بين الحرب والمراوغة.. كيف يتحول الصراع الأمريكي الإيراني إلى إعادة تشكيل للإقليم؟
بقلم زينب عدنان زراقط
على ما يبدو، فإن هذه الحرب لن تنتهي إلا بالقضاء الكامل على الكيان الصهيوني، الذي يزداد تمرداً واستشراساً كلما شعر بأن هناك تنازلاً أمريكياً يهدف إلى وقفها. فبدل أن تُترجم المبادرات السياسية إلى تهدئة، يتحول الحديث عن مفاوضات إلى إشارات ضعف تُغري إسرائيل بالمضي قدماً في التصعيد وفرض وقائع أكثر عنفاً على الأرض.
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة تقليدية، بل تحولت إلى صراع شامل تتقاطع فيه مصالح قوى متعددة، من إسرائيل إلى دول الخليج، وصولاً إلى لبنان الذي أمسى ساحة لجرائم الإنسانية والإبادة التي ينتهجها الكيان الصهيوني.
حتى قال وزير الدفاع الباكستاني “خواجة آصف” بالتزامن مع انعقاد محادثات السلام: “إسرائيل شر ولعنة للبشرية، وبينما تُجرى محادثات سلام في إسلام آباد، يُرتكب إبادة جماعية في لبنان. يُقتل مدنيون أبرياء على يد إسرائيل، أولاً في غزة، ثم في إيران والآن في لبنان – وسفك الدماء مستمر بلا توقف. آمل وأدعو أن يحترق الأشخاص الذين أنشأوا هذه الدولة السرطانية على الأرض الفلسطينية للتخلص من اليهود الأوروبيين في جهنم”..
وفي المقابل، كلما ازداد تورط الولايات المتحدة في مجاراة هذا الجنون الإسرائيلي، اتسعت دائرة الرد، ليس فقط داخل ساحات المواجهة المباشرة، بل أيضاً عبر استهداف القواعد الأمريكية، وتشديد السيطرة على مضيق هرمز، واستخدام أدوات ضغط إقليمية معقدة. فهل تمثّل المفاوضات مساراً حقيقياً لإنهاء الحرب، أم أنها مجرد مناورة أمريكية لإعادة التموضع وكسب الوقت؟ هل خرجت إسرائيل عن السيطرة في تصعيدها، أم أن ما يجري هو تنسيق غير معلن يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة؟ إلى أين يتجه هذا الصراع: نحو تسوية شاملة، أم نحو انفجار أوسع يعيد رسم خريطة المنطقة من لبنان إلى الخليج؟
أولاً: المراوغة الأمريكية والتصعيد الإسرائيلي
يقول الإمام الخميني، قدس الله سره، عن الولايات المتحدة: “لو قالت أمريكا لا إله إلا الله فلا تصدقوها”، وهو تعبير يعكس انعدام الثقة المطلق في الخطاب الأمريكي، ويستند إلى فهم ديني وسياسي مستمد من قوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾… حيث يُنظر إلى النفاق بوصفه سلوكاً يمكن أن يتخفّى خلف أقدس الشعارات. وفي السياق ذاته، جاءت انتقادات حادة للسياسات السعودية، حيث قال فيهم أيضاً “آل سعود لو اغتسلوا بماء زمزم ألف مرة لما تطهروا”، في دلالة على رفض عميق لدورهم في المنطقة واعتبارهم جزءاً من منظومة سياسية متحالفة مع الولايات المتحدة.
ضمن هذا الإطار، برز اتفاق كان يُسعى لتمريره، يبدأ بهدنة وتنفيذ شروط إيرانية واضحة، وقد بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحت ضغط الأزمات الداخلية، لم يجد مفراً من القبول. إلا أن إسرائيل، وبحسب هذا الطرح، استغلت لحظة إعلان وقف إطلاق النار لتشن هجمات واسعة على لبنان، أسفرت عن أكثر من 250 شهيداً ومئات الجرحى خلال دقائق، واستمرت الغارات دون توقف، رغم أن الشرط الإيراني الأول كان وقف الاعتداءات على جميع مكونات محور المقاومة، بما فيها لبنان.
وقد زادت التصريحات المتناقضة من تعقيد المشهد؛ إذ أعلن بنيامين نتنياهو أن لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار، في حين أكد السفير الباكستاني لدى الولايات المتحدة – الذي رعت بلاده المحادثات – أن لبنان جزء من الاتفاق. أما ترامب، فقد صرّح بأن لبنان لم يُدرج بسبب حزب الله، معتبراً أن ما يجري هو قتال منفصل، وهو ما اعتبرته إيران تنصلاً واضحاً من الاتفاق وتحميلاً لواشنطن مسؤولية خرقه.
وتبرز هنا قراءة عقائدية للصراع، كما أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، التي استحضرت واقعة كربلاء بوصفها نموذجاً لرفض الاستسلام، حيث يُنظر إلى موقف الإمام الحسين كرمز للصمود في وجه القوة الغاشمة، وهو ما يُسقط على الموقف الإيراني الحالي. فهذه العقيدة، بحسب هذا الفهم، تجعل من المستحيل أن تستسلم إيران للضغوط مهما بلغت شدتها.
وقد وُصفت الخطة الأمريكية بأنها “وُلدت ميتة”، إذ وافقت واشنطن على بنود الاتفاق التي نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بسرعة لافتة، ومن أبرزها عدم الاعتداء على محور المقاومة وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. غير أن هذه السرعة في النشر أفسدت محاولة أمريكية لإحراج إيران، حيث كان يُراد تصوير أي رد إيراني لاحق على أنه عدوان. لكن نشر البنود نقل الاتفاق إلى العلن، وجعل الشعب الإيراني – الذي كان يُفترض أن يخشى الحرب – يطالب بها، ما غيّر المعادلة.
تشير المعطيات إلى أن ما طُرح من خمسة عشر بنداً، وردّت إيران عليه بعشرة، لم يكن اتفاقاً حقيقياً بقدر ما كان ساحة اختبار للنوايا. فالمهلة التي مُنحت لمدة أسبوعين، بدلاً من التصعيد الفوري الذي كان متوقعاً خلال 48 ساعة، لم تعنِ وقف الحرب، بل أُسيء تفسيرها على أنها تهدئة.
في الواقع، حملت البنود العشرة قدراً كبيراً من الغموض المقصود، خصوصاً في ملفات حساسة، مثل:
1- تخصيب اليورانيوم دون تحديد نسب واضحة (5% أم 60%)
2- السيطرة على مضيق هرمز دون تعريف لطبيعة هذه السيطرة
3- رفع العقوبات مع إمكانية إعادة فرضها بسهولة
4- إنهاء قرارات مجلس الأمن بما يشبه العودة إلى ما قبل عام 2015
5- إنهاء ملفات الوكالة الدولية، بما فيها القضايا العالقة مثل مخزون المواد غير المعلن
6- انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة دون تحديد ما إذا كان يشمل الخليج أو القواعد البرية أو البحر فقط
7- وقف إطلاق النار على جميع الجبهات دون نص صريح يحمي إسرائيل من الرد
8- الإفراج عن جميع الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
9- تثبيت كل هذه البنود في قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن ليصبح قانوناً دولياً ملزماً.
10- دفع كامل التعويضات لإيران وفق التقديرات المحددة.
هذه البنود، بدل أن تهدئ، أثارت غضب إسرائيل بشكل كبير، لأنها رأت فيها تنازلات استراتيجية لإيران، بل وتهديداً مباشراً لتوازن القوى. ومن هنا جاء التصعيد الإسرائيلي في لبنان كرسالة مزدوجة: رفض عملي لهذه البنود، ومحاولة فرض معادلة ميدانية جديدة.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة كانت تسعى إلى شيء مختلف تماماً: إعادة تموضع لا إنهاء الحرب. فهي كانت تراهن على أن أي رد إيراني سيكون موجهاً نحو إسرائيل فقط، وليس نحو القواعد الأمريكية أو الخليج، ما يسمح لها بالبقاء خارج المواجهة المباشرة. إلا أن اللافت كان وقوع استهداف للقواعد الأمريكية في الخليج، دون أن يتبناه الحرس الثوري الإيراني، إذ لم يصدر أي بيان رسمي، بل أعلن أنه لم ينفذ أي هجوم على دول الخليج في الساعات الماضية، معتبراً أنه إن صحت هذه الهجمات فإن إسرائيل هي من تقف خلفها. هذه الاستراتيجية الأمريكية تحمل مخاطرة كبيرة، إذ قد تتحول إلى فخ مزدوج: إما أن تكون واشنطن تخدع إسرائيل وتدفعها إلى مواجهة منفردة، أو أن إسرائيل تجرّ واشنطن رغماً عنها إلى صراع أوسع.
إلى لبنان حيث لم يعد التصعيد حدثاً معزولاً، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي متكامل. فلبنان اليوم تحوّل إلى ساحة مفتوحة تُستخدم لتفريغ الغضب الإسرائيلي والضغط السياسي، تماماً كما حدث في غزة سابقاً.
الضربات الإسرائيلية، التي استهدفت المدنيين وأوقعت مئات الشهداء ومئات الجرحى، تعكس انتقالاً نحو نمط أكثر عنفاً، مع توسع الاستهداف ليشمل مناطق لم تكن ضمن بنك الأهداف التقليدي. ومع استمرار التفوق الجوي الإسرائيلي وغياب ردع مباشر، تبدو المعادلة مختلة مؤقتاً، لكنها تبقى قابلة للانقلاب في أي لحظة. فمجرد إسقاط طائرة واحدة أو تغيير قواعد الاشتباك قد يعيد التوازن بالكامل، كما حدث في تجارب سابقة في ساحات أخرى.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن ملف مضيق هرمز، الذي لم يُغلق بالكامل، لكنه يخضع لعملية “فلترة” دقيقة تستهدف الجهات المرتبطة بالولايات المتحدة. فالسفن الأوروبية أو الآسيوية التي تبتعد عن العباءة الأمريكية تمر، بينما يتم التضييق على غيرها، في محاولة لإعادة تشكيل شبكة المصالح الدولية. هذا الاستخدام الذكي للممرات البحرية يوازي في أهميته العمل العسكري، لأنه يضرب الاقتصاد العالمي ويضع الدول أمام خيارين: إما الاستمرار تحت المظلة الأمريكية وتحمل الكلفة، أو الانفكاك التدريجي عنها.
أما فيما يتعلق بالقواعد الأمريكية، فإن استهدافها أو التلويح بذلك يدخل ضمن معادلة ردع واضحة: كلما اقتربت واشنطن من الانخراط، ارتفعت كلفة بقائها. وفي هذا السياق، يُفهم أيضاً أن أي ضربة في الخليج، إذا كانت إيرانية، ستكون معلنة بوضوح، أما العمليات غير المعلنة فقد تكون جزءاً من محاولات التوريط أو خلق ذرائع لتوسيع الحرب.
ثانياً: دول الخليج من داعم للحرب إلى الخاسر الأكبر
الحكومات العربية المطبعة فضلاً عن الكيان الصهيوني والعملاء في المنطقة جميعهم يخشون تطبيق الاتفاق الذي يتضمن انسحاب القوات الأمريكية من كل منطقة غرب آسيا. دول الخليج وعلى رأسهم السعودية والامارات والبحرين هم من لا يريدون وقف الحرب ويعرقلون وقف إطلاق النار وأي هدنة، هم من يدفعون بالأمريكي والإسرائيلي للمضي بالحرب على حساب أمان شعوبهم، خوفاً من تخلي الأمريكي عنهم.
دول الخليج كما الدول العربية تلقّت خبر المفاوضات على أنه هزيمة استراتيجية. فمع صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسدة الحكومة العام الماضي، فتحت الدول الخليجية خزائنها له ودرّت قرابة 4 تريليونات دولار في زيارته لعواصمها، وكلها أمل بأن يغير المعادلة في المنطقة وبما يمنحها نفوذاً مستقبلاً في المنطقة. وبعد أن تلقوا إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقته على مقترحات إيران للسلام، جاء الخبر كالصفعة نصب أعينهم.
وعلى الرغم من ادعائها بالحياد ظلت تلك الدول تستقبل التعزيزات العسكرية الأمريكية تباعاً خلال الأشهر الأخيرة، وعينها على هزيمة إيران أو خروجها من المشهد. اليوم وبعد نحو شهر من اندلاع الحرب على إيران تترسخ نتائج ثابتة على الأرض تبدو فيها دول الخليج الخاسر الأبرز من المعركة، والتي كانت بعضها رسمت طموحاً بغزو بري واحتلال جزر على الأقل، وأخرى كانت تستعد لخلافة إيران في المنطقة؛ فالاتفاق يعني بأن الحرب قد انتهت بهزيمة ساحقة لأمريكا وانتصار لإيران التي يتعاظم نفوذها مستقبلاً، وقد تجد الدول الخليجية التي ناصبت العداء أمام استحقاق جديد لا يقل عن إزاحة عملائها.
وبغض النظر عن تلك الأهداف الخليجية من الحرب، وضعت هذه الحرب قواعد وأرست علاقات جديدة، أبرزها أنه لا حليف في المنطقة لأمريكا سوى إسرائيل، بينما بقية الدول بما فيها الخليجية لا تعدو كونها ممولاً أو خادماً في بلاط الصهيونية الجديدة.
في المجمل، تبدو الدول الخليجية أكبر الخاسرين من الحرب، ونتائج ذلك ستأتي تباعاً مستقبلاً حيث ستتعمق الأزمة بين تلك الدول، مما يجعلها منقسمة بين إيران وإسرائيل، خصوصاً مع فشل مجلس التعاون الخليجي في اتخاذ موقف موحد تجاه ما يجري واتساع رقعة انعدام الثقة بين كبار دوله.
في الختام، لا تشير المؤشرات إلى أن المنطقة تقترب من اتفاق حقيقي، كما أن التصعيد الجاري لا يوحي بإمكانية احتوائه قريباً. إسرائيل ماضية في التصعيد، مدفوعة بشعور بأن أي تراجع أمريكي هو فرصة للتوسع، بينما تحاول الولايات المتحدة اللعب على حافة الهاوية: دعم حليفها دون الانجرار إلى حرب شاملة. وفي المقابل، تتصاعد أدوات الرد الإقليمي، من الميدان العسكري إلى التحكم بالممرات الحيوية.
إلا أن الأنظار تتجه اليوم إلى التحول الأوروبي والآسيوي نحو إعادة فتح قنوات دبلوماسية مع إيران؛ فقد أعادت إسبانيا سفيرها إلى طهران، وأعلنت كوريا الجنوبية أنها سترسل مبعوثاً خاصاً إليها، بعد أن كانت من أكثر الدول التزاماً بالعقوبات الأمريكية.
هذا التحول يدل على أن العالم بدأ يقرأ الواقع والمستقبل بشكل مختلف، وأن إيران تتجه نحو ترسيخ موقعها كقوة إقليمية واقتصادية مؤثرة، خصوصاً في ظل التحول اللافت في موقع مضيق هرمز كأحد أهم الممرات الحيوية في العالم.
وأخيراً، لم يعد السؤال: هل ستنتهي الحرب؟ بل: كيف ستنتهي، وعلى حساب من، وبأي شكل سيُعاد رسم توازن القوى في المنطقة؟.
