أبعاد مناورات فلنتلوك 2026 في ليبيا
بقلم توفيق المديني
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم الأساليب التقليدية المعروفة في سياستها الخارجية، التي تتراوح بين استخدام الجزرة أو المساعدات والتعاون والذي يتطور مفهومه ليشمل النشاط العسكري والذي خُول للعسكرية الأمريكية أن تستنسخه في عملية اختراقها للمؤسسات العسكريات الأفريقية التي تتم عن طريق القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا “أفريكوم”..
وبين استخدام الزواجر أو الأساليب العقابية وهي متنوعة وتشمل الحصار الاقتصادي والمقاطعة بل وتنفيذ الانقلابات العسكرية التي يُلاحظ بعدها تغير في عددٍ من القضايا المُتعلقة بالعلاقات ما بين النظم الانقلابية والولايات المتحدة بوضوحٍ.
ومن بين هذه القضايا العلاقات العسكرية مع الأمريكيين والتماهي مع نظرتهم لقضية الإرهاب التي أصبحتْ عمادَ السياساتِ الخارجيةِ لعددٍ من الدول الأفريقيةِ وغير قابلةٍ للتغيير كعلم الدولة إلا قليلاً ، بالرغم من الإرهابِ إنْ كان للمرء أنْ يعتقدَ أنَّهُ قضيةٌ سياسةٌ خارجيةٌ فالْأَوْلَى أنْ يُوصِمَ طَرَفَيْهَا: أيْ من يُتَهَمُ بممارسةِ الْإِرْهَابِ ومَنْ يَتَهِمَهُ بِهَذَا الاتهام معاً ، فهي قضيةُ طَرَفَيْنِ مُتَدَاخِلَيْنِ، ووصل التداخلُ والاشتباك إلى درجةٍ أن أصبحَ من السهل لبعض القادة الأفارقة قَذْفِ خُصُومِهِمْ ومُعَارِضِيهِمْ في هوةِ تُهْمَةِ الإرهابِ السحيقةِ.
ضمن هذا السياق وتحت شعار مكافحة الإرهاب، تستضيف مدينة سرت الليبية في أواسط نيسان/أبريل 2026، جزء من مناورات “فلينتلوك” 2026 العسكرية التي تنظمها قوات العمليات الخاصة التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة قوات من معسكري شرق ليبيا وغربها، إِذْ تسعى هذه المناورات إلى تطوير قدرات الجيوش المحلية على مواجهة تكتيكات الجماعات الإرهابية المتمركزة في دول الساحل وغرب إفريقيا، والتي يمكن حصرها في ثلاثة تنظيمات رئيسية هم:
1- جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، وأدت هجماتها المسلحة إلى مقتل آلاف الأشخاص وتشريد أكثر من مليوني شخص في بوركينا فاسو على مدى أكثر من عقد من الزمن. وقد تصدرت البلاد قائمة أزمات النزوح الأكثر إهمالا في العالم التي يصدرها المجلس النرويجي للاجئين. وأدى العنف إلى مقتل أكثر من 8400 شخص العام الماضي، وهو ضعف عدد القتلى عن العام السابق، وفقا للمجلس النرويجي للاجئين.
2- و”تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”، تشكل فرع تنظيم داعش في الصحراء الكبرى في عام 2015 بعد أن انشق عن جماعة المرابطون، أحد الجماعات المنشقة عن تنظيم القاعدة، وبايع تنظيم داعش على الولاء. يتمركز الفرع بشكل أساسي في مالي، ويمتد نفوذه على طول الحدود بين مالي والنيجر، كما ينشط في بوركينا فاسو. أعلن الفرع مسؤوليته عن تنفيذ عدة هجمات، بما في […]
3- “بوكو حرام” في نيجيريا وغرب إفريقيا، تشكلت جماعة “طالبان” المعروفة في نيجيريا بلغة الهاوسا بـ “بوكو حرام” (أي التربية الغربية حرام)، في كانون الثاني /يناير 2004، من طلاب تخلوا عن الدراسة واتخذوا من قرية كاناما في ولاية يوبي (شمال شرق نيجيريا (المحاذية للحدود مع النيجر قاعدة لهم، لكنَّ السلطات قالتْ إنَّها تأسستْ منذ العام 1995.. وظهر الإسلاميون الجهاديون، الْمُسَمُّونَ “طالبان”، في منطقة بورنو على حدود النيجر ونيجيريا، وأغلب الظنِّ أنَّهم قَدِمُوا من المدينة الجامعية في مايدوغوري. وتَدُّلُ كلمة “طالبي”، بأفريقيا الغربية، على التلامذة الذين يدرسون في المدارس القرآنية، ويَسْتَعْطَوْنَ الناس على الطريق ويَحْصِلُونَ على نفقةِ دراسـتهم من الاستعطاء.
يعتقد العديد من الباحثين في شؤون القارة الأفريقية، أنَّ نشأة جماعة “بوكو حرام” كان تعبيراً عن مجموعة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المحلية المرتبطة بالواقع التاريخي، والإثني، والاقتصادي، والسياسي، في أفريقيا عامة، ولاسيما في شمال ووسط نيجيريا، أكثر من كونه “صراعاً دينياً”.
وتعتمد هذه التنظيمات الإرهابية عادة على ثلاث استراتيجيات:1- استنزاف القوات الحكومية، و2- استهداف القوات الغربية. و3- توسيع نطاق نشاطها الجغرافي وبناء شبكات محلية واستغلال الصراعات العرقية والقبلية والسيطرة على مساحات ريفية واسعة
من هي القيادة العسكرية “أفريكوم” المشرفة على هذه المناورات؟
تُعدُّ مناورات فلينتلوك واحدة من أهم برامج التدريب العسكري متعددة الجنسيات التي تُنظم سنوياً في إفريقيا تحت إشراف United States Africa Command (AFRICOM) “أفر يكوم”، ويشارك فيها عادة ما بين 25 و35 دولة من إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
فقد رَوَجَّت مؤسسة “هاريتاج أو إرث” لإنشاء القيادة الأفريقية، فنشرتْ في عام 2003 دراسة بعنوان “المعونة العسكرية الأمريكية لأفريقيا.. الحل الأفضل”، ذهبت فيها إلى أنَّ إنشاءَ قيادةٍ لأفريقيا يخدمُ أهداف الإدارة ويعجلُ بتَحْوِيلِ الأولويةِ الاستراتيجيةِ لأفريقيا إلى حقيقةٍ واقعةٍ وهونتْ الدراسة من فعالية الاكتفاء بالأداة الدبلوماسية وشجعت واشنطن على التوظيف الحاسم لقواتها، عندما تتعرض مصالحها الوطنية للخطر.
وما أنْ اكتملتْ دراسة إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا عام 2006 والتي عكف عليها فريق عمل مُكلف، وَوُفِقَ عليها حتى أُعْلِنَ عنها في فبراير 2007 وتم تفعيلها عملياً في الأول من أكتوبر/تشرين الأول عام 2008. وتم َّحسم الأمر حين أصدر الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، في فبراير/شباط 2007 مرسوماً بإنشاء القيادة التكتيكية الأفريقية بعد شهرين فقط من القصف الجوي الأمريكي للصومال، وعُيِّنَ الأدميرال موللر مديراً تنفيذياً للقيادة الجديدة ورئيساً لفريقها الانتقالي المكلف بهيكلتها وإنشاء كوادرها ثم أعلن وزير الدفاع “جيتس” في يوليو/تموز 2007 – رسمياً عن اختيار الجنرال “فورد” قائداً للقيادة الجديدة، المخطط أن يبلغ قوامها ألف عنصر بين عسكري ومدنى، ورصد لها البنتاجون ميزانية سنوية قدرها 250 مليون دولار، تمثل نحو 3 بالمائة من إجمالي النفقات الأمريكية الموجهة لتلك النوعية من الأنشطة العسكرية.
منذ إطلاقة عمل “أفريكوم” في عام 2005، تحولت هذه المناورات إلى منصة استراتيجية لتعزيز قدرات القوات الخاصة الإفريقية في مواجهة التهديدات غير التقليدية، وعلى رأسها الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في منطقة الساحل والصحراء. وتأتي نسخة عام 2026 من هذه المناورات خلال شهر أبريل، مع تنظيم أنشطتها التدريبية في عدة مواقع إفريقية، أبرزها كوت ديفوار وليبيا، بما في ذلك مدينة سرت التي تُعد إحدى نقاط التدريب الرئيسية في هذه الدورة.
السياق الإقليمي لهذه المناورات
تأتي نسخة مناورات سيرت “فلينتلوك” 2026 في سياق إقليمي شديد التعقيد يتميز بتوسع النشاط الإرهابي في منطقة غرب إفريقيا، وتراجع الوجود العسكري الغربي المباشر بعد الانقلابات في دول الساحل، وتصاعد المنافسة الدولية على النفوذ الاقتصادي والعسكري في إفريقيا، بين كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وبالتالي فإنَّ تحليل هذه المناورات لا يمكن أن يقتصر على بعدها العسكري التقني، بل يجب فهمها ضمن ديناميكيات الأمن الإقليمي، وإعادة تشكيل بنية التحالفات العسكرية في القارة، والتطور الاستراتيجي للجماعات المسلحة.
لقد تحول إقليم خليج غينيا الذي يضم أهم البلدان الأفريقية المنتجة للنفط، وفي طليعتها نيجيريا، إلى ساحة للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية التي تسعى لاستغلال ثروات الإقليم، خصوصاً ما يعرف باقتصاد “الظل” وهو نظام اقتصادي غير رسميّ وغير قانونيٍّ، حيث يمكن لبعض المنظمات والشركات الحفاظ على الأنشطة التمويلية لها بعيداً عن أنظار الحكومة. وهذه الاقتصادات غير الشرعية تُعَدُّ جاذبةً للعنف، لأنَّها تسمح “للمنظمات الإرهابية” بإخفاء معاملاتهم، وهكذا تؤدي الاقتصادات غير الشرعية إلى تصاعد الصراعات الداخلية.
وقد أفادت تقارير غربية بأنَّ “جماعة بوكو حرام” الإرهابية تقوم بعمليات غسيل أموال داخل الإقليم من خلال تجارة الماس، وقامت الجماعة بشراء ما بين “30 مليون دولار و50 مليون دولار” من الألماس من رئيس ليبيريا السابق تشارلز تايلور. وكان للإمبريالية الغربية بزعامة أمريكا نصيبٌ كبيرٌ بالاستفادة من موارد الإقليم وثرواته، حيث تحصل على ما يقرب من 20% من الطاقة النفطية في أفريقيا، والمتوقع أنْ تصل هذه النسبة إلى 25% في غضون عشرةِ سنواتٍ قادمةٍ، وتحصل على 15% من هذه النسبة من غرب أفريقيا، و5% من نيجيريا وحدها التي تُعَدُّ أَكْبْرَ منتجٍ للنفط في أفريقيا، لذلك تُولِي الولايات المتحدة أهميةً خاصةً للاستقرار في هذا الإقليم.
وترى الإمبريالية الأمريكية أنَّ شبكات الجريمة التي توفرها المنظومة الاقتصادية غير الشرعية تضع عوائق أمام مواجهتها للإرهاب، كما ترى الولايات المتحدة أنَّ نمو الاتجاهات الراديكالية يرتبط بالمسلمين في الإقليم ويُهَدِّدُ المصالح الاستراتيجية والأمنية لواشنطن، فقد ربط العديد من الخبراء الغربيين بين تزايد أعداد المسلمين في غرب أفريقيا ونمو الاتجاهات الراديكالية المعادية للولايات المتحدة والغرب.
ومنذ أنْ بدأتْ الولايات المتحدة بتنفيذ استراتيجيتها الدولية للحَرْبِ على الإرهاب اهْتَمَتْ بغرب أفريقيا، نظراً للمصالح الحيوية الأمريكية في هذا الإقليم، لا سيما ما يتعلقُ بأمنِ الطاقةِ. وعلى الرغم من أنَّ تلك المنطقة لم تشهد عملياتٍ إرهابيةٍ ضد المصالح الغربية، مثل شرق وشمال أفريقيا، فإنَّ الباحثين الأكاديميين وصنّاع القرار ركّزُوا اهتمامهم على العوامل التاريخية والثقافية، والاجتماعية والاقتصادية، وأزمات الحكم والصراعات الداخلية، والتي يمكن أن تسمح بنمو المنظمات الإرهابية في الإقليم، ورَأَوْا أنَّ عمليات حركة تحرير دلتا نهر النيجر في نيجيريا تمثلُ تَحَدّياً حقيقياً للمصالح الأمريكيةِ والغربيةِ.
لماذا تم اختيار سرت كمسرح لهذه المناورات العسكرية؟
لقد تم اختيار سرت لإجراء مناورات “فلنتلوك” في هذا التوقيت لأنَّ الهدف الأوسع للتدخل الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هو حماية ما أنجزه الغزو الأمريكي منذ أكثر من 23عاماً بضمان السيطرة على حوض الاحتياطي العراقي النفطي، الذي يضم ما يقارب 200 مليار برميل، من بينها 45 مليار برميل من الاحتياطي الكردي، والآن السيطرة على النفط الليبي، لا سيما أنَّ سرت تقع سرت في نقطة مركزية على الساحل الليبي، وتشكل عقدة جغرافية تربط شرق البلاد بغربها، كما تمثل بوابة طبيعية بين شمال إفريقيا والصحراء الكبرى، كما اكتسبت سرت أهمية أمنية خاصة بعد أن تحولت بين عامي 2015 و2016 إلى أحد أبرز معاقل تنظيم الدولة في شمال إفريقيا، حيث أعلن التنظيم المدينة مركزاً لعملياته في ليبيا قبل أن يتم إخراجه منها بعد معارك مكثفة. هذا التاريخ يجعل المدينة بيئة مناسبة لتدريبات مكافحة الإرهاب التي تحاكي ظروفاً واقعية مشابهة لبيئات عمل الجماعات الجهادية في الساحل.
تمثل مشاركة ليبيا في مناورات “فلنتلوك 2026” لأنَّ “المجموعات التكفيرية الإرهابية” تسعى إلى جعل ليبيا دولة جهادية في المنطقة واتخاذها مركز لتصدير الإرهاب إلى دول الجوار الجغرافي، لاسيما مصر وتونس والجزائر وسوريا. وفيما ينتظر أن تستضيف مدينة سرت، وسط شمال البلاد، خلال منتصف إبريل/ نيسان الحالي، جزءاً من مناورات “فلينتلوك 2026” التي تشرف عليها قوات “أفريكوم”، بمشاركة قوات من معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر وأخرى تابعة إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة، في خطوةٍ تعكس مساراً عملياً للتقارب العسكري بين الطرفين، استضافت السفارة الأمريكية في تونس، الاثنين الماضي، اجتماعاً ضمّ ممثلين عن حكومة الدبيبة وقيادة حفتر، لمناقشة ترتيبات توحيد السلطة المالية، ضمن إطار الاتفاق التنموي الموحد الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي برعاية أمريكية.
تأتي مناورات فلينتلوك 2026 في سياق انخراط أمريكي متزايد في الملف الأمني والعسكري الليبي، بدأ منذ في العام 2024، عبر سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي “أفريكوم” وقادة الشرق والغرب، في إطار مشروع أمريكي لبناء “قوة ليبية موحدة” من ضباط المعسكرين.
وفي فبراير/ شباط 2025، زار نائب قائد “أفريكوم” جون برينان طرابلس وبنغازي وسرت، والتقى فيها عدداً من القادة العسكريين الليبيين. وفي إبريل/ نيسان من العام نفسه، استضافت واشنطن لقاء جمع صدام حفتر ممثلاً ما يُعرف بـ “القيادة العامة للجيش الوطني” واللواء عبد السلام الزوبي عن حكومة الوحدة الوطنية، وفي الشهر نفسه، رست السفينة الأمريكية “يو إس إس ماونت ويتني” في طرابلس وبنغازي، حيث عقد وفد أمريكي رفيع اجتماعات متوازية مع القادة العسكريين في الجانبين.
خاتمة
ففي ظل سيطرة الإرهابيين، والميليشيات المسلحة، تحولت ليبيا تدريجياً إلى دولة فاشلة، فالسلاح أصبح اللغة السائدة، بعد أن صمّ الجميع آذانهم عن لغة الحوار الوطني، لاسيما أن الأجندات الخاصة التي تعمل من أجلها سواء حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، أو حكومة حفتر في بنغازي، تخدم الأجندات الإمبريالية الأمريكية، وتتناقض كلياً مع المصلحة الوطنية الليبية.. هذه الميليشيات لن تتورع عن إسقاط أية حكومة إذا لم تمرر أجنداتها “بطريقة ديمقراطية” تحت سقف هذه الحكومة أو تلك.
