من وهم الحسم إلى إدارة الفشل.. كيف تكشف حرب إيران حدود القوة الأمريكية؟
بقلم د. محمد الايوبي
في الحروب الكبرى، لا تكمن الإشكالية الأساسية في القرارات الأولى، بل في القدرة على إدارة نتائجها غير المتوقعة. هذا ما يتجلى بوضوح في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة إلى جانب “إسرائيل” ضد إيران..
حيث تحوّل التصور الأمريكي الأولي القائم على “الضربة الحاسمة” إلى مأزق مركّب، تتداخل فيه العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، ليكشف في النهاية حدود القوة الأمريكية نفسها، لا فقط في الميدان، بل في بنية النظام الدولي الذي تقوده.
اختلاف الأهداف: تحالف بلا رؤية مشتركة
منذ اللحظة الأولى، دخل دونالد ترامب هذه الحرب بعقلية مختلفة عن الحروب التقليدية. لم يكن هدفه خوض مواجهة طويلة، بل إحداث صدمة استراتيجية سريعة تُنتج واقعاً سياسياً جديداً يمكن استثماره تفاوضياً. هذه المقاربة، التي نجحت نسبياً في سياقات أخرى، اصطدمت هذه المرة بخصم لا يتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً هامشياً، بل كعملية ممتدة ضمن صراع طويل الأمد.
في المقابل، كان بنيامين نتنياهو يتحرك ضمن منطق مغاير تماماً. بالنسبة له، الحرب ليست وسيلة ضغط، بل خيار استراتيجي بحد ذاته. فهو يرى أن أي توقف قبل إحداث تحوّل بنيوي في ميزان القوى الإقليمي يُعد فشلاً، وليس مجرد تأجيل. ومن هنا، يمكن فهم التباين العميق بين الطرفين: واشنطن تبحث عن مخرج، بينما تل أبيب ترى في الاستمرار ضرورة.
هذا التباين لم يكن ظاهراً في البداية، إذ بدا التحالف متماسكاً تحت عنوان “الردع”. لكن مع مرور الوقت، بدأت التناقضات تتكشف، ليس فقط في الخطاب، بل في السلوك السياسي والعسكري. فبينما يعلن ترامب عن تدمير واسع للقدرات الإيرانية، يعود في الوقت نفسه ليطالب بتدخل دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز. هذه المفارقة لا تعبّر عن تناقض لفظي فحسب، بل عن فجوة بين ما تريده القوة وما تستطيع تحقيقه.
خطأ التقدير: من وهم الضربة الحاسمة إلى واقع الاستنزاف
المشكلة الأساسية في التقدير الأمريكي لم تكن في حجم القوة الإيرانية فقط، بل في طبيعة الصراع نفسه. فالحروب الحديثة، خصوصاً تلك التي تتسم بعدم التكافؤ، لا تُحسم بالضربات الأولى، بل تُدار عبر الزمن. وهذا ما أدركته إيران مبكراً. فهي لم تدخل الحرب بمنطق الرد المباشر، بل بمنطق امتصاص الصدمة، ثم إعادة توزيع عناصر القوة، وصولاً إلى فرض معادلة جديدة: منع الخصم من تحقيق أهدافه.
هذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بـ “استراتيجية عدم الخسارة”، نجحت في نقل الصراع من ساحة التفوق الأمريكي (العسكري) إلى ساحات أكثر تعقيداً (الاقتصاد، الزمن، الجغرافيا). وهنا تحديداً برز دور مضيق هرمز، ليس فقط كممر بحري، بل كأداة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك.
إيران لم تلجأ إلى إغلاق المضيق بشكل كامل، لأنها تدرك أن ذلك سيستدعي رداً دولياً واسعاً. لكنها ذهبت إلى خيار أكثر دقة: التحكم بالإيقاع. أي أنها وضعت نفسها في موقع القادر على التأثير في حركة الملاحة دون الوصول إلى مستوى المواجهة الشاملة. هذا التحول جعل من الحديث الأمريكي عن “تأمين المضيق” بمثابة اعتراف ضمني بأن السيطرة الفعلية لم تعد مطلقة.
لكن الأهم من ذلك، أن الصراع تجاوز البعد العسكري ليصل إلى البعد الاقتصادي العالمي. فحين يُطرح موضوع تسعير النفط بعملات بديلة، أو ربط مرور الطاقة بشروط سياسية، فإننا نكون أمام محاولة لإعادة تشكيل قواعد النظام الدولي نفسه. وهذا ما لم تكن واشنطن مستعدة له، لأنها اعتادت إدارة الصراعات ضمن قواعد ثابتة، لا ضمن قواعد يجري تغييرها أثناء الحرب.
الاغتيالات كأداة عسكرية… وحدود الفعالية الاستراتيجية
عاشت مناطق واسعة في وسط وجنوب “إسرائيل” ليلة غير مسبوقة من حيث كثافة النيران، بعدما أطلق الحرس الثوري الإيراني موجات صاروخية متتالية رداً على اغتيال شخصيات قيادية بارزة، في مقدمتها علي لاريجاني وغلام سليماني. لم تكن هذه الضربات مجرد رد تكتيكي، بل حملت في مضمونها رسالة استراتيجية واضحة: قدرة إيران على الانتقال السريع من الصدمة إلى الفعل، ومن الضربة إلى إعادة التوازن. استخدام صواريخ ثقيلة ومتطورة، بعضها برؤوس متفجرة كبيرة وأخرى بسرعات فرط صوتية، عكس ليس فقط حجم الترسانة، بل الأهم استمرارية القدرة العملياتية على الرغم من الضربات.
هذه الوقائع تعيد طرح سؤال جوهري داخل إسرائيل نفسها: هل تحقق سياسة الاغتيالات أهدافها؟ التجربة الميدانية تشير إلى العكس. فالاغتيالات، على الرغم من تأثيرها الرمزي والنفسي، لم تؤدِّ إلى إضعاف البنية القيادية للخصم، بل دفعت نحو تسريع عملية إنتاج بدائل أكثر تشدداً. بل إن الرد الإيراني الكثيف بعد كل عملية اغتيال يعكس تحوّلاً في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد الضربة تمر دون كلفة مباشرة ومتصاعدة. هنا، لا تعود الاغتيالات أداة ردع، بل تصبح محفزاً لدورات تصعيد متتالية.
ما تكشفه هذه المواجهة هو أن الرهان على “قطع الرأس” لم يعد فعالاً في الحروب الحديثة، خصوصاً مع أنظمة تمتلك بنية مؤسسية وأمنية قادرة على امتصاص الصدمات. اغتيال القادة، سواء في إيران أو في ساحات أخرى كغزة ولبنان، لم يؤدِّ إلى انهيار القرار، بل إلى إعادة إنتاجه بسرعة أكبر وبمواقف أكثر حدّة. وهذا يعكس وجود عقيدة تنظيمية قائمة على الاستمرارية، حيث لا يرتبط القرار بشخص بقدر ما يرتبط بمنظومة كاملة.
في هذا السياق، تتحول الاغتيالات من أداة لتحقيق الحسم إلى مؤشر على مأزق استراتيجي. فعندما تنتقل كيانات من استهداف البنية العسكرية إلى استهداف الشخصيات السياسية، فهذا يعني أن بنك الأهداف التقليدي قد استُنزف دون تحقيق النتائج المطلوبة. والأخطر من ذلك، أن هذا النمط يعزز رواية الخصم بدلاً من إضعافه، ويمنحه مبرراً لتوسيع الرد ورفع سقف المواجهة. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل تنجح الاغتيالات؟ بل: ماذا تفعل عندما تفشل؟
أزمة السردية: حين يفشل الخطاب في تغطية الواقع
في هذا السياق، تظهر أزمة السردية الأمريكية بوضوح. فالتصريحات التي تتحدث عن “تدمير 90% من القدرات الإيرانية” لا تهدف إلى توصيف الواقع بقدر ما تهدف إلى احتوائه. إنها محاولة لإدارة الفشل عبر إعادة تعريفه. لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بحقيقة أساسية: الواقع لا يمكن إلغاؤه عبر الخطاب.
ومع استمرار العمليات، وتواصل الضربات، وتعقّد المشهد البحري، بدأت هذه السردية تفقد فعاليتها، ليس فقط على المستوى الدولي، بل داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد بدأت أصوات سياسية وإعلامية تتساءل عن جدوى الحرب، وعن أهدافها الحقيقية، وعن كلفتها المستقبلية.
هذا التحول الداخلي تعزّز مع مؤشرات أكثر حساسية، مثل استقالة شخصيات أمنية بارزة، واعترافات ضمنية بأن التقديرات الأولية لم تكن دقيقة. في هذا السياق، تبرز استقالة جو كينت كمؤشر مهم، ليس فقط لأنها تعكس موقفاً شخصياً، بل لأنها تكشف عن انقسام داخل المؤسسة الأمنية حول طبيعة التهديد الإيراني وجدوى الحرب.
تآكل التحالفات: أمريكا تواجه الحرب شبه وحيدة
في الوقت نفسه، لم يكن موقف الحلفاء أقل دلالة. فالدعوات الأمريكية لتشكيل تحالف بحري واسع لم تلقَ الاستجابة المتوقعة. الدول الأوروبية، على الرغم من ارتباطها الاستراتيجي بواشنطن، أبدت تردداً واضحاً. واللافت أن هذا التردد لم يكن ناتجاً عن نقص في القدرة، بل عن غياب القناعة.
هذا الموقف يعكس تحولاً أعمق في طبيعة التحالفات الدولية. فالدول لم تعد تنخرط تلقائياً في الحروب التي تقودها الولايات المتحدة، بل أصبحت تحسب الكلفة والمصلحة بشكل أكثر استقلالية. ومع تصاعد الانتقادات داخل أوروبا، وظهور مواقف صريحة ترفض الانخراط، بدأت صورة “التحالف الغربي” تتعرض لتآكل تدريجي.
أما في آسيا، فقد كان الموقف أكثر حذراً، حيث فضّلت العديد من الدول تجنب الانخراط في صراع قد يؤثر على مصالحها الاقتصادية، خصوصاً في ظل ارتباطها بأسواق الطاقة العالمية. وهذا يعزز فكرة أن النظام الدولي لم يعد أحادياً كما كان، بل أصبح أكثر تعقيداً وتعدداً.
لكن ما كشفته تصريحات ترامب الأخيرة يتجاوز مجرد “صمت الحلفاء” إلى مرحلة أكثر حدة: التوبيخ العلني. حين يهاجم رئيس الولايات المتحدة شركاءه ويتهمهم بالتخاذل، فهو لا يعبّر فقط عن غضب، بل عن إدراك متأخر بأن التحالف لم يعد يعمل وفق قواعده التقليدية. فالدول التي اعتادت الاحتماء بالمظلة الأمريكية، لم تعد مستعدة لدفع كلفة حرب لا ترى فيها مصلحة مباشرة. تصريحات مثل “ننفق تريليونات الدولارات على الناتو” و”عندما نحتاج إليهم لا نجدهم” ليست مجرد شعارات انتخابية، بل اعتراف ضمني بأن منظومة الردع الجماعي بدأت تتآكل من الداخل.
اللافت أن الردود الأوروبية والآسيوية لم تكن دبلوماسية بقدر ما كانت صريحة إلى حد غير مسبوق. عبارة وزير الدفاع الألماني “هذه ليست حربنا” تختصر تحولاً عميقاً في نظرة الحلفاء للصراعات التي تقودها واشنطن. لم يعد الخلاف حول الوسائل، بل حول المبدأ نفسه: لماذا ننخرط في حرب لم نكن جزءاً من قرارها؟ هذا الموقف لا يعكس فقط تبايناً سياسياً، بل أزمة شرعية حقيقية، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تقديم الحرب بوصفها “قضية مشتركة”.
في هذا الإطار، يمكن فهم تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول “التداعيات العالمية للحرب” بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تدويل الكلفة، لا فقط المواجهة. فكلما اتسعت دائرة التأثير، زادت صعوبة استمرار الحرب بنفس الوتيرة.
مأزق القرار: لا حرب تُحسم ولا انسحاب ممكن
في المقابل، يواجه ترامب معضلة مركّبة. فهو من جهة لا يستطيع الاستمرار في حرب استنزاف طويلة، لما تحمله من كلفة سياسية واقتصادية داخلية، ومن جهة أخرى لا يستطيع الانسحاب دون تحقيق إنجاز واضح، لما لذلك من تأثير على صورته السياسية.
هذا ما يفسر التناقض بين الخطاب التصعيدي في العلن، والتحركات الدبلوماسية في الخفاء. فالتقارير التي تتحدث عن محاولات للتواصل مع طهران عبر وسطاء تشير إلى أن واشنطن بدأت فعلياً البحث عن مخرج، حتى وإن لم تعلن ذلك رسمياً.
أما نتنياهو، فيبدو أقل اهتماماً بهذه الحسابات. فهو يدرك أن استمرار الحرب، حتى دون تحقيق نصر حاسم، قد يحقق له أهدافاً أخرى، سواء على المستوى الإقليمي أو الداخلي. وهذا ما يجعل من التنسيق بين الطرفين أكثر تعقيداً، لأن كل طرف يتحرك وفق منطق مختلف.
من الحسم إلى إدارة الفشل
في المحصلة، تكشف هذه الحرب عن تحول مهم في طبيعة القوة الأمريكية. فالتفوق العسكري لم يعد كافياً لتحقيق الأهداف السياسية، والقدرة على الضرب لا تعني القدرة على التحكم. كما أن إدارة الصراعات لم تعد تتم عبر فرض الوقائع فقط، بل عبر القدرة على التعامل مع بيئة دولية متغيرة.
من هنا، يمكن القول إن الولايات المتحدة انتقلت من مرحلة “وهم الحسم” إلى مرحلة “إدارة الفشل”. أي أنها لم تعد تسعى إلى تحقيق نصر كامل، بل إلى تقليل الخسائر، والحفاظ على الحد الأدنى من الهيبة.
هذا التحول لا يعني نهاية القوة الأمريكية، لكنه يشير إلى حدودها. فكل قوة، مهما بلغت، تصطدم في لحظة ما بواقع يتجاوز قدرتها على التحكم. وهذه الحرب قد تكون إحدى تلك اللحظات الفارقة.
في النهاية، لا يكون السؤال من انتصر، بل من نجح في فرض تعريفه للنصر. وإذا استمرت إيران في منع خصومها من تحقيق أهدافهم، فإنها تكون قد حققت ما تريده. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام تحدٍ أصعب: كيف تخرج من حرب لم تستطع إنهاءها، دون أن تعترف بأنها لم تبدأها كما ينبغي.
