إقليميات

رصد في ردود الفعل المغاربية على ضرب إيران القواعد الأمريكية

بقلم توفيق المديني

المفاجأة أنَّ إيران بعد ساعة من صدِّ الضربة الجوية، قامت بهجومٍ مضادٍ لم تشهده الولايات المتحدة من قبل سلسلة غارات جوية ضخمة ومتزامنة وذات نطاقٍ واسعٍ ضد مواقع العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، لا سيما حيفا وتل أبيب الكبرى، وكذلك على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في البلدان الخليجية العربية، والعراق.  وصرح مسؤول أمريكي لصحيفة وول ستريت جورنال بأنَّ الجيش الأمريكي مصدومٌ من قدرات إيران، التي استهدفت جميع قواعده في المنطقة. وحتى الآن، هاجم الإيرانيون قواعد أمريكية في الأردن والعراق وقطر والإمارات والبحرين والسعودية والكويت. ولدى الولايات المتحدة ما يقرب من 40 ألف جندي متمركزين في 13 قاعدة إقليمية، باستثناء القوة البحرية والجوية الكبيرة التي نشرتها مؤخرا في الشرق الأوسط. ففي 19 فبراير/شباط 2026، حذر سفير إيران لدى الأمم المتحدة الهيئة من أنَّه إذا تعرضت البلاد للعدوان، فإنَّ جميع “القواعد والمرافق والأصول القريبة للقوة المعادية… ستشكل أهدافا مشروعة”.

من أجل تبديد الالتباس فيما يتعلق بضرب إيران القواعد الأمريكية في البلدان الخليجية العربية، فإيران لم تضرب جيرانها العرب، ولم تعتدِ على سيادات الدول العربية، بل ضربت القواعد الأمريكية الموجودة لدى جيرانها العرب والتي تنطلق منها الطائرات والصواريخ الأمريكية لضرب إيران.. فلتُغلَق القواعد الأمريكية، ويرحل الجنود الأمريكيين عن أراضي الدول الخليجية العربية. وعندئذٍ لن يحدث شيء.

أثبتت الأنظمة الخليجية على اختلاف مكوناتها، التي تصدت لقيادة السياسة الرسمية العربية، في مرحلة ما بعد “انتفاضات الربيع العربي “عام 2011، أنَّهَا مصممةٌ على تفكيك ما تبقى من النظام الإقليمي العربي، واستبداله بنظم أخرى بديلة “أمريكية – صهيونية”، على غرار مشروع الشرق الأوسط الكبير، وغيرها من الصيغ التي يعد إلى إدماج قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، في قلب النظام الإقليمي العربي، وتحويل هذا الأخير إلى مشروع أو فكرة “الناتو الإقليمي” التي طرحتها إدارة ترامب الأولى سنة 2017، لتشكيل تكتل إقليمي يضم حلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة (دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر ، والأردن) إضافة إلى الكيان الصهيوني وتركيا، الذي ستكون مهمته الرئيسة مواجهة محور المقاومة و إيران.

فالنظم الخليجية استضافت القواعد الأمريكية على أراضيها، ورفضت فكرة تشكيل جيش عربي موحد بكامل عتاده لحماية الدول الخليجية في وقت الأزمات، ورفضت تشكيل مثل هذه القوة العربية المشتركة، بحجة أنَّ القواعد الأمريكية هي من تحميها عند الضرورة. لكنَّ النظم الخليجية لم تع أنَّ هذه القواعد الأمريكية المنتشرة فوق أراضيها، قد تتحول في أوقات الأزمات الإقليمية إلى سببٍ مباشرٍ لجرِّ الحرب إلى الدول التي ترفع فوق أراضيها أعلاماً أمريكية.

النظم الخليجية اعتمدت على القوة الأمريكية لحماية أمنها الوطني، غير أنَّه ثبت بالملموس أنَّ القوة الحقيقية لا تُسْتَوْرَدُ، والأمن الوطني لا يُشْتَرَى بإغداق 5 تريليون دولار على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالقوة الحقيقية تُبْنَى من داخل الدول العربية نفسها. لكنَّ الدول الخليجية راهنت في حمايتها على القواعد الأمريكية، وباتت تنتظر قرارَا من الولايات المتحدة، وأصبحت مصالحها مرتبطةً بحسابات الأمريكان و الصهاينة ، وقرارها السياسي مرهوناً بمصالح لا تملكها، ومع تَغَيُّرِ تلك المصالح، تجد نفسها وحيدةً ومعرضةً للخطر، كما يحدث الآن في ظل هذه الحرب العدوانية الأمريكية-الصهيونية على إيران.

نرصد في هذا المقال أهم ردود الفعل الرسمية و الشعبية في البلدان المغاربية، إزاء الحرب العدوانية الأمريكية – الصهيونية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدولة الإقليمية الجارة للعالم العربي، حيث يلمس المتابع لهذه الردود التباين بل التناقض بين المواقف الرسمية والمواقف الشعبية، منها.

أولاً: المغرب على الصعيد الرسمي

 قال المغرب إنه يدين بأشد العبارات “الاعتداء الصاروخي الإيراني السافر الذي طال حرمة وسلامة أراضي الدول العربية الشقيقة في كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية”.

وأفاد بيان للخارجية المغربية بأن الرباط “تعتبر هذا الاعتداء انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية لهذه الدول، ومساساً غير مقبول بأمنها، وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة”. وأعرب المغرب عن تضامنه التام “مع هذه الدول العربية الشقيقة في كل الإجراءات المشروعة التي تتخذها للرد على هذا الاستهداف، وحماية أمنها وطمأنينة سكانها والمقيمين بها”، وفق نص البيان.

في السياق ذاته، أجرى العاهل المغربي محمد السادس، السبت، عدة اتصالات هاتفية مع أمير قطر ورئيس الإمارات وملك البحرين ومع ولي العهد السعودي، حيث جدد إدانته للاعتداءات السافرة التي استهدفت سيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، ودعمه ومساندته التامة لها في جميع الإجراءات المشروعة التي تراها مناسبة، للحفاظ على وأمنها وطمأنينة مواطنيها، وفقاً لوكالة الأنباء المغربية.

ثانياً: الجزائر والموقف المرتبك من العدوان الأمريكي- الصهيوني

قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إنَّ الجزائر، التي كانت دعامة أساسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فاجأت الجميع بتجنبها إدانة العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، وتضامنها بشكل واضح مع دولة الإمارات العربية المتحدة ودول عربية أخرى، وهو تحوّل كامل مقارنة بالخط الدبلوماسي المعتاد للجزائر، بحسب المجلة.

بعد العدوان المشترك الأمريكي – الصهيوني على إيران، استقبل وزير الشؤون الخارجية الجزائري، يوم الأحد سفراء الدول العربية التي كانت “ضحية اعتداءات عسكرية في سياق موجة التصعيد الحالية في المنطقة”، وفق ما جاء في بيان وزارة الخارجية الجزائرية. وأمام ضيوفه، الذين لم تُذكر أسماؤهم، عبّر أحمد عطاف عن “التضامن الكامل للجزائر مع الدول العربية الشقيقة التي تعرّضت لهجمات عسكرية “، مؤكداً في الوقت نفسه “الرفض القاطع لأي انتهاك للسيادة الوطنية لهذه الدول الشقيقة، ووحدتها الترابية، وأمن شعوبها”.

كما شدّد رئيس الدبلوماسية الجزائرية على الدعم “المستمر للإخوة العرب في مواجهة الانتهاكات غير المقبولة التي تعرّضوا لها والأضرار البشرية والمادية الناتجة عنها”. وأضاف البيان أن الوزير أعاد التأكيد على موقف الجزائر الداعي إلى “وقف فوري لأي شكل من أشكال التصعيد وأولوية الحوار وضبط النفس، لتفادي توترات جديدة ومنع اتساع النزاع وتداعياته الخطيرة على الأمن الإقليمي والدولي”.

في اليوم الثالث للحرب العدوانية الأمريكية – الصهيونية على إيران، تتابع “جون أفريك”، دفعت التطورات الجديدة الجزائر إلى التضامن مع الدول العربية المتضررة من الهجمات الإيرانية، مع التباعد عن طهران التي كانت تتمتع معها الجزائر بعلاقات قوية. ووفق المجلة الفرنسة، لاحظ مراقبون عنصرين مهمين في بيان الخارجية الجزائرية:

أولاً: الحكومة الجزائرية لم تستنكر صراحة العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، الذي أسفر عن استشهاد المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، وحوالي أربعين مسؤولاً إيرانياً. وقد يكون ذلك محاولة للحفاظ على حساسية العلاقة مع واشنطن.

ثانياً: الجزائر لم تستنكر أو تُعبّر عن الأسف لاستشهاد المرشد الإيراني والرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، الذي قام بزيارتين رسميتين للجزائر في 2007 و2010 خلال حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

“جون أفريك”، اعتبرت أن هذا التحوّل الدبلوماسي تجاه إيران يأتي بعد أن تبنت الجزائر موقفاً معاكساً في يونيو/حزيران عام 2025 خلال حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، حيث استنكرت العدوان الإسرائيلي على مواقع عسكرية ومسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى. ورأت الجزائر حينها أن “العدوان لم يكن ممكناً دون إفلات المعتدي من العقاب”.

شكل العدوان الأمريكي – الصهيوني على إيران، إحراجاً للجزائر، فبعد انهيار حلفائها في سوريا ولبنان (حزب الله) وفنزويلا، تجد الجزائر نفسها الآن بلا سند من قبل إيران. وعلى الرغم من إصدار الجزائر بيانين رسميين مساء السبت، إلا أنها امتنعت عن إدانة الضربات العسكرية الإيرانية، ولو بشكل غير مباشر، على القواعد الأمريكية في عدد من الدول العربية التي تعتبرها “شقيقة”

ويتضح من ذلك أن الجزائر، من خلال هذه الردود الرسمية، المتأخرة والمحدودة، تمتنع عن إدانة الضربات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، التي لم تبدِ أي تضامن معها، على عكس العديد من الدول العربية الأخرى. وهذا يشير إلى وجود علاقات وثيقة للغاية بين الجزائر إيران، وقد انعكس هذا التحالف القوي أيضا في عناوين الصحف الجزائرية. وصفت جميع هذه الوسائل الإعلامية الضربات على إيران بأنها “عدوان أمريكي-إسرائيلي” (صحيفة الوطن وأوراس)، أو حتى “عدوان أمريكي=صهيوني”، كما ورد في موقع الإذاعة الجزائرية الرسمية.

ثالثاً: تونس تدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران

واستهداف طهران للدول العربية

أدانت تونس العدوان الأمريكي – الصهيوني على طهران، كما استنكرت في المقابل استهداف إيران لعدد من الدول العربية التي تستضيف قواعد أمريكية على أراضيها. وأكدت الخارجية التونسية أنها “تتابع بانشغال عميق وقلق شديد، التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة وما قد ينجرّ عنه من مخاطر اتّساع رقعة الصراع والانزلاق إلى الفوضى، فضلاً عمّا يُشكّله ذلك من تهديد جدّي للأمن والسّلم الإقليمي والدولي”. كما أكدت تمسك تونس باحترام مبدأ سيادة الدول وإدانتها “كلّ اعتداء على أراضي أيّ دولة أو انتهاك حرمتها الترابية”.

وعبرت، في هذا السياق، عن “رفضها المطلق لأيّ استهداف لأراضي دول عربية شقيقة”، معربة عن “تضامنها الكامل مع كلّ من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة العراق”.

كما دعت كافة الأطراف إلى “الوقف الفوري للعمليات العسكرية وتغليب الحكمة، والعودة إلى طاولة المفاوضات وتجنّب المزيد من التصعيد، حقنا لدماء الأبرياء والحفاظ على مقدّرات شعوب المنطقة”.

انقسمت آراء المحللين والخبراء في تونس بشأن بيان الخارجية التونسية، فهناك من يراه بأنَّه بيان حذر جداً، ويعكس موقفاً مسؤولاً ورصيناً على نحو تقاطعه مع العقيدة التقليدية للدبلوماسية التونسية على مرّ عقود وهي النأي بالنفس تفادياً لأي اصطفاف، وإن كانت البوصلة محسوبة تاريخياً على المعسكر الغربي.

وفي المقابل، اعتبر البعض الآخر أن البيان لا يعكس نأياً بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلاً بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه والتفادي “غير المبرر” حتى في ذكر أطراف العملية العسكرية بما يفرغ الموقف من وضوحه السياسي دوناً عن الوضوح الأخلاقي أيضاً.

رابعاً: موريتانيا، البيان الرسمي يوازن الحسابات

جاء الموقف الرسمي الموريتاني أكثر اتزاناً، جامعاً بين التعبير عن القلق والدعوة إلى التهدئة، مع إدانة صريحة للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن. وجاء في بيان وزارة الشؤون الخارجية الموريتانية “أن نواكشوط تتابع بقلق بالغ التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط، إثر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

كما أعربت الوزارة في ذات البيان، عن “إدانتها الشديدة للاعتداءات الإيرانية على ما سمته الدول العربية الشقيقة: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، ومملكة البحرين، والمملكة الأردنية الهاشمية”، مؤكدة “تضامن الجمهورية الإسلامية الموريتانية غير المشروط مع هذه الدول الشقيقة”.

وعلى المستوى الشعبي، خرجت المبادرة الطلابية الموريتانية لمقاومة الاختراق الصهيوني والدفاع عن القضايا العادلة في مظاهرة حاشدة أمام السفارة الأمريكية في نواكشوط.

وردد المشاركون شعارات غاضبة تندد بالهجمات، معتبرين أنها “عدوان صهيو-أمريكي يستهدف أمن المنطقة”. وأدانت المبادرة وفي بيان لها “الاعتداء الغادر على جمهورية إيران الإسلامية”، وأعلنت “تضامنها الكامل مع الشعب الإيراني”، داعية إلى “تصعيد الحراك الشعبي المناهض للكيان الصهيوني”، مع مناصرة ما وصفته بمحور المقاومة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، تصدّر عدد من العلماء والدعاة الموريتانيين بينهم الشيخ محمد الحسن الددو ومحفوظ ولد الوالد، حراكاً مضاداً للولايات المتحدة و”إسرائيل “وداعما لإيران، تمخض عن إصدار بيان تناول الحرب الجارية في منطقة الخليج، واعتبرها “حرباً صليبية صهيونية جديدة تستهدف في مآلاتها الإسلام ومقدرات الأمة وثقلها الحضاري والديمغرافي”.

ودعا الموقعون على البيان “لاستنكار العدوان ورفضه”، مؤكدين “أن استهداف إيران من قبل تحالف دولي يمثل استهدافاً خارجياً لبلد مسلم”، مع تسجيلهم في الوقت ذاته تحفظات على” سياسات النظام الإيراني في بعض الساحات الإسلامية”، ورفضهم كذلك لأي استهداف لدول الخليج العربية من قبل إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *