أول الكلام

العمرُ نهرٌ‏ بلا ضفّتينِ،‏ إلى البحرِ يجري

بقلم غسان عبد الله

كم كنتُ أنتظرُ انهمارَكِ‏ كي أوازيَ في الشّموخِ‏ كواكبَ النّخلِ..‏ احترقتُ ولم أَذقْ‏ من عمري الماضي‏ سوى طعمِ الحجرْ.‏.. وأنا بلا دفءٍ،‏ أمرُّ على أعوامِكِ‏ لأبتَني بيتاً بلا حزنٍ،‏ أحاولُ أن تصافحَني سنونكِ مَرةً‏ فأعودُ مكسوراً‏ يلاحقني احتراقُ أصابعي‏ وسقوطُ وجهيَ‏ في تعاريجِ الكآبةِ والضجرْ.‏ لم أنتبهْ أنَّ العيونَ تعقُّني‏ لتراكِ دمعةَ حُلمِها المهزومِ‏ يحبو فوقَ أرصفةِ الخريفِ،‏ ولا ترى‏ للسيلِ أصداءَ المطرْ.‏ حاولتُ ضَمّكِ أعواماً سبعين من الدفءِ.. ليسكنني النبضُ.. ويحتويني القمرْ.. فارتداني‏ نبضُكِ الشوكيُّ عُرياً‏ فاكتفيتُ وما انكفأتُ.‏. ورأيتُ فيكِ الليلَ يبكي الراحلينَ خلفَ أرزاقِهم.. يرثي المطمورينَ تحتَ ركامِ الزلازلِ.. بالدمعِ المنهمرْ.. وليسَ تحرقُهم دموعٌ‏ فاحترقتُ.‏. واندثَرتُ جنَّةً من يبابٍ ما جاءَها الغيثُ بالمطرْ.. وانتشرتُ.. ثم ارتحلتُ.. عبثاً تلملمني البيادرُ‏ عن مدائنِ غربتي،‏ فيسيل رأسي في شرايينِ الصَّدى‏ حتّى ارتحلتُ.‏

حسبي أراكِ‏ يا سنينَ العمرِ تغافلينَ مخاوفي بالشجونْ.. بالياسمينِ يلوحُ عبرَ تضرُّعي‏.. ينسلُّ في أغصانِ وقتِ المتعبينْ‏.. أوَ تدركينَ براءتي‏ من طيشِ أحكامِ المرارةِ‏ حين تمضغُني انحناءاتُ الرؤى‏ فوقَ ارتجافِ التّينِ‏ والزّيتونِ‏ والنّخلِ الحزينْ.‏. وتُحلّقينَ كوجهِ أمٍّ‏ أسلَمَتْ ينبوعَها ميعادَ عشقٍ‏ في انهمارِ المقلتينْ.‏. يا سنيَّ العمرِ الماضيةِ نحو الأفول.. حسبي ابتداؤك بانتهائي‏.. إنَّ نزفَ الرّوحِ أتعبني‏ وما في القلبِ متسعٌ‏ لأحزانٍ تجدّدني‏ فيخطفني الرَّدى.‏. ماذا أقولُ‏.. وأيُّ أطلالٍ سأرثي‏.. حين تشربُنا المآسي في كأسِ من ظنونْ.. وقبل أن نحبو على عشبِ الطّفولةِ‏ والندى في دروب الجنونْ..؟‏.. بالطعنِ غافَلَنا الدّليلُ‏.. وضاعَ في الدّربِ النَّخيلُ‏.. وظلُّنا المكسورُ ينزفُ‏ من أكاذيبِ الفِدا‏.. ماذا أقولْ؟؟ ولم يعدْ‏ من مركبِ الطّوفانِ‏ غيرُ ثعالبِ الوديانِ‏.. واللغةُ القتيلةُ‏ والتعاويذُ الهزيلةُ لا يُسَرُّ بها الضَّبابُ.‏. لم يَبْقَ إلاّ خطوةٌ أُخرى‏ ويشتعلُ الوريدُ حرائقاً‏.. وتطوفُ حولَ أشرعتي‏ للبحرِ مقصلةٌ ونابُ.‏. هي خطوةٌ أخرى‏ وتهجرني ارتعاشاتُ القيودِ‏ وينحني للأرضِ رأسُ السُّنبلةْ.‏. ويعانقُ الزلزالُ أجفانَ المسافاتِ الجريحةِ‏.. حين يدهمُني الصّقيعُ‏ ويمتطيني الموتُ‏ تسبقني إلى المنفى دموعُ القافلةْ.‏

أُلملمُ عن غُرّةِ الرِّيحِ‏ أغمارَ العمرِ..‏ وأقرأُ كفَّ السّحابِ،‏ يقودُ خطايَ الفَراشُ‏ إلى موكبِ النورِ،‏ أُوْدِعُ في غُربَتَينِ‏ من الدهرِ سرّي..‏ وأعشقُ بوحَ النُحيلاتِ‏ للزَّهرِ،‏ سربُ يَمامٍ‏ تَوارى وراءَ الغَمامِ،‏ يبوحُ بمكنونِ صدري..‏ أضيعُ،‏ في عروقِ الياسمينِ،‏ يهرُبُ من خلفيَ الظِّلُّ..‏ أألحَقُهُ؟! أم أداوي‏ جِراحَ اليماماتِ،‏ والعمرُ نهرٌ‏ بلا ضفّتينِ،‏ إلى البحرِ يجري؟! فيا موكِبَ الوردِ،‏ أشْعِلْ قلوبَ اليراعاتِ،‏ فاللَّيلُ طفلٌ‏ على سرَّةِ العَتْمِ يغفو،‏ فمن ذا يسوقُ قطيعَ الفراشاتِ‏ فجراً؟!.

هكذا أنا الآن أحادثُ الملائكةَ عن سرِّ السّتين.. وعينايَ لا تزالانِ تزاولان طقوس التّعب اليومي.. خذني‏ إلى صيفِ عينيكَ سيدي أبا صالح.. فَرْخَ قَطَاةٍ‏ أكِشُّ أصابَعَكَ المُسْهَداتِ على كتفيَّ،‏ لأسكبَ في راحتيكَ دموعَ صلاتي،‏ وأكوابَ عطري.

أُهاجِرُ بالروحِ إلى الأمسِ،‏ نبضَ اشتعالٍ،‏ وأصدرُ عنها،‏ لما سوفَ يأتي‏ من الغيبِ،‏ شلاَّلَ زهرٍ..‏ ففي وحشةِ الستين يتابعُ الزَّمانُ‏ أنفاسَيَ في مدار الهُنَيْهاتِ،‏ يلهو بها كيف شاءَ،‏ يُذَرْذِرُ دَفْقَ الثَّواني‏ حَبَاباً،‏ على هدهداتِ القُلوبِ،‏ و”يّذْري”..‏ يمرُّ الزَّمانُ‏.. وفي وجنتيَّ يُضرَّجُ من نرجسِ‏ العشقِ ما شاءَ،‏ يرسمُ جنحَ ابتهالٍ،‏ على كلِّ هُدبٍ،‏ وأصداءَ همسٍ،‏ كما بُحَّةِ النّايِ،‏ حين يُسَاقي‏ على أوّلِ اللحنِ‏ أجملَ ثغرِ..‏ أُناجي في ليلِ الجمعاتِ، وأدعو.. أصلِّي.. ويحدوني الوجيبُ بالتَّجلِّي؟!.

تسامَيتُ بحزني.. صوتاً، أغلى على الرّوحِ‏ من كلِّ حبٍّ‏.. تألَّقْتُ، يا إمام العصرِ يا سيِّدَ هذا البياضِ وألَقَ الرّوحِ.. ومضُكَ في الصباحاتِ الوافِدَةِ مع ضراعةٍ الأزهارِ نبضٌ مثلُ قلبي..‏ هل تَسمعُ مولى الفجرِ في عمريَ الذاوي نداءَ‏ العَشِيّاتِ؟! أو ارتعاشَ الصباحاتِ بقلبي.. حَسبي من العمر،‏ آيتُكَ في الظهورِ.. حَسْبي..‏ تنناثرتُ عشقاً‏ ألثُمُ التماعاتِ النجومِ على أعتابكَ وأرتمي، أستقي من رَشْفِ نَدَاكَ ما يروِّي ظمأَ السنين الموغلاتِ في الزمنِ الصعبِ.. حسبي مولايَ منكَ دعاءً حميماً بجوفِ الصدرِ يهمي على الفؤادِ وينادي بعمقِ الهمسِ رضوانَك عليّ ربي.. حسبي في هذه الدنيا أنكَ عندما يذوي بي العمرُ في غيابات الأفولِ أعطيتني دفءَ انتظارِ المسافاتِ لما سيأتي من بردٍ وأنسِ.

حسبي أنَّكَ – مولاي – فجرُ هذي الصباحاتِ حين يعتريني وجومُ العُتمةِ ويرتادني شبحُ التَّعَبِ.. حسبي أنكَ آيةُ الحنانِ في وقدِ الأمنياتِ ترفلُ بالسنا الإلهي وتُعيدُ إليّ ما قد خبا وما قد رماهُ أخوةُ يوسُفَ مني في غيابات الجُبِّ.

سأقولُ… والشَّفةُ الجريحةُ‏ رُبَّما اتّسعتْ لخوفٍ‏ من سقوطِ نوارسي‏ أسرى بمفترقِ الزّمنْ.‏. إنّي أعوذُ‏ بكلِّ أورادِ التّمائمِ‏ وأدعيةِ الليل‏ من عمرٍ يذوي للأفولِ.. من عمرٍ يمضي دونَ كُحلِ ناظريّ بطلّتِكَ البهيّةِ لأقولَ في آخرِهِ لبدرهِ ونجومِهِ:‏ فلتتركوني للكفنْ.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *