطب الذي يعالج الأمراض ويطيل العمر، ويسعد الإنسان في حياته.. ولهذا نقول بأن العلم هنا يأتي ليكون في مصلحة الإنسان.. وأيضاً يلعب العلم دوراً حيوياً حاسماً في مواجهة التحديات العملية التي قد تربك حياة الإنسان، مثل تغير المناخ وانتشار الأوبئة. فهو يقدم حلولاً فعالة مبنية على الأدلة، مما يقلل من الاعتماد على الخرافات، ويفتح أبواب الابتكار والإبداع..

ولكن مع ذلك كله، يبقى العلم محدوداً في نطاقه؛ فهو يجيب على سؤال: “كيف” الأشياء تحدث، لكنه لا يتطرق إلى “لماذا” تحدث؟ وما الغاية من حدوثها؟ على صعيد الوجود أو القيم الأخلاقية والمعنى الوجودي.. وهنا يأتي دور الدين والفلسفة لاستكمال الصورة.

أي أن العلم يعجز عن الوصول إلى الإجابة الحقيقية عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمعنى الوجود وغايته، وذلك لطابعه التجريبي المؤقت والمرهون بشروط مادية خاصة ومناخات محددة. بل إن العلم نفسه يعتمد في صياغة قوانينه ومعادلاته على تلك المبادئ العقلية والفلسفية كمبدأي السببية وعدم التناقض، مما يؤكد ترابطه الوثيق مع الفلسفة، بل وحاجته الأكيدة لها لتثبيت استنتاجاته وخلاصاته، وتحويلها لقانون علمي رصين ومعياري.

وهذا كله يعني أن هذه القضايا والبديهيات والمبادئ العقلية إحدى أهم الركائز والأسس التي قام (ويقوم) عليها البناء الفلسفي (والذي يدعم ويرسّخ من خلالها نتائج العلوم المادية)، فيما تمثله تلك الأفكار من مبادئ مطلقة قبلية ثابتة، لا تخضعُ للتجربة والحّس، كونها هي التي تعطي الواقع التجريبي بعداً تصديقياً حقيقياً من حيث اشتمالها على حركة الكليات وثبوتها في مستوى الزمان، بحيث يصبح من المحتم عدم تغيّرها تبعاً لحركة العلم وتطوره.. ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين العلم والدين في واقعنا، خصوصاً في ظل التطور التقني المتسارع والانفتاح على منجزات العصر.. فكيف يمكن التوفيق بين الثوابت الفلسفية والدينية وبين التطورات والتغيرات المتسارعة في العلوم الحديثة؟! وكيف نستفيد من هذا التكامل في تحقيق نهضة مجتمعية تحترم القيم وتواكب التقدم؟! خاصة في ظل انغماس البشر في ماديات الحياة، واعتقاد البعض أن الفلسفة والدين لا شغل لهما في الحياة، لأن العلم هزمهما وتمكن من إظهار قوته الحاسمة القائمة على التجربة الحسية التي تقدم نتائج تتم مشاهدتها والعيش معها والانتفاع بنتائجها..!!.

في الحقيقة، الدين كما نعلم عنه، ونمارسه في سلوكنا وعلاقاتنا، هو نظام عقائدي وروحي يرتبط بالإلهي والغيبي والماورائي، ويوفر إجابات ذات معنى على الأسئلة الكبرى مثل أصل الكون، معنى الحياة، والحياة بعد الموت. ودور الدين هنا يأتي لمصلحة الإنسان، حيث يتمثل في بناء القيم الأخلاقية والاجتماعية.. فعلى سبيل المثال، في الإسلام، يدعو القرآن إلى طلب العلم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾] العلق: 1[، مما يشجّع على النظر في آفاق الوجود والحياة، والتحريض على الاستكشاف العلمي، بينما يؤكد على العدالة والرحمة كأساس للمجتمع. وفي الديانة المسيحية، تأتي تعاليم المحبة والغفران لكي تسهم في بناء مجتمعات مترابطة متضامنة..

نعم، الدين يمنح الإنسان شعوراً بالغرض والأمل والمعنى الحقيقي، خاصة في أوقات الأزمات، حيث يربطه بآفاق وجودية كبرى، فيقلل من القلق الوجودي، ويشجع على السلوكيات الإيجابية والانفتاح الحياتي.. ومع أن بعض التفسيرات الدينية قد تبدو متعارضة مع الاكتشافات العلمية، إلا أن التناقض غالباً ما يكون ظاهرياً سطحياً؛ فالدين يتعامل مع المعاني الروحية، بينما العلم مع الظواهر المادية.. وعلى سبيل المثال، نظرية الانفجار العظيم لا تنفي وجود خالق، بل قد تكون تفسيراً لكيفية الخلق.

أما الفلسفة، التي تعني حرفياً “حب الحكمة”، فهي العنصر الرابط بين العلم والدين. أي هي تمارس دور الوسيط إذا صح التعبير، على مستوى التفكير النقدي والاستقصاء العقلي للأفكار والمفاهيم والمعاني المنشودة. خاصة وأنها تطرح أسئلة أساسية حول طبيعة المعرفة نفسها: كيف نعرف ما نعرفه؟ وما حدود المعرفة الإنسانية؟ وما طبيعة الحقيقة؟! وما مصدرها؟!.. وهنا توفر الفلسفة الأدوات المنطقية والمفاهيمية للتفكير النقدي، وتساعد في بناء جسور التفاهم بين العلم والدين.. إنها تذكرنا أن كل منهج له مجاله وحدوده، وأن الحكمة تكمن في معرفة هذه الحدود.. كما تساعد الفلسفة في توضيح أسئلة العلم والدين، وفحص افتراضاتهما.. إنها تطرح أسئلة مثل: ما حدود المنهج العلمي؟ كيف نفسر النتائج العلمية أخلاقياً؟ كيف نتعامل مع التناقض الظاهري بين النظريات العلمية والتفسيرات الدينية؟!.. والفلاسفة الكبار منذ زمن الإغريق مثل أرسطو وابن سينا مروراً بفلاسفة الإسلام، استخدموا الفلسفة لربط العلم بالأخلاق والمعنى الوجودي، وسألوا عن طبيعة الوجود والمعرفة.. ومن أجل مصلحة الإنسان في تمكين وجوده الغائي، تساعد الفلسفة في اتخاذ قرارات مدروسة، حيث تمنحه أدوات للتحليل، مما يمنع الوقوع في التعصب أو الإفراط في الحسية ومواقعها..

والفلسفة لا تتناقض مع العلم أو الدين؛ بل تعززهما. فعلى سبيل المثال، الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى دمجت بين الشريعة والعقل، كما في أعمال الغزالي الذي حذر من الإفراط في الفلسفة لكنه أقر بأهميتها.

وأيضاً الفلسفة تعصم العلم من الانحراف المادي أو العبثية أو اللا معنى.. والعلم يمنح الفلسفة مادةً خصبة للتأمل والاستنباط.. وقد أدرك علماؤنا القدامى مثل ابن سينا والبيروني والخواجة الطوسي هذه العلاقة التكاملية، فجمعوا بين العلوم التجريبية والفلسفة والدين، وأسهموا في بناء حضارة إسلامية متوازنة.

إن الانطلاق نحو معرفة حقيقية متكاملة، تتطلب تبنّي رؤية تعيد الربط بين العقل والوحي، بين العلم والقيمة، وبين الإنسان وربه.. ومن خلال التوازن بين هذه الأبعاد، نستطيع تحقيق حرية حقيقية ومسؤولية أخلاقية، لنبني حضارةً تحترم الإنسان، وتسعى نحو كماله المادي والروحي..

إن العلم يوضح لنا تعقيد الكون وروعته، مما قد يعمق إحساسنا بالرهبة والجمال الذي يتحدث عنه الدين.. والدين يذكرنا بأن المعرفة التقنية تحتاج إلى حكمة أخلاقية لتوجيهها.. والفلسفة تذكّرنا بتواضع المعرفة الإنسانية وضرورة التساؤل والشك المستمر.

وهذا يوضح لنا أن العلم والدين والفلسفة ليست مصطلحات ومعاني ومواقع متنافرة متخاصمة، بل هي عناصر متحالفة متكاملة في رحلة الإنسان نحو الفهم والتقدم ومحاولاته للعيش السعيد الرغيد.. فدور العلم يكمن في الاستكشاف المادي، والدين في التوجيه الروحي، والفلسفة في الربط العقلي، وهذا ما يجعلها متكاملة لمصلحة الإنسانية.

وفي عالم مليء بالتحديات، يجب علينا تشجيع الحوار بينها لتحقيق توازن وانسجامية تعزّزُ السعادة النفسية والعدالة العملية.. واعتناق مثل هذا الفهم والوعي بهذا التكامل هو الذي يمكن أن يؤدي إلى انبثاق عصر جديد من الازدهار، حيث يعيش الإنسان في انسجام تكاملي هادف مع نفسه والكون الذي يقبع فيه (هذا الإنسان) كذرة متناهية في الصغر.. لكنها ذرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن لأي منهج بمفرده أن يستوعب ويفسر كل أبعادها الوجودية..

وفقط من خلال التكامل الواعي بين العلم والدين والفلسفة يمكننا أن نطور فهماً أكثر عمقاً ووعياً واكتمالاً لأنفسنا وعالمنا، ونسير نحو حياة أكثر نضجاً ومعنى وإنسانيةً..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *