هامش ثقافي

من الحكمةِ أن يكون الإنسانُ محباً للحكمة

بقلم غسان عبد الله

ولعلَّ أفضلَ ما اختصّتْ به في ذاك الزمانِ هو حبُّ الحكمةِ والشوق نحو الحقيقة والبحثِ عن المعنى والحرصِ على القيمةِ واحترامِ النواميسِ وبناءِ النّسقِ وإتمامِ النظرةِ الموسوعيةِ. ولكنَّ الفلسفة المعاصرة استوعبت كلَّ هذا وتعفّفَتْ عنه وصارت تبحثُ عن التحطيمِ والتفكيكِ والنقدِ الجذريِّ وتعشقُ أسلوبَ “القطعة” خارج كل منهج وارتضت بلانهائية التّأويل ومعقوليةِ العدميّةِ وخطّتْ لنفسها مهمةَ الخوضَ في التخومِ والهوامشِ ثورةً على المركزِ وبحثاَ عن الأصلِ الذي لا أصلَ له واقتناعاَ بأهمية المظهر وغنى السطح. فهل هذا يعني أن الفلسفة قد تخلّت عن نبراسها الهادي وأنها لم تعد حبّاً للحكمة؟ وما المقصود بأنَّ في اللعبِ والكسلِ والكذبِ والوهمِ والعنفِ مزايا ومنافع؟ فأية علاقةٍ جديدةٍ ستقيمها مع كلٍّ من الحبِّ والحكمة؟ هل أصبحتْ تنهلُ من الكُرهِ بعدَ أن ملّتْ كلُّ تجاربِ الحبِّ؟ هل انقلبت إلى ضدِّها وأصبحتْ مجنونةً لا تعترفُ إلا بكلِّ أشكالِ اللامعقول والتخلّف المنطقي والعبثِ والفارغِ من المعنى واللا حكمة؟ وما الحكمة من لا حكمية الفلسفةِ المعاصرة؟ وهل تعلِّمُنا حبَّ التفكيرِ أم حبَّ الحياةِ؟ ألا ينبغي أن تولِّي وجهها شطرَ حكمةِ النظرِ وحكمةِ العملِ من أجلِ أن تؤهِّلَ الناسَ للوعي بالزمانِ والفعلِ في التاريخ؟.

يبدو أن مطلبَ الفلسفةِ المعاصرةِ من الإنسانِ هو أن يهجرَ ديارَ الحكمةِ والتحكُّم وما رافَقَ ذلك من تسيُّد وتمركُز وأن ينقلَ لنا بعدَ التشخيصِ والوصفِ بعضاً من الوضعيات اليوميةِ التي يتخلّى فيها عن كلِّ أشكالِ السيطرةِ العقلانيةِ والمنهجيةِ في تسييرِ حياتِهِ وأن يعبِّر بحريّةٍ عن لا وعيه وحُمْقِهِ وأنانيّتهِ وعنفِهِ وعن كيفيةِ وقوعِهِ ضحيةَ حتمياتٍ اجتماعيةٍ وطبيعيةٍ وسلطاتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ ويسردُ تناهيهِ وتشظّيهِ وعجزِهِ عن تحمُّلِ خفَّتهِ وعن الإقامةِ في العالم.

من البيِّن إذن أن الفلسفةَ اليومَ لمْ تَعُدْ تُحِبُّ الفكرةَ الشاملةَ والحقيقةَ المجردةَ بل أصبحت تسعى إلى اقتناصِ المنفعةِ الجزئيةِ والمصلحةِ الآنيةِ وتتصيدَ الفرصةَ السهلةَ والحياةَ المُمتِعةَ وبالتالي لم يعدْ موضوعها طلبَ المعلومِ الأسمى بل العنايةَ بالمرءِ صحةً وتربيةً وحياةً وسكناً في الكوكب.

الفيلسوفُ الجديدُ هو الرّجلُ الحرُّ الذي يعانِدُ الحكيمَ ويُبْغِضُ صرامَتَهُ وجدّيَتَهُ ويخشى الموتَ ويحبُّ الدنيا ويكرهُ التكلُّمَ عن الروحِ وتجذبُهُ الأهواءُ ويحرِّكُهُ الجسدُ ويفتِنُهُ الشعرُ ويقلبُ العلاقةَ بين الخيرِ والشّرِ وتستهويهِ الرذائلُ وتَثْقُلُ عليه الفضائلُ وتبحرُ به إرادةُ القوّةِ ويجرِفُهُ طغيانُ الغريزةِ ويفنيهِ الضَّحِكُ وتُهلكُهُ السخريةُ وتعلِّمهُ النميمةَ واللغةَ العاديةَ وتسرقُ منه الصناعةُ ذكاءَهُ وتتحكّمُ الوراثةُ في مؤهّلاتِهِ ومصيرهِ وتحمِلُهُ ثقافةُ الاستهلاكُ ومجتمعُ الوَفْرةِ إلى وجهةٍ غير معلومةٍ وتغمرُهُ آراءُ الحشود.

إنّ الحكمةِ لا تدرّس وإنّ المعرفةَ لا تقابِلُها الذاتُ وإنَّ الحقيقةَ بعيدةٌ كلّ البعدِ عن التطابقِ وإن المتفلسفَ الجديدَ ليس سوى خرائطيٍّ ماهرٍ يهتم برسمِ خطوطِ التمايُزِ بين المناطقِ المظلمةِ والأخرى المُنَارة. كما أن مفكِّرَ ما بعد الحداثةِ هو حاسبٌ ومتصرِّفٌ في شؤون المعلومة أو خبير في تكنلجة الحياةِ والاقتصاد.

إن الإنسانَ لم يُخْلَق ليصبحَ حكيماً وعاشقاً فقط بل إن حبّهُ للحكمةِ هو الذي يجعلُهُ محبوباً وحاكماً على ذاته ومُحِباً للآخرين. وإن الحياةَ الإنسانيةَ بلا حكماء تكونُ ممكنةً ولكنَّ الذي يجعلُها جديرةً بأن تُعاشَ هو عزوفُ هؤلاء الآدميينَ عن وَلَهِهِم بذاتِهِم وانهماكِهِم في حبِّ جواهرِ الأشياءِ والبحثِ عن أسرارِ الكون.

أنْ نتعلّم كيفَ نتفلسفَ اليوم هو أن نعرِفَ كيف نواجِهَ الأنساقَ الفلسفيةَ التي تركها لنا كبارُ الفلاسفةِ وأن نُحسِنَ تدبيرَ العِبَرَ والمعان التي تزخرُ بها مؤلّفاتُهم وأمهاتُ كُتُبِهم وذلك الهدفُ من الفلسفةِ ليس تحريضَ الناسِ على حبِّ الحياةِ فقط وإنما كذلك مساعدتهم على إيجادِ معنى لحياتهم. والجمهورُ ينتظرُ بلهفةٍ شديدةٍ إلى ما تجودُ به قريحةُ الفلاسفةِ من حكمةٍ حتى يسترشدوا بها وسْطَ هذا الضجيجِ المعولمِ والحياةِ الصاخبة.

إن الفلسفةَ في حد ذاتِها لا توفِّرً للإنسانِ زاداً معرفياً رفيعاً ونفائسَ من العلومِ الكونيةِ فحسب وإنما تجعلهُ يتذوقُ جودَ الوجودِ وينعمُ بفيضِ الخاطِرِ وينغمِسُ ولهاناً في حبِّ الحقيقِة دونَ أن يبالي بمصاعبِ الطريقِ ومخاطِرِ الرِّهانِ. وإنّ هذا الدورَ هو الذي جعلَ من الفلسفاتِ التي وُجِدَتْ على مرِّ التاريخِ كنوزاً مهمة.

على سبيلِ المثالِ إنّ هذه الحكمةَ الكونفشيوسيةَ تظلُّ مَعيناً لا ينضبُ للمعنى والقيمةِ وتُلْهِمُ كلَّ كائنٍ بشريٍّ في أيِّ زمانٍ وأيِّ مكانٍ شريطةَ أن تكونَ مالكةً لجميعِ حقوقها: “إذا قابَلْتَ رجلاً مبدئياً فينبغي أن تبحثَ كيفيةِ للتشبُّهِ به وأما إذا قابَلْتَ رجلاً سيئاً فينبغي أن تبحثَ عن عيوبِهِ في ذاتِكَ عينها لكي تتخلّص منها”.

خلاصةُ القولِ إنّ الحكمةَ بالمعنى العتيقِ للكلمةِ والجامعِ بين التعقُّلِ والدرايةِ وبين التأمُّلِ والتّدبيرِ غائبةٌ عن نظرياتِ الفلسفةِ المعاصرةِ وتوجُّهاتِها وما هو موجودٌ منها هو مجازُها الميّت وطيفُها البعيدُ وظِلُّها الباهتُ، فما هي أسبابُ هذا الإخفاءِ والحُجُبِ لدرّةِ التّفلسُفِ الأصيلِ؟ وهل من الحكمةِ ألا نُحِبَّ الحكمةَ اليوم؟ أليس من الحكمةِ أن يكون الإنسانُ محباً للحكمة فحسب؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *