من الحرب الخاطفة إلى الزمن المفتوح: مأزق القوة الأحادية
بقلم د. محمد الايوبي
لم تُبنَ الاستراتيجية الأمريكية – “الإسرائيلية” في هذه الجولة على فرضية الحرب الطويلة، بل على رهان الصدمة المركّزة: قطع “رأس القيادة”، إرباك منظومة القرار، تحفيز اضطراب داخلي متزامن، ثم فرض وقائع سياسية جديدة خلال أيام معدودة. هذا هو منطق “الحرب الخاطفة” حين تصدر عن قوةٍ تعتقد أن تفوقها التكنولوجي والاستخباري كافٍ لكسر إرادة الخصم قبل أن يستعيد توازنه.
غير أن الانتقال السريع من منطق الأيام إلى منطق الأسابيع، وربما الأشهر، يكشف أن الرهان الأول لم يُفضِ إلى نتيجته المرجوة. هنا تحديداً يبدأ مأزق القوة الأحادية: حين تعجز عن تحويل التفوق العملياتي إلى حسمٍ استراتيجي، وتجد نفسها مندفعة إلى إدارة زمنٍ مفتوح، تتآكل فيه مزاياها تدريجياً.
من “الأيام الستة” إلى وهم التكرار
حين شنّت “إسرائيل” حرب حزيران عام 1967 على مصر وسوريا والأردن، فيما عُرف عربياً بـ “النكسة”، راهنت على نموذج “الأيام الستة”: ضربة جوية استباقية تُشلّ سلاح الجو، تتبعها مناورة برية سريعة تحسم الميدان قبل أن يستوعب الخصم ما جرى. في تلك الحرب، كان عنصر المفاجأة، والتفوّق الجوي المطلق، وغياب منظومات إنذار مبكر متطورة، عوامل مكّنت تل أبيب من تحقيق نصر خاطف غيّر خريطة المنطقة خلال أقل من أسبوع.
المفارقة أن العقل الاستراتيجي “الإسرائيلي” حاول استحضار النموذج نفسه في المواجهة مع إيران: ضربة مركّزة تطال القيادة والبنى الصاروخية، تُحدث صدمة تشلّ القرار وتفتح الباب لانهيار متسلسل. غير أن الفارق البنيوي بين السياقين هائل؛ فإيران ليست جبهة تقليدية بجيش مكشوف في مطاراته، بل دولة بنت عقيدتها على امتصاص الضربة الأولى، ووزّعت قدراتها الصاروخية تحت الأرض، وطوّرت شبكة ردع إقليمية متعددة الساحات. في 1967 كان الحسم نتاج تفوق جوي في بيئة عربية مفككة سياسياً وعسكرياً؛ أما في الحالة الإيرانية، فإن محاولة تكرار “الحرب الخاطفة” اصطدمت بخصم يتوقع الضربة ويُعدّ لها، ما حوّل الرهان على الساعات أو أيام إلى اختبارٍ مفتوح على زمن الاستنزاف.
رهان الصدمة وحدود المفاجأة
الرهان الأمريكي استند إلى توسيع بنك الأهداف ليشمل دوائر القيادة العليا، على أمل أن يؤدي ذلك إلى شللٍ هرمي داخل الدولة. الفرضية كانت واضحة: إذا أحدثت الضربة الأولى فراغاً كبيراً، فإن إعادة ملئه تحتاج إلى وقتٍ أطول من قدرة النظام على الاحتمال، خصوصاً إذا تزامنت مع محاولات تحريك الداخل.
لكن ما جرى أظهر أن طهران انتقلت من نموذج الاستجابة المتتالية – كما حدث في جولة حزيران 2025 – إلى نموذج الاستجابة المتزامنة. أي أن إجراءات تثبيت الداخل، وتعيين البدائل القيادية، وإطلاق الردود الصاروخية، جرت في لحظة واحدة تقريباً. هذا التحول أسقط عنصر المفاجأة بوصفه ورقة حاسمة، وأعاد تعريف المعركة بوصفها صراعاً على الزمن لا على اللحظة.
التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية منذ 1979 تكشف نمطاً ثابتاً: امتصاص الضربة الأولى، ثم إعادة إنتاج القيادة بسرعة. اغتيالات الثمانينيات، الحرب مع العراق، العقوبات الممتدة، كلها صاغت بنية مؤسساتية تتعامل مع “فقدان الرأس” كاحتمالٍ قائم لا ككارثة غير متوقعة. وهذا ما يجعل الضربة الخاطفة أقل فاعلية مما يُتصوّر خارجياً.
عتبات الاحتمال: إدارة الألم لا تجنبه
في الحروب غير المتكافئة، لا يُقاس النصر بعدد الطلعات الجوية ولا بحجم النيران فقط، بل بقدرة كل طرف على إدارة الألم. هناك ما يمكن تسميته بـ “عتبة الاحتمال”: الحدّ الذي تبدأ بعده الكلفة بالتأثير على الإرادة السياسية.
الولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان إلى رفع كلفة الصمود الإيراني عبر ضرب البنى التحتية، استهداف مخازن الصواريخ، ومحاولة تحويل القيادة المركزية إلى نمطٍ فسيفسائي معزول. في المقابل، تعمل إيران على رفع الكلفة المضادة: إبقاء العمق “الإسرائيلي” تحت ضغط دائم، استهداف القواعد الأمريكية لتقليص فاعليتها، وفتح المجال البحري كورقة استراتيجية.
هنا يبرز دور مضيق هرمز بوصفه متغيراً حاكماً في “الاقتصاد السياسي للحرب”. حتى من دون إعلان إغلاق رسمي، يكفي تهديد الملاحة لرفع أسعار النفط وإعادة تسعير المخاطر عالمياً. الاقتصاد الأمريكي، على الرغم من اكتفائه النسبي من النفط الصخري، يظل حساساً لموجات التضخم المرتبطة بالطاقة. وكل ارتفاعٍ في الأسعار يضغط على سياسات الفائدة، ويزيد الكلفة السياسية لأي حرب طويلة.
إدارة الألم هنا متبادلة: واشنطن تراهن على إنهاك الاقتصاد الإيراني وتحويله من اقتصاد حصار إلى اقتصاد حرب شامل؛ وطهران تراهن على أن رفع كلفة الطاقة واضطراب الأسواق سيحفّزان حلفاء واشنطن – عرباً وأوروبيين وآسيويين – للضغط باتجاه احتواء الصراع.
من تغيير النظام إلى تعديل السلوك
واشنطن تمتلك تاريخاً طويلاً في إسقاط الأنظمة أو إعادة هندستها، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط. هذا الإرث صنع صورة ذهنية مفادها أن التفوق الأمريكي، إذا اقترن بقرار سياسي، كفيل بفرض التغيير. غير أن الحالة الإيرانية لطالما استعصت على هذا النموذج.
في الجولة الراهنة، بدا أن الهدف الفعلي لم يعد “تغيير النظام” بقدر ما هو “تغيير السلوك”، أي فرض قيود صارمة على الدور الإقليمي والبرنامج الصاروخي، وربما النووي. لكن الإشكالية أن أدوات الضغط نفسها – حين تطول – تعيد إنتاج سردية “الحرب المفروضة”، وتمنح النظام مساحة تعبئة داخلية أكبر.
التباين بين واشنطن و “تل أبيب” حول سقف الأهداف يزيد المشهد تعقيداً. الإدارة الأمريكية قد تفضّل نهاية تُبقي النظام مع تعديل سلوكه، تجنباً لسيناريو الفوضى. أما الرؤية “الإسرائيلية” فتميل إلى اعتبار تفكك إيران أو إضعافها البنيوي مكسباً استراتيجياً بحد ذاته، حتى لو طال أمد الحرب.
دخول “بي-2” وتصعيد النوعية
دخول القاذفة الاستراتيجية 2B- Spirit إلى مسرح العمليات يمثل مؤشراً نوعياً على انتقال المواجهة من مستوى الحدة المنخفضة إلى المتوسطة، وربما الاستعداد لرفعها. هذه القاذفة قادرة على حمل قنابل خارقة للتحصينات من طراز 57GBU-، ما يشير إلى احتمال استهداف مواقع صاروخية أو منشآت محصنة تحت الأرض.
غير أن استخدام هذه الأداة لا يعني بالضرورة حسم المعركة. فاستهداف البنية التحتية الصاروخية قد يحدّ من وتيرة الرد، لكنه لا يلغي القدرة الكامنة ولا الشبكات البديلة. كما أن غياب استهداف مباشر واسع للمواقع النووية حتى الآن يعكس تردداً في رفع سقف المواجهة إلى مستوى قد يستجلب ردوداً إقليمية أوسع.
الـ 72 ساعة الأولى في مثل هذه الحروب غالباً ما تحدد الإيقاع، لكنها لا تحدد النتيجة. فإذا استمرت إيران في إطلاق الصواريخ بوتيرة منتظمة، فإنها تُبقي معادلة الردع المتبادل قائمة، وتمنع واشنطن من إعلان “نجاح سريع”. وإذا انخفضت الوتيرة نتيجة ضربات مركزة، فقد يُقرأ ذلك كمؤشر على اقتراب مرحلة تفاوضية، ولو غير معلنة.
حروب الجيل السادس والزمن كعامل حاسم
المواجهة الحالية لا تشبه الحروب البرية التقليدية. إنها مزيج من الطيف الكهرومغناطيسي، الحرب السيبرانية، الذكاء الاصطناعي، القاذفات بعيدة المدى، والصواريخ الدقيقة. في هذا النمط، لا تكون السيطرة على الأرض هي الهدف المباشر، بل السيطرة على الإيقاع.
الوقت هنا عنصر حاسم. كل يوم إضافي يختبر قدرة المخازن على الصمود، وسلاسل الإمداد على الاستمرار، والرأي العام على الاحتمال. بالنسبة إلى إدارة أمريكية يقودها رئيس لا يرغب في حرب طويلة مكلفة سياسياً، يصبح الزمن خصماً لا حليفاً.
في المقابل، تراهن طهران على أن اقتصاد الحرب – على الرغم من قسوته – قابل للإدارة ضمن منظومة اعتادت العقوبات. بل إن الحرب قد تعيد ترتيب الأولويات وتُعزز شبكات الاكتفاء الذاتي، ولو مرحلياً.
نقل المعركة وتوسيع الدائرة
قبل اندلاع المواجهة، حذرت إيران من أن أي حرب لن تبقى داخل حدودها الجغرافية. هذا المبدأ ركنٌ في عقيدتها الأمنية: نقل الضغط إلى ساحات متعددة لتشتيت التركيز وتقاسم الكلفة. اتساع رقعة الاشتباك إلى أكثر من ساحة إقليمية، ولو بدرجات متفاوتة، يعكس تطبيق هذا المفهوم.
فتح جبهات بحرية في البحر الأحمر، أو إبقاء باب المندب على صفيح ساخن، يعمّق معادلة “الاقتصاد مقابل الأمن”. فالممرات البحرية ليست شأناً محلياً، بل عقدة في شبكة التجارة العالمية. وكل تهديد لها يستدعي حسابات دولية أوسع، من أوروبا إلى شرق آسيا.
مأزق القوة الأحادية
المأزق لا يكمن في القدرة على التدمير، بل في القدرة على تحويل التدمير إلى نتيجة سياسية مستدامة. القوة الأحادية تفترض أن التفوق العسكري كافٍ لفرض الإرادة. لكن حين يتحول الصراع إلى استنزاف متبادل، يصبح التفوق عبئاً إذا لم يُترجم إلى حسم.
إذا انتهت هذه الحرب من دون “صك إذعان”، ومن دون انهيار داخلي، فإن مجرد الصمود الإيراني سيُعدّ سابقة في كسر صورة التفوق المطلق. لا يعني ذلك هزيمة واشنطن عسكرياً، بل اهتزاز صورتها كقوة قادرة على فرض النتائج بسرعة.
التاريخ يُظهر أن الهيمنة لا تتآكل بضربة واحدة، بل بسلسلة من الحروب غير المحسومة. من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، كانت المشكلة في إدارة ما بعد الضربة، لا في الضربة نفسها. في الحالة الإيرانية، يتكرر السؤال: ماذا بعد الصدمة الأولى؟
بين الحرب المفتوحة والتسوية المؤجلة
مع دخول الحرب أسبوعها الأول، بات واضحاً أننا أمام زمن مفتوح، لا أمام حملة خاطفة. الضربات المتبادلة مستمرة، والوتيرة مرشحة للتصاعد أو الانخفاض وفق نتائج الأيام المقبلة. لكن الثابت أن منطق الأيام القليلة قد تراجع.
إيران تعلن استعدادها لحرب طويلة، وتتعامل مع المعركة بوصفها “خاتمة الحروب” لا “أم المعارك”؛ أي مواجهة فاصلة تعيد رسم التوازنات الإقليمية. أما واشنطن فتجد نفسها بين خيارين: تصعيد قد يجر المنطقة إلى انفجار أوسع، أو احتواء تدريجي يفتح الباب لتسوية تحفظ ماء الوجه.
في هذا المفترق، يصبح السؤال الجوهري: هل تستطيع القوة الأحادية أن تفرض إرادتها في زمنٍ لم تعد تتحكم بإيقاعه؟ أم أن الانتقال من الحرب الخاطفة إلى الزمن المفتوح هو بذاته إعلان غير مباشر عن حدود الهيمنة؟.
الجواب لن يتحدد بعدد القنابل ولا بعدد الصواريخ، بل بقدرة كل طرف على عبور عتبة الاحتمال الخاصة به. وحين تصبح إدارة الزمن أهم من إدارة النيران، يبدأ ميزان القوة في التحول… ولو ببطء.
