بعد اغتيال المُرشد الأعلى للأُمّةِ الإسلامية… “إيران نوويّة”!
بقلم زينب عدنان زراقط
في الحروب الكبرى لا يكون الخطأ الاستراتيجي مجرد تفصيل عابر في حسابات القوة، بل لحظة مفصلية يمكن أن تغيّر مسار الصراع بالكامل. وهذا بالضبط ما بدأ يطرحه عدد متزايد من المحللين بعد القرار الأمريكي الذي أفضى إلى اغتيال السيد القائد علي الخامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران.
في نظام يقوم في بنيته على مفهوم “ولاية الفقيه”، فإن موقع المرشد الأعلى يتجاوز بكثير حدود السلطة السياسية التقليدية، إذ يجمع بين الشرعية الدينية والقيادة الاستراتيجية العليا للدولة، السيد الخامنئي لم يكن مجرد قائد سياسي أو رئيس دولة، بل مرجعاً دينياً ومرشداً روحياً للعالم الإسلامي أجمع… وبغيابه تدخل إيران مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي تقودها إلى إعادة صياغة العقيدة الاستراتيجية الإيرانية التي كانت تحظر تطوير السلاح النووي…
المفارقة أن الولايات المتحدة، التي ظنت أنها قطعت رأس القيادة الإيرانية، وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً: حرب مستمرة بلا قيادة واضحة يمكن استهدافها بسهولة. وتشير تقديرات عدة إلى أن المرشد الأعلى كان قد جهّز قبل رحيله هيكل قيادة عسكرياً سرياً يضم ضباطاً غير معروفين استخباراتياً، مهمتهم إدارة الحرب في حال استهداف القيادات التقليدية. وهكذا، بدل أن تؤدي الضربة إلى شلّ القيادة الإيرانية، يبدو أنها فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة، حيث لم يعد واضحاً من يقود المعركة، ولا كيف يمكن إنهاؤها، وقد تصل بإيران الإعلان الرسمي أنها أصبحت دولة نووية…
فهل ارتكبت الولايات المتحدة خطأً استراتيجياً حين تعاملت مع المرشد الإيراني بوصفه قائداً سياسياً يمكن إسقاطه دون تقدير أبعاده الدينية والاستراتيجية، والرجوح إلى فتح الباب أمام تغيير جذري في العقيدة النووية الإيرانية؟ وكيف استطاعت إيران الاستمرار في إدارة الحرب على الرغم من استهداف كبار قادتها العسكريين، وهل يمكن أن تتحول المواجهة الحالية إلى حرب استنزاف طويلة ترفع كلفة الصراع إلى مستوى يهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي؟
هل فَتحت واشنطن بابَ حربٍ لا تعرف كيفَ تُغلقه؟
واشنطن راهنت في البداية على حرب قصيرة تُحسم خلال أيام أو أسابيع قليلة، واعتبرت أن الضربات المركّزة على البنية العسكرية الإيرانية وقياداتها ستفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة. غير أن هذا الرهان تبخّر سريعاً أمام الواقع الميداني، إذ لم تتوقف الصواريخ، ولم تنطفئ الجبهات، وظلت القواعد الأمريكية في المنطقة تتعرض لضغوط متزايدة، بينما تتصاعد المخاوف العالمية من تأثير الحرب على إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
جزء كبير من هذا الفشل يعود إلى تقدير خاطئ لطبيعة الموقع الذي كان يشغله السيد القائد علي الخامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. فقد تعاملت واشنطن معه بوصفه رأساً سياسياً يمكن تغييره ضمن منطق الضربات الحاسمة، متجاهلة موقعه الديني والرمزي داخل النظام الإيراني وفي وعي ملايين المسلمين. والمفارقة الأكثر تعقيداً، والتي غفلت عنها واشنطن، أن المرشد كان أحد أبرز الأصوات المعارضة لتطوير السلاح النووي داخل المؤسسة الإيرانية، حيث ظل متمسكاً بفتوى دينية تحظر تصنيع هذا النوع من الأسلحة، على الرغم من ضغوط الدائرة العسكرية والسياسية المحيطة به التي كانت تدفع باتجاه امتلاك الردع النووي.
حتى بعد استهداف كبار قادة الصف الأول في المؤسسة العسكرية واغتيال المرشد، لم تنقطع العمليات الإيرانية ولم تنطفئ الجبهات. إذ يبدو أن طهران كانت تتحرك وفق خطة استنزاف طويلة الأمد، تهدف إلى رفع كلفة المواجهة تدريجياً على خصومها، وإثبات أن إيران قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وأن أي محاولة لفرض الحسم السريع عبر ضربات خاطفة ستؤول إلى مواجهة مطوّلة تثبت نفوذها في المنطقة. التلويح الأمريكي بالدخول البري لم يعد مجرد تهديد، بل انعكاس صريح لفشل الحسابات الأولية في واشنطن، حيث وجد صانعو القرار أنفسهم أمام مواجهة لم تكن ضمن توقعاتهم، بينما يفرض جدول زمني إيراني دقيق وقواعد مدروسة لمجريات الحرب.
أولاً: اغتيال المرشد… الخطأ الذي قد يعيد تشكيل العقيدة النووية الإيرانية
في كثير من الأحيان، تتخذ القرارات العسكرية الكبرى بناءً على حسابات القوة الصلبة وحدها، بينما يجري التقليل من أهمية العوامل الرمزية والسياسية والدينية. غير أن التجربة التاريخية تثبت أن تجاهل هذه العوامل قد يقود إلى نتائج معاكسة تماماً لما كان مخططاً له. هذا ما قد ينطبق على القرار الأمريكي بتصفية المرشد الأعلى الإيراني الذي لم يكن مجرد قائد سياسي يمكن استبداله ضمن توازنات السلطة الداخلية، بل كان يمثل أحد أعمدة الشرعية الدينية للنظام الإيراني.
لكن البعد الأكثر أهمية في هذا السياق يتعلق بموقفه من السلاح النووي. فقد كان السيد الخامنئي يتمسك بفتوى دينية تحظر تصنيع الأسلحة النووية، معتبراً أنها تتعارض مع المبادئ الأخلاقية والدينية. هذه الفتوى لم تكن مجرد موقف ديني رمزي، بل كانت عنصراً مؤثراً في النقاش الاستراتيجي داخل إيران. فوجودها كان يشكل سقفاً سياسياً وأخلاقياً يحكم مسار البرنامج النووي الإيراني.
غير أن غياب الشخصية التي كانت تمثل هذا الموقف قد يفتح الباب أمام نقاش مختلف تماماً داخل المؤسسة الإيرانية ويوقع الولايات المتحدة الأمريكية بشرّ ما اقترفت. ففي ظل حرب مفتوحة وضغوط عسكرية غير مسبوقة، قد ترى القيادة الجديدة أن الردع النووي لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة استراتيجية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: القرار الذي كان يهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي قد يصبح أحد العوامل التي تدفعها إلى تسريع تطويره!.
ثانياً: القيادة الخفية… كيف استمرت الحرب رغم استهداف كبار القادة؟
من الناحية العسكرية، حققت الضربات الأمريكية والإسرائيلية نجاحاً واضحاً في استهداف عدد من كبار قادة الصف الأول في المؤسسة العسكرية الإيرانية. فقد طالت الضربات مواقع حساسة وبنية قيادية يُفترض أنها كانت تشكل مركز القرار العسكري. لكن ما حدث بعد ذلك أربك الحسابات الأمريكية. فبدل أن تتوقف العمليات أو تتراجع، استمرت الصواريخ في الانطلاق، واستمرت الهجمات على القواعد الأمريكية في المنطقة. هذا الواقع أثار تساؤلات جدية داخل الدوائر العسكرية الغربية حول طبيعة القيادة التي تدير الحرب بعد استهداف القيادات المعروفة.
تشير بعض التقديرات إلى أن المرشد الأعلى كان قد أعد مسبقاً سيناريو التعامل مع ضربة تستهدف القيادة العليا وإذا ما فشلت المفاوضات التي كانت جارية مع أمريكا. فقد جرى تشكيل هيكل قيادة بديل يضم مجموعة من الضباط غير المعروفين استخباراتياً. هذا الهيكل القيادي صُمم بحيث يبقى خارج دائرة الرصد الاستخباراتي التقليدي، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية على الرغم من الضربات التي استهدفت القيادات المعروفة. وبذلك وجدت واشنطن نفسها أمام مفارقة عسكرية معقدة: لقد جرى القضاء على قادة الصف الأول، لكن الحرب لم تتوقف.
ففي الحسابات العسكرية التقليدية، تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً واضحاً في القدرات العسكرية والتكنولوجية. لكن التاريخ الحديث يظهر أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً الحسم السريع. من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، واجهت القوى الكبرى معضلة الحروب الطويلة التي تتحول تدريجياً إلى حروب استنزاف.
في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على تحويل المواجهة إلى حرب طويلة ترفع تكلفة الصراع على الخصم. فإيران لا تحتاج إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي كي تعتبر نفسها صامدة. يكفي أن تجعل أي تحالف يواجهها يدفع ثمناً متواصلاً: صواريخ متقطعة، توتر بحري، اضطراب في أسواق الطاقة، وضغط دائم على القواعد العسكرية الأمريكية.
ثالثاً: صراع الروايات… الحرب السياسية داخل واشنطن
لم تقتصر الحرب على الميدان العسكري، بل تمتد إلى معركة السردية السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث تتشابك الحسابات الاستراتيجية مع الضغوط الداخلية والرأي العام. فقد كشف الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ دونالد ترامب بوضوح أنه ماضٍ في الحرب سواء انضمت واشنطن أم لا. بالمقابل، نقلت مصادر أمريكية أن القرار كان أمريكياً بحتاً، وهو ما يعكس فجوة واضحة في الرواية الرسمية ويؤكد وجود جدل داخلي واسع، خصوصاً داخل القاعدة الجمهورية التي باتت أكثر تشككاً في الحروب الخارجية بعد تجربتي العراق وأفغانستان.
تضاف إلى ذلك إشكالية تصريحات ترامب حول التكاليف البشرية المحتملة، حيث ألمح إلى احتمال سقوط ضحايا من الجنود الأمريكيين، ما أثار تساؤلات حول جدوى التحرك العسكري ودرجة الاستعداد لمواجهة تداعيات طويلة الأمد. هذه الإشكالية لم تعد مجرد جدل سياسي، بل تشكل ضغطاً حقيقياً على إدارة الحرب، حيث يُعاد تقييم القرار الأمريكي ليس من منظور الاستراتيجية فحسب، بل من زاوية المخاطر المباشرة على القوات والنفوذ الداخلي للرئيس.
وفي ضوء هذه الحسابات المعقدة، حتى بعد استهداف كبار القادة العسكريين الإيرانيين واغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي، لم تتوقف الصواريخ ولم تنطفئ الجبهات. واشنطن، التي راهنت على حرب قصيرة تُحسم خلال أيام أو أسابيع، وجدت نفسها أمام واقع مختلف: حرب استنزاف طويلة النفس، ترتفع فيها كلفة المواجهة تدريجياً على خصومها، بينما إيران تفرض قوتها الإقليمية وتثبت أنها قوة لا يمكن تجاوزها في المنطقة.
تعاملت واشنطن مع المرشد الأعلى بوصفه رأساً سياسياً يمكن استهدافه ضمن منطق تغيير القيادة، لكنها أغفلت مكانته الدينية ودوره في المعارضة للتسلح النووي، على الرغم من ضغوط محيطه العسكري والسياسي. وفي الوقت نفسه، لم تحقق الضربات العسكرية الأولى الحسم المرجو، إذ أعدّت إيران نفسها منذ البداية لحرب طويلة النفس تقوم على استنزاف الخصم تدريجياً وفرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة، يثبت أن أي محاولة لإخضاعها عبر ضربات سريعة ستنتهي بحرب طويلة تستنزف خصومها وتكرّسها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
ختاماً، إنّها حرب ستعيد رسم القوى العالمية، ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن سلسلة الصراعات المعتادة في المنطقة، بل بداية مرحلة مختلفة يعاد فيها رسم توازنات القوة الإقليمية.
الولايات المتحدة الأمريكية تهوّرت عبر استهداف القيادة الإيرانية العليا ظناً منها أنها ستقضي على النظام الإيراني بضربةٍ حاسمة، لكنها تفاجأت بفتح باب مرحلة أكثر تعقيداً… الحرب مستمرة، والصواريخ ما زالت تنطلق، وأسواق الطاقة العالمية تعيش حالة قلق دائم.
فهل نحن بصدد إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسمياً أنها دولة نووية أم أن واشنطن ستبذل قُصارى جُهدها لوقف الحرب مُسبقاً أو أنها ستجد نفسها في مواجهة مصيريه لا تعرف كيف تنهيها؟!.
