قراءة في خطاب السيد الحوثي.. “انتصار إيران وفرملة المشروع الصهيوني”
بقلم نوال النونو
قدّم زعيم أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي قراءةً شاملةً ومعمّقةً لمعطيات العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال أربعين يوماً، متناولاً مآلات هذا الصراع ونتائجه الاستراتيجية والدروس الكامنة فيه..
مؤكداً أن ما جرى يشكّل تحوّلاً مفصلياً في مسار المواجهة، ويمثّل درساً بليغاً للأمة وانتصاراً كبيراً لها، أسقط رهانات الهيمنة وأفشل مشاريع إعادة تشكيل المنطقة، وفي مقدمتها مشروع “الشرق الأوسط الكبير” ومخطط “إسرائيل الكبرى”.
وفي الشأن الإيراني، استهلّ السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي موقفه بتقديم التهاني والمباركة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، قيادةً وشعباً وقوات مسلحة، بمناسبة ما وصفه بالانتصار الكبير في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني، معتبراً هذا الإنجاز ثمرةً للصمود والثبات والتوكّل على الله، وتجسيداً حيّاً لصدق الوعد الإلهي بنصرة المجاهدين.
ورأى أن هذا الانتصار لا يقتصر على إيران فحسب، وإنما يمتدّ ليشكّل مكسباً عظيماً للأمة الإسلامية ولأحرار العالم، كونه أسقط معادلة الاستباحة التي سعى العدو إلى فرضها، وأعاد الاعتبار للأمة في مواجهة سياسات الإذلال والإخضاع، مؤكداً أن ما تحقق يمثّل نموذجاً عملياً لما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تقترن بالفعل والجهاد والأخذ بأسباب النصر.
وقدّم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي قراءةً لأسباب الفشل الأمريكي في العدوان على إيران، معتبراً أن معيار التقييم ينطلق من حجم الأهداف التي أعلنها العدو، والتي تمثّلت في إعادة تشكيل المنطقة، وإسقاط النظام الإسلامي في إيران، وإخضاع الشعب الإيراني بالكامل لإرادة الهيمنة الأمريكية، موضحاً أن هذه الأهداف سقطت تباعاً أمام صمود إيران وتماسك جبهتها الداخلية، حيث فشل العدو في إحداث أي اختراق حاسم على المستوى السياسي أو العسكري، كما عجز عن كسر إرادة الشعب الإيراني أو دفعه نحو الاستسلام، كما أن العدوان أسهم في تعزيز حالة الالتفاف الشعبي حول القيادة، وترسيخ قناعة أوسع بخيار المواجهة.
وأشار إلى أن من أبرز أسباب الفشل أيضاً سوء تقدير العدو لطبيعة إيران وقدراتها، سواء على مستوى البنية العسكرية أو الجهوزية الاستراتيجية، فضلاً عن تجاهله لعمقها الشعبي والعقائدي، وهو ما انعكس في عجزه عن تحقيق إنجاز ميداني يُترجم أهدافه المعلنة، وبذلك، تحوّل العدوان إلى عامل ارتداد عكسي، أسهم في تثبيت معادلة ردع جديدة، وفرملة الاندفاعة الأمريكية الصهيونية في المنطقة.
لبنان في قلب معادلة الردع
وفي الشأن اللبناني، أولى السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أهمية خاصة لدور حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان، مشيداً بالأداء القتالي النوعي الذي قدّمه المجاهدون خلال المواجهة، والذي – بحسب توصيفه – فاجأ العدو والمراقبين على حد سواء، خصوصاً في ظل القدرة العالية على إدارة معركة استنزاف طويلة الأمد في مواجهة ترسانة عسكرية متفوقة للعدو الصهيوني.
واعتبر أن ما تحقق في الساحة اللبنانية يشكّل تجسيداً عملياً لمعادلة “وحدة الساحات”، حيث تداخلت الجبهات وتكاملت الأدوار ضمن محور المقاومة، بما أسهم في تشتيت قدرات العدو وإرباك حساباته الاستراتيجية، كما أشار إلى أن هذا الأداء يدل على المستوى المتقدم من الجهوزية والتخطيط، ويؤكد أن المقاومة في لبنان باتت رقماً صعباً في معادلات الصراع.
ولم يغفل السيد الحوثي الإشادة بالحاضنة الشعبية اللبنانية، واصفاً إياها بالركيزة الأساسية لصمود المقاومة، لما قدّمته من تضحيات وصبر وثبات، معتبراً أن هذا التلاحم بين الشعب والمقاومة والقيادة هو الضمانة الحقيقية لإفشال محاولات العدو الرامية إلى زعزعة الداخل اللبناني أو كسر إرادة المقاومة.
انجاز استراتيجي في البحر الأحمر
وفيما يتصل بالجبهة اليمنية، قدّم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي عرضاً لدور اليمن في إسناد الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، مركّزاً على التحوّل النوعي الذي فرضته صنعاء في معادلة الصراع، ولا سيما في البحر الأحمر، الذي تحوّل إلى ساحة اشتباك فاعلة أسهمت في تقييد حركة العدو وإفشال خياراته العسكرية.
وأوضح أن من أبرز نتائج هذا الدور هو منع العدو الأمريكي والإسرائيلي من استخدام البحر الأحمر في تنفيذ أعمال عدائية ضد إيران ودول المحور، معتبراً ذلك إنجازاً استراتيجياً كبيراً قطع أحد أهم مسارات الضغط العسكري، وأجبر العدو على إعادة حساباته الميدانية.
وأشار إلى أن هذا التحول لم يكن معزولاً، وإنما جاء في سياق عمليات عسكرية متواصلة للقوات المسلحة اليمنية شملت استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن تنسيق مع بقية جبهات محور المقاومة، مؤكداً أن هذا المسار يتجه نحو المزيد من التصعيد المدروس، بما يوسّع دائرة التأثير اليمني في المعركة ويعزز موقعه ضمن معادلة “وحدة الساحات”.
جهوزية لإسناد فلسطين عسكرياً
وبخصوص الجبهة الفلسطينية، شدّد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على مركزية فلسطين في معادلة الصراع، معتبراً أن العدو الإسرائيلي يسعى إلى استغلال أي ظرف للتفرّد بهذه الجبهة وتصعيد عدوانه بحق الشعب الفلسطيني، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي هذا السياق، وجّه تحذيراً واضحاً من مغبّة أي تصعيد جديد، مؤكداً أن العدو الإسرائيلي إذا عاد لاستهداف الجبهة الفلسطينية بالتصعيد مجدداً، فنحن في اليمن – كما أعلنا سابقاً – جاهزون للتدخل المباشر لإسناد الجبهة الفلسطينية.
ويظهر السيد عبد الملك الحوثي في خطابه أن ما جرى خلال الأربعين يوماً في ملحمة الصمود الإيراني ومحور المقاومة ضد العدوان الأمريكي الصهيوني قد أعاد رسم معادلات القوة في المنطقة، وأكد على فشل الرهانات الأمريكية الصهيونية في فرض الهيمنة أو إعادة تشكيل الإقليم وفق مشاريعها الكبرى، ففي مقابل أهدافٍ معلنة سعت إلى إسقاط إيران وإخضاع محاور المقاومة.
وبناء على معطيات المعركة، فقد برزت نتائج مغايرة تماماً، تمثّلت في صمودٍ إيراني متماسك، وتفعيل لفعالية محور المقاومة، وتكريس معادلة “وحدة الساحات” كإطار حاكم للمواجهة، ما أفضى إلى فرملة المشروع الصهيوني وإرباك حساباته الاستراتيجية.
