إقليميات

حربٌ ستُغيّر وجه الشرق الأوسط.. أُفولٌ أمريكي وانهيار لدول الخليج العربي!

بقلم زينب عدنان زراقط

وبعد جرّ الاعتداءات الإسرائيلية المعركة من المنحى العسكري إلى البُنى التحتية المدنية، وصولاً إلى قلب موازين المُعادلة لحرب طاقة عالمية يطال تأثيرها كل دول العالم، بدأت الصرخات تعلو…

نعم، وإنّه لمن الطبيعي أن يكون المُقابل لتدمير كُلّ المصالح الأمريكية العسكرية والاقتصادية واللوجستية التي عملت على بنائها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقودٍ من الزمنِ في الإقليم والدول العربية، ارتقاء ثلةٌ من خيرة عباد الله والقادة العظماء تحقيقاً لهذا التطهّر والتحرّر، دفاعاً عن الدين والوطن، هو من أسمى درجات الإيثار والتضحية: الشهادة في سبيل الله. هؤلاء الفدائيون الذين آثروا عتق الرقاب على الدنيا، شكلوا خطراً محدقاً بأمريكا والعدو الصهيوني لقولهم “لا” بوجه غطرستهم، مستشهدين بقول سيد شهداء الجنة الإمام الحسين (ع): “إني لا أرى الموتَ إلا سعادةً، والحياةَ مع الظالمين إلا بَرَماً”، فاستهدفوهم وقتلوهم ظناً منهم أن يكتموا صوتهم، فإذا به قد علا أكثر وأكثر…

فكيف ستغير الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل وجه الشرق الأوسط، بـ انهيار دولٍ- وسقوط عروش ملوكٍ – وأُفولٍ أمريكي يقطعُ دابر الوصاية عن لبنان وعملاء الداخل -؟!

هل دخول أنصار الله – اليمن المُرتقب في المعركة لدعم محور المقاومة – يضع المنطقة أمام معادلة اقتصادية إضافية عبر إغلاق مضيق باب المندب؟ وأيُّ تهديد سيُلحقهُ بالسعودية عند حدوده وصولاً إلى الكيان الإسرائيلي؟! وماذا ستكون عواقب إغلاق مضيق باب المندب على الاقتصاد العالمي إذا كان العالم لا يحتمل حتى إغلاق مضيق هرمز لوحده؟! هل العالم على شفا أزمة اقتصادية غير مسبوقة؟.

الخليج “كَبشُ فِداءٍ” بالنسبة لأمريكا وإسرائيل

أُعتُبرَ الهجوم على المنشآت المدنية للطاقة في إيران انتحاراً استراتيجياً للعدو، وانقلاباً رئيسياً في المواجهة. إذ يعكُس الفشل الاستراتيجي والانهيار النفسي أمام قوة إيران الدفاعية والصاروخية، ما اضطر الخُصوم لاستهداف البُنى التحتية المدنية والاقتصادية. هذا التصرف الانتحاري ليس مجرد عمل عسكري، بل بداية مرحلة جديدة من الحرب تتحول فيها المعادلة من مواجهات محدودة إلى حرب اقتصادية كاملة، مانحاً إيران الحق الكامل في الرد بالمثل على أي اعتداء.

إن الرسالة الأساسية لهذه الضربات واضحة: أمن الطاقة في المنطقة أصبح صفراً، والأسواق العالمية للطاقة ستتأثر مباشرة. هيئة البث العبرية نقلت أن المنشأة المستهدفة في بوشهر تتعامل مع 40% من الغاز الإيراني، بينما أفاد إعلام العدو بأن ترامب هو من أعطى دعماً كاملاً لهذا الهجوم. ما استدعى المُتحدث المركزي لقوات خاتم الأنبياء التصريح مُهدداً المنشآت التي تمثل مصدر الغزو أنها “ستُحرق وتُسوى بالأرض في أقرب فرصة”.

لم تتأخر إيران بالرّد، وشنّت ضربات قاتلة لعدد من المنشآت التي أعلنت أنها أصبحت أهدافاً مشروعة في الخليج وأنذروا موظفيها بالإخلاء، منها حقل الغاز الحصن في الإمارات، ومجمع البتروكيماويات وشركة مسيعيد القابضة التابعة لشركة CHEVRON في قطر، مجمع الجبيل للبتروكيماويات ومصفاة سامرف في المملكة العربية السعودية ومصفاتي مينائي عبد الله والأحمدي في الكويت. وقد أظهرت الأقمار الصناعية آثار الضربات على تلك المصافي والحقول في قطر مع تصاعد كثيف للدخان وأضرار واسعة، حتى عُلّق العمل في أغلبها أو أُعلنت خارج الخدمة كُلّياً. في هذا السّياق نذكر تعليقَ حمد أبو مسمار، الناشط الحقوقي والسياسي، أنه “استغرق بناء دبي 40 عاماً، وسوف تنهار في 40 يوماً فقط”، مُشيراً إلى مغامرات نتنياهو الهارب من العدالة الدولية بسبب جرائمه في غزة، وترامب الهارب من فضائح ملفات جيفري إبستين.

الضربات في المنطقة الشرقية بالسعودية أظهرت أثرها على معامل الغاز، والشرق هو الأكثر استهدافاً لاحتوائه على منشآت عسكرية كبيرة، مطارات، قواعد بحرية، وقواعد جوية يتركز فيها الجيش الأمريكي مثل قاعدة عبد العزيز البحرية والجوية، إضافة إلى منشآت دفاع جوي وأنظمة باتريوت. المملكة العربية السعودية وخلفية مواقفها التي لطالما تدخلت سياسياً بحكومات الدول في الإقليم، ناطقةً باللسان العبري وضاربةً باليد الإسرائيلية لتنفيذ مخُططات العدو في بُلداننا، وما تُخفيه الاستخبارات والموساد لأدهى، عن تورّطهم بشبكة عملاء أسفرت عن اغتيال قادة المقاومة اللبنانية وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة “السيد حسن نصرُ الله”.

 وما قد أثار الجدل هو ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية حول أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب من ترامب مواصلة مهاجمة إيران بقوة، مُكرراً نصيحة الملك عبد الله الراحل: “اقطع رأس الأفعى التي تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل”، ليظهر أن هناك إشارات على ردة فعل مرتقبة. حقيقةً، تواجه الأنظمة الخليجية الآن تحدياً متصاعداً في ظل التحولات الإقليمية وانعدام أوهام الحماية التي توفرها الولايات المتحدة. كما يقول إيليا ج. مغناير، الصحفي والمحلل السياسي والعسكري الأمريكي: “الولايات المتحدة تخذل حلفائها في الخليج، فهي لا تحميهم، ولا تمنع إسرائيل من مهاجمة الأصول المرتبطة بقطر وإيران، وهي على استعداد لاستخدام أراضي الخليج لشن الحرب. مع العلم تماماً أن إيران سترد. وفي الوقت نفسه، تركز الدفاعات الصاروخية على إسرائيل والأردن والبحر الأبيض المتوسط، ما يجعل دول الخليج عرضة للعواقب”.

في خِضمّ هذا المحفل، يبرُز دور اليمن “حركة أنصار الله الحوثيون”، التي ما تزال تمثل ورقة استراتيجية مؤجلة، قادرة على الانخراط بقوة في المعادلة، سواء عبر تعزيز الضربات على منشآت الطاقة السعودية مثل أرامكو، أو التمهيد لهجوم بري واشتباكات على الحدود، والمُحتّم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية عبر مضيق باب المندب، علماً أن الاقتصاد العالمي مهدد بالركود نتيجة إغلاق مضيق هرمز. الخليج أمام معادلة دقيقة: إما الاستمرار في التصعيد، أو إعادة التموضع لتفادي مواجهة مفتوحة قد تغيّر موازين القوى.

على كلٍ، هذا التحوّل حتمي، سواء أثناء الحرب أو بعد انتهائها. دول الخليج، التي يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على موارد الطاقة والسياحة، تواجه خطر التدمير الكامل، في حين يصبح التعويل الأكبر على أحرار شعوب هذه الدول، كي ينقلبوا على ملوك دولهم الذين جُلبوا أساساً بوصاية أمريكية كي يستغلوهم وينهبوا ثرواتهم. عندها، تسقُط العروش، ويتحرر معتقلو الرأي العام من الناشطين ودعاة الدين الذين تسجنهم السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن خشية أي صوت يهدد سلطتهم، لتظهر قوة جديدة قادرة على إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة. ويحق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَيَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾.

“حزب الله” مقابل دولة تضع يدها بيد العدو

لا بُدَّ هاهُنا من أن نعرُجَ على لُبنان، الذي هو أيضاً من الدول التي سوف يسقط ساستها المتآمرون مع أمريكا على وجوههم! إذ أنه في خضم العدوان الذي تقوده إسرائيل بدعم مباشر من الولايات المتحدة، يشهدُ لبنان حالة مركّبة تجمع بين الصمود الميداني والارتباك السياسي. فبينما يسعى محور المقاومة إلى تثبيت معادلة ردع واضحة، تتكشف مسارات تفاوضية حساسة تجري تحت الضغط من خلف الستار.

في هذا الإطار، يُشار إلى أن التفاوض لا يتم بشكل غير مباشر فحسب، بل يُطرح على أنه يُجري بشكل مباشر مع إسرائيل داخل أُطر دبلوماسية. ومن أبرز ما يُتداول تسريب بعض المصادر الدبلوماسية السياسية، أن هناك اجتماعات يومية داخل السفارة الأمريكية في عوكر – لُبنان منذ حوالي الأسبوعين بين فريق عمل وفد من قِبل رئيس الحكومة نواف سلام وفريق عمل إسرائيلي وأمريكي بغية الاتفاق على بنود نهائية وليست مؤقتة مع لبنان، أي أن “فخامة الدولة اللبنانية وطنية العُروبةِ” تسعى بكل ما أوتيت لتحقيق مكسب إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل على عجلٍ، ظناً منهم أن ذلك سيحميهم ويحفظ لهم كراسيهم بعد انتهاء الحرب.

يعكس هذا الطرح حجم الجدل حول طبيعة هذه الاتصالات، وما إذا كانت تمهّد لمرحلة جديدة تُفرض على لبنان في ظل التصعيد العسكري، في وقت تتصاعد الانتقادات تجاه بعض القوى السياسية والطائفية التي تُتهم بالتخاذل أو القبول بشروط خارجية، ما يضع السيادة اللبنانية أمام تحدٍ غير مسبوق.

إلا أنّ هذه الأطراف المتخاذلة سرعان ما تهاوت رهاناتُها، بعدما بنت مواقفها على الخطاب الصادر عن الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي روّج لفكرة أن الحرب ستقضي على لبنان وإيران خلال ثلاثة أيام بعد اغتيال المُرشد الأعلى السيد الشهيد الإمام علي الخامنئي. ومع تبيّن مسار المواجهة، انكشفت هشاشة تلك التقديرات، إذ برزت قدرة المقاومة على الصمود والتصدي، واستمرت الصواريخ بالانطلاق من الجنوب اللبناني نحو عمق الكيان الإسرائيلي، على الرغم من الادعاءات المسبقة بتدمير الترسانة الصاروخية ونزع سلاحها.

وقد تجاوزت هذه الصواريخ مسافات تقارب 200 كيلومتر داخل إسرائيل، في مشهد أحدث صدمة واسعة على المستويين الداخلي والخارجي. انعكس هذا التحول الميداني مباشرة على الداخل الإسرائيلي، حيث تصاعدت الانتقادات ضد بنيامين نتنياهو، واتُّهم بترويج روايات غير واقعية حول القدرة على حسم المعركة وإنهاء القدرات الصاروخية للمقاومة، ما أدى إلى اهتزاز الثقة بخياراته السياسية والعسكرية.

نظرية عامودي – أُفقي وبدء الأُفول الأمريكي

في خِضمّ هذه المعركة الحساسة في الشرق الأوسط وما ستؤول إليه من تغيير جذري في وجهة الشرق الأوسط، تجد واشنطن نفسها مضطرة لإعادة تقييم انتشارها العسكري، ليس فقط لأسباب ميدانية، بل أيضاً تحت ضغط الرأي العام المحلي الذي أصبح أكثر حساسية تجاه الحروب الخارجية. وفق تيد ليو، عضو مجلس النواب الأمريكي، الاقتصاد ينهار بسبب سياسات ترامب، بينما نقلت فوكس نيوز أن الولايات المتحدة قررت جعل مواكب جنازات الجنود القتلى في الحرب مع إيران سرية تماماً مع حظر الكاميرات، في مؤشر على ارتباك الإدارة واستنزافها الداخلي. ذلك بالضبط يُعيدُنا بالذاكرةِ إلى ما قاله شهيدُنا الأقدس “عندما تبدأ نعوش الجنود الأمريكان، عندما جاؤوا عامودياً ويعودون أُفقياً إلى الولايات المتحدة، سيُدرك ترامب أنه خسر المنطقة”…

نذكر هُنا أيضاً ما يؤكده المفكر الأمريكي جون ميرشايمر أن الولايات المتحدة بدأت حرباً لا يمكنها الفوز بها: “نحن لا ننتصر على إيران، بل نرسل رسالة مفادها أننا مجموعة من الحمقى، لم تكن لدينا القوات العسكرية المطلوبة لتحقيق أي أهداف، ولم تكن لدينا أي خطة”. فيما توقّع الاستراتيجي الديمقراطي جيمس كارفيل استقالة الرئيس دونالد ترامب بحلول الفترة المقبلة بعد انتخابات منتصف الولاية، موضحاً: “كل ما يحاول فعله ينفجر في وجهه.. أعتقد أنه سيستقيل العام القادم، ولن ينتبه إليه أحد. الوضع المالي للبلاد أسوأ من الخندق، وأمر إيران تحول إلى كارثة من الدرجة الأولى”.

إلا أن الواقع يُشير إلى أنه لن يصمد حتى ذلك الحين بعد، في ظل هذا التصعيد المتسارع وتحميل الإدارة الأمريكية تبعات ما يجري عالمياً. والأخطر من ذلك هو بدء أعضاء الكونغرس بالإفصاح عمّا بحوزتهم من ملفات ضده، إذ صرّح أحدهم بشأن ملف إبستين بأن ترامب شارك في تأسيس شبكة إبستين الفاسدة، كما ارتكب بنفسه العديد من السلوكيات غير الأخلاقية، مؤكداً أن ترامب ووزير العدل قدّما الكثير من الأكاذيب حتى الآن، ولا يوجد أي مبرر لسرية هذه الوثائق، مطالباً بنشر جميع الملفات فوراً. وعليه، فإن سقوطه قد يأتي من الداخل والخارج في ضربةٍ واحدة.

نصل في الختام إلى أن معطيات السياسة الأمريكية توضح أنها تواجه مأزقاً حقيقياً: الحروب قد تصنع الرؤساء أو تنهي مسيرتهم، ونجاح سريع يمنح صورة القائد القوي، لكنّ حرباً طويلة أو أزمة اقتصادية حادة قد تتحول إلى عبء انتخابي ثقيل. ترامب، الذي بنى جزءاً من خطابه على إنهاء الحروب المكلفة، يجد نفسه أمام مفارقة تاريخية: حرب بدأها تحت شعار الردع قد تحدد مصير حزبه في صناديق الاقتراع. غالباً، لا تنتهي الحروب الحديثة بنصر عسكري واضح، بل بتفاهمات سياسية غير معلنة ووقف تصعيد يسمح لكل طرف بإعلان “تحقيق الأهداف”. وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام واشنطن وتل أبيب: إن كان باستطاعتهم الاعتراف بفشلهم من بعد انفلات زمام إدارة العمليات وفقدان فرصة صياغة نهاية يمكن تسويقها داخلياً وخارجياً دون الاعتراف بالهزيمة بعد كل الخسائر والضربات التي استنزفتهم ومن غير المُمكن اخفاءها.

وبالنهاية، كما يثبت التاريخ الأمريكي في الشرق الأوسط، الحقيقة القاسية تبقى: الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادراً ما تنتهي وفق الخطة. الرئيس الذي اندفع إلى المواجهة تحت عناوين الردع واستعادة الهيبة الأمريكية، يجد نفسه اليوم أمام شبكة ضغوط داخلية وخارجية تجعل استمرار الحرب مغامرة سياسية واقتصادية قد تعيد رسم مستقبل الحكم في الولايات المتحدة نفسها.

وبذلك فإنَّ، الوضع الراهن محكوم إما باستسلام أمريكي وانسحاب إسرائيلي مفاجئ، أو باستكمال التصعيد ودخول اليمن إلى جبهة إسناد المقاومة، وفتح جبهة برية في السعودية، مع تهديد محتمل بإغلاق مضيق باب المندب وما قد يسببه من انهيار للاقتصاد العالمي، لتصبح المعركة على تخوم الكيان الإسرائيلي؟!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *