تل أبيب تعترف بأرض الصومال دولة مستقلة تمدد استراتيجي لدولة الاحتلال على حساب الأمن العربي والافريقي
بقلم ابتسام الشامي
سلط الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولة مستقلة الضوء على هذا الإقليم الانفصالي المطل على البحر الأحمر، وكشف النقاب عن مخطط التقسيم الخطير الذي يستهدف دولا خدمة للمصالح الاستراتيجية لدولة الاحتلال.
الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال
سجل كيان العدو الإسرائيلي أول اعتراف بأرض الصومال دولة مستقلة منذ اعلان انفصال الإقليم عن الدولة الأم عام 1991، في خطوة انطوت على الكثير من الأبعاد الخطيرة، لاسيما وأنها جاءت في لحظة سياسية فاصلة على مستوى مصير المنطقة، في ضوء المشاريع الأمريكية الإسرائيلية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.
الخطوة الإسرائيلية التي لاقت انتقادات إقليمية ودولية واسعة كونها تشكل مساساً بوحدة الصومال وتهديداً جدياً لمنطقة القرن الافريقي ذات الأهمية الاستراتيجية، لا يمكن فصلها عن الاستراتيجية الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية من جهة وتطويق مكامن التهديد التي برزت خلال الحرب العدوانية على قطاع غزة وفي مقدمها جبهة اليمن، فضلاً عن توسيع دائرة التطبيع مع المزيد من الدول.
قصة الإقليم الانفصالي
تنبع خطورة الاعتراف الإسرائيلي بدولة أرض الصومال من أهمية موقع الصومال والاقليم الانفصالي ذاته، ففي أقصى شرق القارة الأفريقية، وفي واحد من أهم مواقعها الإستراتيجية، تتمدد جمهورية الصومال الفدرالية الحديثة لتشكل بمساحتها التي تربو على 637 كلم مربعاً، رابطاً بين الشرق الأوسط وأفريقيا، والمحيط الهندي ومضيق باب المندب بوابة العبور إلى البحر الأحمر. أما الإقليم الانفصالي الممتد على مساحة نحو 176 ألف كلم متر مربع، فيقع إلى شمال البلاد ويحده خليج عدن من الشمال ويشترك في حدوده مع جيبوتي في الغرب وإثيوبيا في الجنوب، مع خط ساحلي يمتد حتى 800 كيلومتر على طول البحر الأحمر.
تعود قصة انفصال الإقليم إلى تاريخ نيل استقلاله عن بريطانيا في عام 1960، وذلك قبل أيام قليلة من حصول بقية الصومال عن الاستقلال من الاستعمار الإيطالي حيث حظي الإقليم مع هذا الاستقلال على اعتراف عشرات الدول، قبل يعلن اتحاده مع الصومال المستقل، لتنشأ بعد ذلك اضطرابات زعزعت الاتحاد بفعل اتهامات بتهميش المناطق الشمالية لمصلحة المركز، ما دفع قادة الإقليم إلى التمرد على مقديشو والعمل على تأسيس دولة مستقلة. وفي أعقاب حرب أهلية أواخر ثمانينيات القرن الماضي ذهب ضحيتها عشرات آلاف الضحايا، تمكنت مجموعة عرفت باسم “الحركة الوطنية الصومالية” المعارضة من تأمين المناطق التي كانت تُشكل ما كان يعرف في السابق بالصومال البريطاني، لتعلن المجموعة نفسها في أيار من عام 1991 ومن طرف واحد انتهاء النظام الفدرالي، وتأسيس جمهورية أرض الصومال المستقلة. وقد شهدت الجمهورية الوليدة تأسيس نظام سياسي وتشكيل حكومة أشرفت على بناء أجزاء كبيرة من البنية التحتية للإقليم، التي تضررت خلال سنوات الحرب الأهلية. لكن الحراك السياسي الداخلي في الإقليم لم ينتج على المستوى الخارجي اعترافاً دولياً بها، حتى إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في السادس والعشرين من شهر كانون الأول الماضي توقيع إعلان مشترك لـ “الاعتراف المتبادل” مع الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، في خطوة شكلت تطورا في مسار هذه القضية والمنطقة.
أبعاد الاعتراف الإسرائيلي
لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولة مستقلة منفصلا عن مسار من المفاوضات بين تل ابيب وهارجيسا، فعلى مدى الأعوام الماضية تكثفت الاتصالات بين الجانبين، وأبدت الأخيرة استعدادها للتعاون مع كيان العدو في مجالات متعددة، وهو ما أكدته دراسة صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي برئاسة مدير شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تامير هايمان، تحت عنوان “إسرائيل في ساحة البحر الأحمر: إستراتيجية بحرية محدثة”. وقد جاء في الدراسة المنشورة قبل أسبوعين فقط من الاعتراف الفقرة التالية: “على مر السنين أجرت إسرائيل وأرض الصومال اتصالات في سياق بحث إمكانية الاعتراف المتبادل والتعاون في مجالات الأمن والزراعة والملاحة البحرية. وتنظر إسرائيل إلى أرض الصومال كشريك محتمل في مواجهة النفوذ الإسلامي المتطرف في القرن الأفريقي، وكمصدر محتمل للدعم الإستراتيجي بالقرب من طرق الشحن الحساسة”.
وإذا كان من ترجمة عملية للأهداف الإسرائيلية المتوخاة من إقامة علاقات رسمية مع الإقليم الانفصالي، فإن الأبرز فيها إيجاد العدو موطئ قدم قريب من اليمن بعدما فشل والولايات المتحدة الأمريكية، في ردع صنعاء عن مساندة غزة إبان الحرب العدوانية الإسرائيلية ضدها، عبر فرض حصار بحري على الكيان الغاصب انطلاقاً من اشرافه على مضيق باب المندب. وبالتالي يمكن القول إن هذا القرب الذي تتحيه “أرض الصومال” من مناطق سيطرة حركة أنصار الله، يشكل قيمة إضافية ومنطقة عمليات قرب مسرح مناطق التهديد تمكن العدو من جمع المعلومات الاستخبارية عن الحركة ومراقبة تحركاتها العسكرية، وتعطيل قدرتها على فرض حصار بحري ضده كما جرى على مدى العامين الماضيين.
وإلى جانب هذا العامل الاستراتيجي تشير المعطيات المتوافرة إلى موافقة أرض الصومال على استضافة أعداد من اللاجئين الفلسطينيين لاسيما من قطاع غزة، في خطوة تشكل استكمالا لمشروع التهجير القسري لأهالي القطاع حيث يعمل العدو بالتعاون مع الولايات المتحدة على إيجاد دول مستضيفة للنازحين من النار والدمار.
ردود الفعل
خطورة المشروع الإسرائيلي الكامن في الاعتراف بأرض الصومال، كانت في صلب ردود الفعل الإقليمية، وفي مقدمها الصومال، حيث أعلنت الحكومة الصومالية، رفضها القاطع للإعلان الإسرائيلي. مؤكدة في بيان صادر عن وزارة الخارجية، أن جمهورية الصومال دولة واحدة ذات سيادة غير قابلة للتجزئة، وأن أي اعتراف ينتقص من هذه الحقيقة يُعد باطلاً ولاغياً. وشددت البيان على الرفض القاطع لـ “الهجوم المتعمد على سيادتها والخطوة غير المشروعة التي اتخذتها “إسرائيل” للاعتراف بالمنطقة الشمالية من الصومال”، مؤكد أن صومالي لاند “جزء لا يتجزأ من البلاد ولا يمكن التصرف فيه وهو يخضع لسيادة جمهورية الصومال الاتحادية”. وجدد الصومال دعمه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير المصير، ورفضه القاطع للاحتلال والتهجير القسري والهندسة الديمغرافية وتوسيع المستوطنات بجميع أشكالها. مؤكداً أنه لن يسمح بإنشاء أية قواعد أو ترتيبات عسكرية أجنبية على أراضيه من شأنها أن تجر الصومال إلى صراعات بالوكالة أو تنقل الأعمال القتالية الإقليمية والدولية إلى المنطقة.
وفي صنعاء التي تعتبر من أبرز المستهدفين بالخطوة الإسرائيلية، وصف زعيم حركة أنصار الله السيد عبد الملك الحوثي، ما جرى بالتحرك المعادي الذي يهدد الصومال ومحيطه الإفريقي، إضافة إلى اليمن ودول البحر الأحمر. وأوضح أن الاعتراف الإسرائيلي يأتي في إطار مساعي تل أبيب لإيجاد موطئ قدم في المنطقة وتفتيت دولها. وإذ أكد أن الإعلان الإسرائيلي باطل ولا يحمل أي مشروعية قانونية، حذر من محاولات “إسرائيل” لتوسيع دائرة الاعتراف بالإقليم وتحويله إلى منصة لأنشطة معادية تهدد أمن البحر الأحمر وخليج عدن والدول العربية والإفريقية.
بدورها أعلنت الخارجية المصرية أن الوزير بدر عبد العاطي، أجرى مباحثات هاتفية مع نظرائه في تركيا والصومال وجيبوتي، وأكدوا “الرفض التام وإدانة” هذه الخطوة، مشددين على أن “الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول سابقة خطيرة وتهديد للسلم والأمن الدوليين”.
وفي سياق متصل أكد وزراء خارجية 21 دولة عربية وإسلامية في بيان مشترك، السبت الماضي، إدانتهم لإعلان “إسرائيل” اعترافها بإقليم أرض الصومال الانفصالي، مشددين على رفضهم القاطع للربط بين هذا الإجراء وأي مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه، المرفوضة شكلاً وموضوعاً”. وضم البيان وزراء خارجية مصر، والسعودية، والصومال، والأردن، والجزائر، وجزر القمر، وجيبوتي، وجامبيا، وإيران، والعراق، والكويت، وليبيا، والمالديف، ونيجيريا، وسلطنة عُمان، وباكستان، وفلسطين، وقطر، والسودان، وتركيا، واليمن، إضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي.
وأوضح الوزراء أن إجراء الاعتراف بإقليم أرض الصومال غير مسبوق، وينطوي على تداعيات خطيرة بشأن السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتأثيرات خطيرة على السلم والأمن الدوليين، ويعكس عدم اكتراث “إسرائيل” الواضح والتام بالقانون الدولي. وإذ أدان وزراء خارجية الدول المذكورة هذا الاعتراف، فإنهم رأوا فيه خرقاً سافراً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي أكد على ضرورة الحفاظ على سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها.
خاتمة
يعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال سابقة خطيرة تهدد مستقبل الدول العربية ومنطقة القرن الافريقي ويتيح لدولة الاحتلال تمدداً استراتيجياً على حساب أمن دُوَلِها وسلامة وحدة أراضيها كما من شأن هذا الاعتراف عسكرة البحر الأحمر وجعلها منطقة قابلة للاشتعال.
