دوليات

الحشد العسكري الأمريكي لا يخضعها.. تحذيرات من تداعيات الحرب على إيران

بقلم ابتسام الشامي

إيران في خطاب حالة الاتحاد

عشية الجلسة الثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها جنيف، تصدر الملف الإيراني الأجندة الخارجية لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس، وخلال بضعة دقائق من أصل ساعة وثمان وأربعين دقيقة في أطول خطاب لرئيس أمريكي، حشد ترامب اتهاماته لإيران في الملفين النووي والصاروخي، مدعياً أنها تسعى لتطوير تقنيات صاروخية لا تمتلكها سوى دول قليلة. وقال: “لقد طوروا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قريباً قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية”. وعلى الرغم من إشارته إلى تفضيل المسار الدبلوماسي إلا أنه ارتأى التهديد بالحرب قائلاً: “نحن في مفاوضات معهم، وهم يريدون إبرام اتفاق، لكننا لم نسمع منهم تلك الكلمات السرية: لن نمتلك أبداً سلاحاً نووياً”. مضيفاً “أفضل حل هذه المشكلة من خلال الدبلوماسية، ولكن هناك أمر واحد مؤكد: لن أسمح أبداً للدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم، وهو ما هم عليه إلى حد بعيد، بامتلاك سلاح نووي”.

وبمعزل عن لهجة الحسم التي خاطب بها الرئيس الأمريكي طهران محاولاً التأثير في موقفها على طاولة المفاوضات، فإن مضمون ما قاله في خطاب حالة الاتحاد لم يختلف عما يردده في تصريحاته ومواقفه المتفرقة والتي تنسجم واستراتيجيته المعلنة “السلام بالقوة”، أي استخدام القوة العسكرية أو التلويح بها لفرض الإخضاع على الطرف المقابل، وهو ما تقوم به إدارته في هذه المرحلة ضد إيران حيث تزامن الخطاب مع استكمال بلاده حشد قوة عسكرية ضخمة في المنطقة، شملت حاملتي طائرات وأكثر من 12 سفينة حربية. لكن هذا الحشد العسكري على ضخامته لم يستطع حتى الآن تحقيق الأهداف المتوخاة من ورائه، وهو ما اعترف به بشكل صريح وواضح مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي نقل في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، استغراب الرئيس الأمريكي نفسه “من عدم استسلام الإيرانيين على الرغم من الضغوط والقوة البحرية الأمريكية”.

تحذيرات من الحرب

عدم استسلام الإيرانيين وفق ما يرغب به ترامب وما كان يتوقعه، يضع استراتيجيته ضد إيران على محك اختبار نواياه الحقيقة بما في ذلك الحرب مع كل ما تنطوي عليه من تداعيات على الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها وحلفائها، وإذا كان اخضاع إيران هدفاً تصبو إليه واشنطن وتل أبيب ومن ينتمي إلى معسكرهما على امتداد العالم، فإن الوصول إليه عن طريق الحرب غير مضمون النتائج، ولعل المخاطر المترتبة على هذا الخيار هي ما ترفع عملياً في الأوساط السياسية والإعلامية الدولية، منسوب التشكيك في نتائج الحرب فضلاً عن التحذير من تداعياتها. في هذا السياق رأت صحيفة لوموند الفرنسية أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن حرب على إيران إضافة إلى الحشد العسكري الواسع من دون تفويض من الكونغرس الأمريكي أو الأمم المتحدة يثيران أسئلة خطيرة.

وإذ ادعت الصحيفة أن “النظام الإيراني يبدو ضعيفاً ومعزولاً بعد ضربات إسرائيل وتداعيات سقوط نظام بشار الأسد في سوريا”، إلا أنها أكدت أن “أهداف ترامب من الحرب غير واضحة”، كما حذرت من أن أي هجوم بلا غطاء قانوني سيُعد انتهاكاً للقانون الدولي ويكرّس منطق استخدام القوة خارج الأطر الشرعية.

وفي متابعتها لتطورات الملف الإيراني، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكيين تشكيكهم في جدوى الخيار العسكري ضد طهران، محذرين من أن أي تصعيد خارجي قد يؤدي إلى توحيد الشارع الإيراني خلف النظام بدل إضعافه.

وأكد مشرعون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري للصحيفة الإسرائيلية أن التدخل العسكري قد لا يكون الحل الأمثل، وأن قصف إيران لن يحقق أهدافه في ظل اضطرابات داخلية متصاعدة ومعقدة.

من جهتها، نشرت صحيفة التايمز البريطانية مقالاً لوزير الخارجية البريطاني الأسبق وليام هيغ، رأى فيه أن “أفضل طريقة لمساعدة الشعب الإيراني هي بث الخوف والانقسام داخل أركان النظام”، محذراً من أن الضربات العسكرية قد تأتي بنتائج عكسية. وأضاف هيغ أن النظام الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة التفكك، مشيراً إلى أن خطورة الأزمة تكمن في جذورها الاقتصادية، لا الأمنية فحسب.

بدورها نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن محللين وخبراء أن النظام الإيراني بعيد كل البعد عن حافة الانهيار، وأن الاحتجاجات الحالية غير كافية لإسقاطه. ورأى الخبراء وفقاً للصحيفة نفسها أن الحذر الإسرائيلي من التطورات الجارية بين واشنطن وطهران له ما يبرره، نظراً لأن مخاطر الرد الإيراني على “إسرائيل” واسعة، بما في ذلك اندلاع حرب جديدة كبيرة جداً.

مجلة الإيكونوميست من جهتها تحدثت عن ضياع ترامب وحيرته، وقالت المجلة البريطانية إن الرئيس الأمريكي يتلاعب بالحقائق بشأن التعامل مع إيران، وإن الأمريكيين لا يعرفون ما الذي يريده بالضبط من إيران، وذهبت المجلة إلى التكهن بأن سيد البيت الأبيض هو نفسه لا يعرف ماذا يريد بالضبط. وأشارت المجلة إلى أنه – في خضم أكبر حشد جوي وبحري أمريكي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003 – كان من المتوقع أن يقدم الرئيس حججاً تبرر ما قد يكون حرباً وشيكة مع إيران، لكنه لم يفعل ولم يخصص في خطابه عن حالة الاتحاد سوى دقائق معدودة للموضوع. ورجحت المجلة أن يكون ترامب محبطاً لأن المواجهة المحتملة مع إيران لا تقدم له خيارات سهلة، بعد أن أصابه الهوس بالقوة العسكرية إثر مشاركته في الهجوم على إيران في الصيف الماضي، وتدخله في فنزويلا مطلع العام الجاري.

كما لاحظت المجلة تناقضا صارخاً في تصريحات الإدارة الأمريكية، إذ إن المبعوث الدبلوماسي ستيف ويتكوف يقول إن إيران قد تكون “على بعد أسبوع” من تخصيب اليورانيوم بما يكفي لصنع قنابل نووية، فيما قال الرئيس ترامب – في وقت سابق – إن البرنامج النووي الإيراني قد “دُمر تماماً”.

وعلقت الإيكونوميست على ذلك بقولها إنه لا يُمكن أن يكون كلا الأمرين صحيحاً، وإنه إذا كانت رواية الرئيس دقيقة فلا يوجد تهديد مُلحّ يُبرّر حملة عسكرية واسعة النطاق، وإذا كان ويتكوف صادقا فإن رئيسه كاذب، وبالتالي لا جدوى من ضربة عسكرية جديدة.

استراتيجية أمريكية فاشلة

فشل الضغوط الأمريكية على إيران من خلال الحشد العسكري، دفع بالكثير من الخبراء والمعلقين السياسيين إلى انتقاد الاستراتيجية الأمريكية المعتمدة حيالها. وفي هذا الإطار تناولت مجلة التايم الأمريكية سياسة واشنطن بالقول إن الرئيس دونالد ترامب حوّل السياسة الخارجية – بعد عام من ولايته الثانية – إلى عمل فردي يتجاوز المؤسسات الدولية. ونقلت المجلة عن دبلوماسيين ومشرعين أمريكيين أن دائرة النفوذ حول ترامب تضيق، مع تفضيل الولاء على الخبرة.

من جانبها، انتقدت صحيفة الغارديان البريطانية ما وصفته بالتخبط وغياب الإستراتيجية في واشنطن، معتبرة أن صنع القرار انتقل من التخطيط المدروس إلى ردود مرتجلة، مما يرفع مخاطر سوء التقدير في ملفات حساسة مثل إيران وفنزويلا وغرينلاند.

وكنموذج عن تخبط الاستراتيجية الأمريكية لفتت صحيفة واشنطن بوست إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعرفة جمركية بنسبة 25% على الواردات القادمة من أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، ستكون له تداعيات على الداخل الأمريكي، إذ سيؤدي إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع في السوق الأمريكية. وأوضحت الصحيفة أن هذه الإجراءات ستطال مستوردين أمريكيين من عشرات الدول، بينها الصين وروسيا والعراق وتركيا، ما قد ينعكس سلباً على سلاسل التوريد والأسعار.

خاتمة

حشد الأصول العسكرية الأمريكية قبالة إيران، يتحول مع صمود الجمهورية الإسلامية من قوة ضاغطة إلى عبء على أصحابها، فالإقدام على الحرب دونه مخاطر كبرى، والإحجام عنها لا يقل خطورة على صورة أمريكا وسطوتها العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *