تحالف عسكري لفتح مضيق هرمز.. الرئيس الأمريكي يفشل في حشد الحلفاء
بقلم ابتسام الشامي
لم ترأب الحرب العدوانية الأمريكية الاسرائيلية على إيران صدع العلاقات المتأزمة بين ضفتي الأطلسي، بل ربما تزيده اتساعاً، ليس لأن أوروبا لا تتبنى أهداف الحرب في تجريد الجمهورية الإسلامية من حقوقها وأوراق قوتها، بل لأنها في الأساس تخشى من التورط في حرب تدرك حجم كلفتها المرتفعة في اقتصادها ومصالحها في المنطقة.
من الانتقاد إلى التهديد
منذ بداية حربه العدوانية على الجمهورية الاسلامية في إيران بالشراكة مع الكيان الغاصب، لم تخلُ تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من انتقاد الدول الأوروبية لعدم انخراطها في الحرب، ومع اشتداد أزمته في مضيق هرمز، سجل انتقال ترامب من الانتقاد إلى التهديد، معبراً عن خيبة أمله من عدم استجابة حلفائه الأوروبيين والآسيويين لتشكيل تحالف عسكري لفتح مضيق هرمز، بعدما أبدت تلك الدول تصريحاً وتلميحاً عدم رغبتها بالمشاركة في التحالف.
“قصف” ترامب التهديدي جبهة الحلفاء، شمل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، فضلاً عن رؤساء الدول الأوروبية والآسيوية. وفي هذا السياق صوّب تهديده اتجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ملوحاً بنهاية وشيكة لحياته السياسية. وخلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء إيرلندا ميهول مارتن رد ترامب على سؤال عن رفض فرنسا المشاركة في أي عمليات عسكرية لفتح مضيق هرمز، بالقول إن ماكرون “قد يفقد منصبه قريبا جدا”. يأتي هذا التهديد الصريح بعدما كان الرئيس الفرنسي قد أعلن في وقت سابق أن بلاده لن تشارك في أي عمليات لفتح مضيق هرمز، “تحت أي ظرف من الظروف”، وذلك مع علمه بحجم الصعوبات التي تواجهها واشنطن في تأمين الملاحة عبر المضيق الحيوي، والذي ينذر استمرار توقفه باضطرابات اقتصادية عالمية.
وإذا كانت فرنسا في موقفها الرافض للانخراط في قوة عسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة مدركة حجم المخاطر المترتبة على مصالحها ومصالح الدول الأوروبية، فإنها تسعى إلى الاستفادة من التطورات لإعادة تعويم الدور الأوروبي على مسرح الأحداث العالمي من خلال بلورة خيار “أوروبي خالص” لمراقبة المضيق، بعيداً عن القيادة المباشرة لواشنطن، ومن خلال هذا الطرح، فإن باريس تحافظ على خطوط اتصال مفتوحة مع طهران، وفي الوقت ذاته تساهم في منع تحول التحالف إلى جبهة حرب مفتوحة.
على أن الامتناع عن الانخراط في الحرب على إيران من بوابة المشاركة في القوة العسكرية الأمريكية لإعادة فتح مضيق هرمز لا تقتصر على فرنسا وإنما تشاطرها في الموقف نفسه جاراتها الأوروبيات، وفي مقدمهم ألمانيا التي شددت على أن الحرب مع إيران ليست حربها، وأن أعضاء الناتو ليس عليهم تقاسم أعباء المواجهة المباشرة مع طهران في المضيق الحيوي.
وعلى الرغم من العلاقات “الذيلية” التي ربطت بها بريطانيا نفسها بالولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمي، فإن لندن تبدو في موقف صعب، بين تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة ومصالحها المتشابكة مع دول الاتحاد الأوروبي. وهي كما فرنسا تسعى إلى صيغة ما ضمن التحالف الأوروبي تمتص من خلالها الغضب الأمريكي من عدم المشاركة في القوة العسكرية التي اقترحها ترامب، ولا تورطها بالتالي في الحرب مع إيران. وبُعيد تحذير الرئيس الأمريكي من أن حلف الأطلسي يواجه مستقبلاً “سيئاً للغاية” في حال امتنعت دوله الأعضاء عن مساعدة بلاده في إعادة فتح المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أن بلاده تعمل مع حلفائها لوضع خطة قابلة للتنفيذ لإعادة فتح مضيق هرمز، مشدداً على أنها لن تكون تحت مظلة حلف الناتو.
وقال ستارمر: “نعمل مع جميع حلفائنا، بمن فيهم شركاؤنا الأوروبيون، لوضع خطة جماعية قابلة للتنفيذ تُعيد حرية الملاحة في المنطقة بأسرع وقت ممكن وتُخفف من الآثار الاقتصادية”. مشدداً على أن بريطانيا “تتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها وعن حلفائها، لكنها لن تنجر إلى الحرب الأوسع” في الشرق الأوسط.
الرفض الأوروبي الذي شمل أيضاً إسبانيا، وإيطاليا، واليونان، حاول الاتحاد الأوروبي إخراجه بطريقة لا تنطوي على مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي، وذلك من خلال صياغة مبادرة تحدثت عنها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، مشيرة إلى أنها ناقشت مع الأمم المتحدة فكرة “تسهيل نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز من خلال تطبيق اتفاقية مماثلة لتلك التي تسمح بتصدير الحبوب من أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا”. وبموجب هذه الاتفاقية، يُسمح لأوكرانيا بتصدير الحبوب والمواد الغذائية والأسمدة عبر البحر الأسود، ولا تتعرض السفن التجارية والسفن المدنية الأخرى لهجمات من روسيا.
ولعل في المواقف الأوروبية ما يؤشر إلى أن الحرب على إيران عمقت أزمة الثقة بين الولايات واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وهو ما أكدته صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية موضحة أن الهوة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باتت أوسع من أي وقت مضى على خلفية الحرب مع إيران وتأمين مضيق هرمز.
ترامب غاضب ويتوعد
وبينما تبحث بروكسل عن خيار آخر غير الانخراط في الحرب لفتح مضيق هرمز، فإن دولاً أخرى ارتأت المسار ذاته مفضلة تجنب المواجهة المباشرة مع إيران التي لن تتوانى عن استهداف مصالحها. وفي هذا الإطار ذكرت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، أن بلادها لا تعتزم حالياً إرسال سفن حربية لمرافقة السفن في الشرق الأوسط. وأضافت نواصل بحث ما يمكن أن تفعله اليابان بشكل مستقل، وما يمكن فعله في الإطار القانوني”.
وهو ما كررته أستراليا أيضاً مؤكدة أنها “لن ترسل سفناً حربية” للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وقالت وزيرة النقل الأسترالية كاثرين كينج، في مقابلة مع هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC): “لن نرسل أي سفينة إلى مضيق هرمز. ندرك مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طلب منا أو سنشارك فيه”.
أما كوريا الجنوبية فقد كانت أكثر دبلوماسية في تظهير قرار رفض المشاركة، بالحديث عن دراسة دعوة الرئيس الأمريكي لنشر سفن حربية في الشرق الأوسط لتشكيل تحالف يضمن المرور الآمن عبر المضيق.
الردود الدولية على دعوته لتشكيل تحالف لإعادة فتح مضيق هرمز، أحبطت آمال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقراً بأنها ردود “تبعث على خيبة أملٍ شديدة”، وقد دفعه ذلك إلى توجيه انتقادات لاذعة لقادة الدول “المتمردة” قائلاً “عليكم أن تتذكروا أن لدينا 45,000 جندي في اليابان، و45,000 جندي في كوريا الجنوبية، وما بين 45,000 إلى 50,000 جندي في ألمانيا. نحن ندافع عن كل هذه الدول، ثم يأتي هؤلاء ليقولوا لنا حسناً، قد يكون من الممكن ألا نتدخل في الأمر”.
الحل المتوافر
استعصاء فتح مضيق هرمز على الإدارة الأمريكية، يرفع منسوب الشكوك بامتلاك استراتيجية خروج ليس من أزمة المضيق الحيوي وحدها وإنما من الحرب برمتها، وهو ما دفع صحيفة واشنطن بوست إلى دعوة ادارة ترامب إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في الصراع الدائر مع إيران، مقترحة خيار “إعلان النصر والانسحاب” كسبيل وحيد لكسر الجمود في مضيق هرمز. ورأت هيئة تحرير الصحيفة أن هناك فجوة واسعة بين تصريحات البيت الأبيض التي تؤكد سحق القدرات العسكرية الإيرانية، وبين الواقع الميداني الذي تصفه البحرية الأمريكية في المضيق بـ “منطقة قتل” لا يمكن تأمينها. مضيفة أن ترامب، يواجه معضلة استراتيجية تتمثل في عجز الولايات المتحدة عن تأمين الملاحة في المضيق الحيوي، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. وأوضحت الصحيفة أن التفوق الجوي الأمريكي الكاسح لم يترجم إلى سيطرة بحرية، نظراً لتمترس القدرات الإيرانية “منخفضة التكلفة” مثل مسيّرات “شاهد”، والصواريخ المحمولة في تضاريس جبلية وعرة تعجز الاستطلاعات الجوية عن شلها تماماً. كما لفتت إلى أن التهديد لا يقتصر على الهجمات المباشرة، بل يشمل أيضاً الحرب النفسية والتأمينية، حيث يكفي الاشتباه بوجود ألغام أو منصات صاروخية لرفع تكاليف التأمين وتعطيل حركة التجارة فعلياً.
وخلصت الصحيفة إلى أن استمرار العمليات من دون تحقيق نتائج ملموسة في تأمين الملاحة قد يضر بصورة الولايات المتحدة، معتبرة أن إنهاء الحملة في هذه المرحلة قد يحافظ على مكاسبها الاستراتيجية ويجنبها استنزافاً طويل الأمد.
خاتمة
مرة جديدة يقع الرئيس الأمريكي وفريق مستشاريه في خطأ تقدير الأفعال العدوانية ضد الدول الأخرى، وإذا كان من السهل عليه ادعاء انجازات تعينه على التراجع عن قرارات اتخذها كما في حرب الرسوم الجمركية، فإن إيران لا توفر له فرصة النجاة من شر أفعاله، ولا تتيح له ادعاء تحقيق إنجاز ينزله عن شجرة الحرب التي اعتلاها متوقعاً هزيمة سريعة لإيران قبل أن يكتشف حجم الهوة بين الأماني والوقائع.
