أول الكلام

في أول تباريحِ الكلامِ ضيَّعتُ النافذة!!

بقلم غسان عبد الله

أُشعلُ الضوءَ الموزّعَ في الصمتِ والشجرِ المتعبِ باقةً من صغارِ الجنوبِ والصيفِ والعنبِ.. كانَ يشبهُ أُمي كثيراً.. ويشبهُ حزنَ أَبي.. مرةً جاءني – مثلما يفعلُ الآنَ – في يدهِ قلبُهُ وأراني دمي.. وأراني الأماني وأَحصى ثلاثينَ سجناً.. وعشرينَ نُصباً وبعضَ الأغاني.. مرةً جاءني.. تركَ الفراتَ في راحتيَّ وقالْ: أغيبُ قليلاً.. فهلاّ ترفَّقْتَ بالنهرِ.. هلا رعيتَ الصفصاف.. فالجنودُ يطوفونَ بالبيتِ والحبلُ بالاحتمالْ.

انتظرتُ خطاهُ الحزينةَ والعتبةْ وشمسين كي تحملا وجهَهُ – وأُصارحكمْ – لم يكنْ يهدأُ النهرُ حتى يعودَ ليطلقَ أمواجَهُ الصاخبةْ.. تُكسِّرُ صمتَ الأواني.. المرايا.. وتفتحُ أبوابَ كل الضحايا.. لذا قلتُ أَبحثُ عن نافذةْ تطلُّ على تضاريسِ ابتساماتهِ وضحكاتِهِ الوادعةِ المتراميةِ الأطرافِ حتى حدوِد جهاتِ الكون الأربع.. لحدودِ أصابعهِ المتعبةْ فأنا أذكرُ الآنَ كان يحبُّ الدساكرَ كثيراً.. ويحفظُ في الصدرِ أسرارها.. كان يحبُّ الشتاءَ كثيراً ويزرعُ في القلبِ أشجارهُ.

وصلنا إلى شرفةٍ عاليةْ تَلفَّتُّ لم أجدِ النافذةْ.. وأَبصرتُ جرحاً: ثلاثينَ سجناً.. وعشرينَ نُصباً ولما رآني دسَّ في راحتي وجهَهُ والأغاني.. وأشرعَ ألفَ نافذةٍ على الأمل.. وأنا في الصباح الجديدِ أضيّعُ النافذة.. أبحثُ عن نافذة.. لحدودِ إشراقِهِ في القلبِ.. لجهة التعبِ أو لجهةِ العذاب.. حتى يزدانَ النبضُ برفيفِ كلماتِهِ الهادئاتِ وأياديهِ المُترَعة.. هل ثمَّةَ من يدُلُّ العاشقَ المتسربِلَ بالنجيعِ العاشقِ على وريِدٍ بحجم النزيفِ أو نزيفٍ بحجمِ انكسارتِهِ المدْقِعة.

في الصباحِ الشتائيِّ أبحثُ عن نافذةٍ تُطِلُّ من خلفِ حدودِ الأنا القاتلة.. تُقيمُ نصُبَ التوَحُّدِ فينا فنصيرُ نحنُ.. وأذوبُ أنا.. عن شرفةٍ للمَغيبِ المَهيب على عتبات الشيخوخةِ في غيابات الستينَ من العمر الذي لا ينتهي من فضِّ خلافاتِهِ مع الموتِ المُرتَقَبْ.. عن أشياءَ كنتُ نسيتُها في محفظةِ المدرسةِ الممتزقةِ ثقلاً بالكتبِ المدلاَّةِ كلسانٍ فرسٍ جامحٍ أكَلَهُ الرَّهَق.. عن موجةٍ عاندَتني فما نالني منها سوى الغرق.. عن نومٍ لسويعاتٍ قليلةٍ في ليلِ المنافي عند نافذةِ الغروبِ على شفا جُرُفِ صخرةٍ تميلُ بالأمواجِ وأنا يأكُلُني الأرقْ.. عن فِرَقٍ وفِرَقْ.. عن حبَقْ.. عن حبقٍ لقبرٍ في جبَّانة القريةِ لم يزُرنا منذ سنينَ رحيقُهُ.. يا لَهذا الحبَقْ.

في اللحظةِ الشّتائيَّةِ أفَتِّشُ عن لُحَيْظةٍ لا ياخُذها الدهر مني سنينَ عذاب.. أرتاحُ.. ثم لا فرقَ.. أكَلَني التيَّارُ العصيُّ أمْ تناوشَتْني أيدي الفِرَقْ.. وصلتُ إلى شرفةٍ عاليةْ تَلفَّتُّ لم أجدِ النافذةْ.. وأَبصرتُ جرحاً: ثلاثينَ سجناً.. وعشرينَ نُصُباً ولما رآني طيفُ الحبيبِ دسَّ في راحتَيّ وجهَهُ والأغاني.. وأشرعَ ألفَ نافذةٍ على الأمل.. وأنا في الصباحاتِ الجديدةِ.. واللحظاتِ الوافدةِ من خلفِ غمامِ التجلّي ومن قلبِ الذكرياتِ والوجدِ المبرِّحِ بالألم صدري.. أنا في كانونَ المضيَّعِ بين دمعتين واحدةٌ للحزنِ على الراحلين صوبَ المجازر، وأخرى للفرحِ الذي يتناوشُ القلبَ حين يكون طرَفَهُ بالخير مبلولاً.. أنا في اللحظات العابرةِ أنسَ المساءاتِ والحاضنةِ قلبَ العاشقينَ رؤىً وأريجاً عابقاً بالوجد وبالذكرياتِ أضيّعُ النافذة.. أضيِّعُ أول الكلامِ الخارجِ من رحم الصمتِ نافذةَ الروحِ.. أضيِّعُ في المساءاتِ المغرورقةِ بدمع الجنوبِ وشتولِ التبغِ ونجيعِ الشهيدِ نافذتي.. أنى أشيلُ هذا الحزن المتراكمَ في خباياي وأنا في أول تباريحِ الكلامِ ضيَّعتُ النافذة.. أبحثُ الآنَ عن نافذة!.. عن نافذة!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *