إيران تحتوي الصدمة.. رد من خارج الحسابات وتوقعات بفشل العدوان
بقلم ابتسام الشامي
بعد أيام على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، صدمة في واشنطن وتل ابيب، فالعدوان الذي افتتح باغتيال قائد الثورة الإسلامية الامام السيد علي الخامنئي..
لم يلامس تقديرات العدو بانهيار سريع للنظام أو بالحد الأدنى إحداث شروخات عميقة تطال بنيانه، وسط تصاعد مؤشرات دالة على تورط الولايات المتحدة الأمريكية في حرب أدت في نتائجها الأولى إلى تهديد جدي للوجود الأمريكي في منطقة غرب آسيا.
طهران تحتوي الضربة الأولى
لم ينتظر الحرس الثوري الإيراني طويلاً قبل أن يبادر صبيحة السبت في الثامن والعشرين من شباط الماضي إلى الرد على العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك، وخلال نحو ساعتين من بدء العدوان الذي استهدف قائد الثورة الإسلامية ومعه عدد من القادة العسكريين والأمنيين، إضافة إلى مراكز حكومية وعسكرية وأخرى مدنية بما فيها المدارس والمستشفيات، كانت صواريخ الغضب الإيرانية تصيب أهدافها بمستوى عال من الدقة في كيان العدو، وكذلك في القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. على أن الرد المزلزل بعد وقت قصير من بدء العدوان، لم يعبّر عن سرعة احتواء طهران الضربة الأولى فحسب، وإنما عن خطة معدة مسبقاً جرى تفعيل أدواتها التنفيذية، والانتقال بها من مرحلة إلى أخرى. هكذا أفشلت سرعة المبادرة الإيرانية أهداف العدوان، وحولته من تهديد للجمهورية الإسلامية إلى تهديد لأعدائها، وحلفائهم في المنطقة.
ومع دخول حلفاء إيران في المعركة، وتوسع الرد الإيراني على العدوان ليطال المصالح الأمريكية، تسارع تهاوي السردية الأمريكية للحرب بكونها خيار الضرورة، لتبدأ الأسئلة الصعبة عن مخاطرها وتداعياتها التي تطال الغرب الجماعي وامتداداته في الدول التي ارتضت أن تكون أداة في مشروع الهيمنة الاستعمارية في بلادنا.
في هذا السياق، تفيد صحيفة “واشنطن بوست”، نقلاً عن مصدر مطلع، بأن الاستخبارات الأمريكية لم ترصد أي مؤشرات على انتفاضات أو انشقاقات في إيران. وتؤكد الصحيفة، أن “سيطرة النظام في إيران كاملة”، ما يعني عملياً فشل “الضربة” الأولى على قساوتها في خلخلة بنيان النظام الإيراني. وهو ما أجمعت عليه الصحف الأمريكية ومنها نيويورك تايمز التي انتقدت “خفة” الرئيس الأمريكي في التعامل مع قرارات مصيرية كالحرب على إيران، وحذرت الصحيفة مما سمته “خطاب التحرير الرخيص” في إيران، في إشارة إلى النداء الذي أطلقه الرئيس الأمريكي يوم بدء العدوان المشترك مع تل أبيب، عندما دعا الإيرانيين إلى تولي زمام الحكم. وفي مقال بعنوان “ترامب يلعب لعبة خطيرة بإيران”، قال الكاتب بيتر كلاين إن الكلمة التي وجهها ترامب إلى الإيرانيين – مع بدء إلقاء القنابل على طهران – كانت نداءً ملهِماً يستحضر حلم الديمقراطية والتحرر، لكنه ليس الأول من نوعه بل حلقة من نداءات عديدة في الماضي غالباً ما تنتهي بكارثة”. وإذ ذكّر الكاتب بسوابق دولية لتدخلات أمريكية راهنت على تحركات شعبية في الدول المستهدفة بالتغيير، أقر بوجود عقبات هائلة تحول دون تحقيق آمال ترامب، من بينها عدم وجود حركة معارضة واضحة بالموازاة مع وجود مؤسسات قوية داعمة للنظام على رأسها الحرس الثوري. ونقل الكاتب عن محللين عسكريين تأكيدهم أنه من دون وصول أسلحة أو قوات برية، فإن فرص نجاح التمرد في إيران تبقى ضئيلة، فضلاً عن تشكيك العديد من الإيرانيين في نوايا أمريكا، إذ يتذكرون تدخلها لتغيير النظام عام 1953 عندما ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في الإطاحة بالزعيم المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة. ويخلص الكاتب الأمريكي إلى القول إن خطاب التحرير رخيص، لكن ثمن تحقيقه على أرض الواقع باهظ، وهو ما تبين جلياً طوال قرن تقريباً من السياسة الخارجية الأمريكية. داعياً المعارضين الإيرانيين إلى أن يعوا ذلك جيداً قبل أن يراهنوا على التزام الولايات المتحدة.
الجمهور الأمريكي منقسم
وفي مقابل الجمهور الإيراني الذي أفشل أهداف العدوان بوحدته، ينقسم الجمهور الأمريكي إزاء قرار الحرب والتورط فيها مع العلم المسبق بتداعياتها الخطيرة، وهو ما رصدته صحيفة لوموند. وتحت عنوان “إيران.. ترامب في مواجهة خطر حرب غير شعبية”، لاحظت الصحيفة الفرنسية أنه خلافاً لما يمكن توقعه، فإن إيران، التي ترسخت صورتها في الرأي العام الأمريكي بوصفها “الدولة المارقة” منذ احتجاز 52 دبلوماسياً أمريكياً مدة 444 يوماً في طهران عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لا يلقى اليوم استهدافها العسكري إجماعاً داخل الولايات المتحدة. وبحسب الصحيفة فإن ضعف التأييد الشعبي، وفق استطلاعات متقاربة، للعدوان الواسع الذي قرره ترامب بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ضد النظام الإيراني، يُعد أمرا مفاجئاً ويشكل في الوقت ذاته تحذيراً للرئيس الأمريكي.
وأوضحت الصحيفة أن ترامب لا يمكنه إلقاء اللوم إلا على نفسه، إذ عجز عن تقديم تفسير مقنع ومتسق لهذه الحرب المختارة فقد تعددت مبرراته بشكل بدا متناقضاً أحياناً، بما في ذلك حديثه عن “تهديدات وشيكة” لم يقدم عليها أدلة واضحة في الساعات الأولى بعد بدء الهجوم.
ورأت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي الذي دأب على انتقاد ما وصفه بمغامرات أسلافه في الشرق الأوسط، كان يدرك أن إقناع الرأي العام يتطلب جهداً توضيحياً كبيراً. وإذ زعمت أن الجيش الأمريكي ما يزال يتمتع بتفوق ساحق يحد من آثار الردود الإيرانية، إلا أنه “يواجه خصماً صامداً يسعى إلى توسيع رقعة النزاع إقليمياً لإضعاف واشنطن”. محذرة من أن الاقتصاد العالمي بدأ يتأثر بالفعل بالحرب، وأن التداعيات مرشحة للتفاقم، حيث أن الضربات المكثفة المتراكمة تُحدث أثراً استنزافياً لا ينبغي الاستهانة به.
العدوان مآله الفشل
وفي قراءة لتداعيات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، رأت صحيفة الغارديان أن الحرب خرجت سريعاً من إطارها وأصبحت إقليمية. وذلك بعد “أن ردت إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل، وهاجمت البحرين والكويت والسعودية وقطر والإمارات التي تستضيف قواعد أمريكية. وحذّرت من احتمال تصعيد أكبر عبر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، ما قد يطلق موجات صدمة اقتصادية عالمية.
وأمام تبرير سياسي ضعيف للعدوان، وقوة نارية إيرانية كبيرة أعادت خلط الأوراق على مستوى المنطقة، فإن عدداً من الخبراء والمحللين السياسيين يستنتجون على نحو مسبق فشله ليس في تحقيق الأهداف بل في دفعه الأمور في المنطقة إلى ترتيب سياسي جديد لا تتمتع فيه الولايات المتحدة بالمكانة التي كانت عليها قبل بدئه. وفي هذا السياق تقول صحيفة “الإيكونيميست”، إن “الرئيس الأمريكي أقدم في صباح 28 شباط على قصف إيران بموجات متتالية من الصواريخ والقنابل بالتنسيق مع إسرائيل، على الرغم من إدراك الجميع – بما في ذلك البنتاغون – وأعضاء إدارته. أن نتيجة الحرب شديدة الغموض”.
وبحسب الصحيفة فإن “الضربات قد تقود إلى فوضى وسفك دماء إضافي. وعلى الرغم من هذه المخاطر، اختار ترامب خوض المغامرة بحماس واضح”. وكتبت الصحيفة أن “ترامب وفي تبريره للهجوم بعد بدئه مباشرة، بدا وكأنه يسعى لتحقيق كل الأهداف دفعة واحدة: القضاء على تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية، إنهاء البرنامج النووي، والدعوة إلى انتفاضة داخلية تدفع الشعب الإيراني وأجهزة الأمن إلى الانقلاب على النظام”. وعلى الرغم مما وصفته بـ “النجاح” الأولي اغتيال الإمام الخامنئي فإنها حذرت من أن “النتائج قد لا تسير كما يريد ترامب. على المدى القصير، قد تلحق إيران دماراً واسعاً عبر استهداف مدن في البحرين والكويت والأردن وقطر والسعودية والإمارات، وهي دول تعتمد على الاستقرار لضمان ازدهارها، كما قد تضرب قواعد أو سفناً… كذلك يمكن لإيران أن ترفع أسعار النفط إلى 100 دولار أو أكثر عبر استهداف الحقول أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز”. أما على المدى الأبعد، فتتحدث الصحيفة عن احتمال فشل الضربات بصورة أعمق. “فالنظام الإيراني كان يستعد منذ سنوات لمرحلة ما بعد خامنئي، والسلطة حالياً بيد مجلس ثلاثي، وقد يخلفه شخصية متشددة أكثر قسوة، وقد يواصل تخزين الصواريخ الباليستية، مدركاً أن شن حرب جديدة لأجلها فقط سيكون صعب التبرير، بل قد يخلص إلى أن امتلاك سلاح نووي، على غرار كوريا الشمالية، هو الضمان الوحيد لردع الهجمات”. فضلاً عن احتمال آخر “يتمثل في انهيار الدولة إلى فوضى أو حرب أهلية تمتد آثارها خارج الحدود، مع تساؤلات خطيرة حول مصير مخزونات اليورانيوم المخصب”.
وسط هذا التقدير المتشائم لنتائج الحرب تعود الصحيفة إلى السؤال الأهم، ما هي “دوافع ترامب لقبول هذا القدر من المخاطرة، على الرغم من أن قاعدته الشعبية تميل إلى رفض الحروب، خصوصاً في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط قد يثير غضب ناخبي حركة “ماغا” قبيل الانتخابات النصفية؟.
خاتمة
مع استيعاب طهران الضربة الأولى ومبادرتها إلى الرد على العدوان بشكل آخذ في التوسع ضد العدو الصهيوني وقواعد أمريكا العسكرية ومصالحها في المنطقة، تتضاءل آمال واشنطن وتل أبيب بتحقيق أهداف العدوان، وتتقدم على ذلك أسئلة المخاطر والتداعيات والمحاسبة الداخلية في صناديق الاقتراع.
