إقليميات

إطلاق يد الدواعش بعد فشل زعزعة إيران و”العين على سدّ الفرات”

بقلم زينب عدنان زراقط

بين فشل الضربة المباشرة على إيران، وارتدادها خطراً على القواعد الأمريكية وحلفائها، جرى فتح بوابة البديل: خنق سوريا اقتصادياً، التحكم بشرقي الفرات، والضغط على لبنان، تمهيداً لاختراق العراق، خاصرة الإقليم الرخوة. هنا لا يعود السؤال عن الإرهاب وحده، بل عن إدارة الموارد، ومن يستخدمها، ولماذا يُستبدل القصف العسكري بالتحكم بالماء والجغرافيا.

فهل عودة تنظيم داعش نتيجة فشل أمني عابر، أم جزء من استراتيجية أمريكية بديلة بعد تعثّر خيار المواجهة المباشرة مع إيران؟ وما العلاقة بين انهيار ملف السجون، تراجع دور قسد، والتحكّم الأمريكي بسدّ الفرات بوصفه مورداً سيادياً للماء والطاقة في شرقي سوريا؟ وأين يقف لبنان والعراق من ارتدادات هذه الفوضى المُدارة على حدودهما وأمنهما الداخلي، في ظل إعادة تدوير الإرهاب وتفكيك الجغرافيا؟.

لم يعد ممكناً التعامل مع السياسات الأمريكية في المنطقة بوصفها التباساً أو سوء تقدير، فالقناع الذي حاول الرئيس الأمريكي، الساكن في البيت الأبيض، دونالد ترامب، ارتداءه طويلاً سقط نهائياً. ما يجري اليوم في سوريا والمنطقة يكشف بوضوح أن واشنطن لم تتخلَّ يوماً عن أدواتها القديمة، بل أعادت تشغيلها حين فشلت الأدوات المباشرة. فالجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، الذي تَفَاخر الأمريكيون سابقاً باستخدامه كأداة وظيفية، عاد اليوم إلى الواجهة ضمن خطة بديلة واضحة المعالم.

هذه الخطة تقوم على إعادة إنتاج الفوضى عبر الإرهاب، لا لإسقاط أنظمة فحسب، بل لفرض “حكم مركزي” في سوريا يكون قابلاً للتطويع والضغط، يُستخدم لاحقاً كمنصة لتهديد لبنان شمالاً وشرقاً، وترتيب المشهد السوري بما يخدم أمن إسرائيل أولاً، ثم فتح الطريق نحو العراق، الذي يشكّل في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية الخاصرة الأكثر حساسية لإيران.

فبعد فشل محاولة إشعال الداخل الإيراني عبر أحداث الشغب الأخيرة، التي ثبت تورط شبكات مدعومة أمريكياً وإسرائيلياً في تغذيتها، وبعد استدراك قوى الأمن الإيرانية والحرس الثوري للموقف، ونجاحهم في قطع شبكات الاتصال والدعم التقني الممول من شركات مرتبطة بحلفاء ترامب، وفي مقدمتهم إيلون ماسك، وضبط بؤر التخريب والإرهاب، وجدت واشنطن نفسها أمام مأزق استراتيجي حقيقي.

زاد هذا المأزق تعقيداً الموقف الخليجي، حيث أبدت دول الخليج العربي، التي تنتشر على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية، خشية واضحة من تحمّل كلفة أي رد إيراني محتمل، ورفضت أن تُستخدم أراضيها كنقطة انطلاق لأي هجوم على إيران. هذا الرفض لم يكن سياسياً فحسب، بل نابعاً من إدراك عميق بأن أي مواجهة مباشرة ستطال أمن هذه الدول واستقرارها الداخلي.

أمام هذا الانسداد، بدا أن إدارة ترامب انتقلت إلى خطتها البديلة، القديمة – الجديدة: إعادة تعويم داعش. ليس كتنظيم خارج السيطرة، بل كأداة وظيفية لإعادة خلط الأوراق، وضرب الاستقرار الإقليمي، وخلق بيئات أمنية رخوة تُستخدم للضغط السياسي والعسكري، من سوريا إلى لبنان، ومن ثم إلى العراق، في محاولة غير مباشرة لمحاصرة إيران عبر أطرافها الحيوية بدل المواجهة المباشرة معها.

بين التخلي عن قسد وخرق الأكراد

في حين أنّه قد لعبت قوات سوريا الديمقراطية دوراً محورياً في الحرب على تنظيم داعش خلال السنوات الماضية، مستفيدة من دعم أمريكي واسع سياسياً وعسكرياً. غير أن هذا الدور كان مرتبطاً بمرحلة محددة من الاستراتيجية الأمريكية، ومع تغيّر الأولويات، بدأ الغطاء يتراجع، لتجد قسد نفسها أمام واقع جديد لم تكن مستعدة له. التقليص الأمريكي للدعم، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، انعكس مباشرة على قدرة قسد في إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف السجون والمخيمات التي تضم آلافاً من عناصر التنظيم وعائلاتهم. ومع انسحابها أو تراجعها عن مواقع حيوية، ظهرت فجوات أمنية استغلتها خلايا متطرفة لإعادة تنظيم صفوفها. في هذا السياق، لا تبدو قسد مجرد ضحية تخلي الحليف، بل تحوّلت – من حيث النتيجة – إلى نقطة ضعف في منظومة الأمن الإقليمي، وهو ما يخدم، بشكل غير مباشر، استراتيجية إعادة الفوضى المدارة، وإعادة تشغيل أدوات الضغط غير المباشر على محور المقاومة.

بينما في خضم هذه التحولات، تقف القضية الكردية في سوريا عند مفترق بالغ الحساسية. فبعد سنوات من الرهان على دعم خارجي ومشروع إدارة ذاتية، وجد الأكراد أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بالعودة إلى كنف الدولة المركزية بشروط غير واضحة، أو مواجهة عزلة أمنية وسياسية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. هذا الوضع الهش يجعل المناطق الكردية ساحة قابلة للاختراق مجدداً من قبل الجماعات المتطرفة، ما يضيف عامل ضغط جديد على سوريا، ويصب في خانة الاستنزاف الإقليمي الأوسع.

أمريكا تُطلق داعش لضرب الإقليم

أمّا أخطر التطورات الجارية في المشهد السوري تمثّلت في الانهيار التدريجي للسيطرة على سجون تضم عناصر من تنظيم داعش في شمال وشرق البلاد. هذا الانهيار، الذي جرى تحت أنظار قوى دولية كانت تتولى الإشراف غير المباشر على تلك المناطق، لا يمكن قراءته كحادث أمني معزول، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة إدخال التنظيم إلى المعادلة الإقليمية.

عمليات الإفراج أو الهروب التي طالت سجناء من مراكز احتجاز في الحسكة والشدادي كشفت هشاشة البنية الأمنية القائمة، وأطلقت موجة اتهامات متبادلة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية حول المسؤولية. لكن ما هو أخطر من تبادل الاتهامات، هو أن خروج هذه العناصر يشكّل تهديداً عابراً للحدود، ويعيد فتح مسرح عمليات يمتد من البادية السورية وصولاً إلى العراق ولبنان. هذا التطور يكتسب بعداً إضافياً عند وضعه في سياق الصراع غير المباشر مع إيران، إذ إن إعادة تنشيط خلايا داعش في هذه الجغرافيا الحساسة يفتح المجال لاستنزاف القوى الحليفة لطهران، سواء في سوريا أو العراق، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة معها.

هذه التطورات الأخيرة في شمال وشرق سوريا عكست تحوّلاً واضحاً في ميزان القوى. فالاتفاقات التي سمحت بعودة الدولة السورية إلى بعض المناطق، بما فيها إدارة السجون ومخيمات الاحتجاز، جاءت نتيجة إدراك دولي بأن ترك هذا الملف بيد قوى محلية هشّة لم يعد قابلاً للاستمرار. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة استعادة الاستقرار، إذ ترافقت هذه العملية مع نقل عدد من سجناء داعش إلى العراق، في خطوة تعكس القلق من انفجار أمني محتمل داخل سوريا، لكنها في الوقت نفسه تنقل الخطر إلى ساحة أخرى لا تقل حساسية.

العراق، بحكم موقعه ودوره، يشكّل الامتداد الطبيعي لهذا الصراع، وهو الحلقة الأضعف في سلسلة الاستهداف غير المباشر لإيران، حيث يمكن لتنشيط خلايا داعش أن يعيد خلط الأوراق الأمنية ويستنزف القوى التي نجحت سابقاً في دحر التنظيم. كما أنَّ هذا الانفلات الأمني في شمال وشرق سوريا لا يتوقف عند حدودها. فلبنان، بحدوده الشمالية والشرقية المفتوحة نسبياً، يواجه خطر تسلل عناصر متطرفة قادرة على استغلال أي هشاشة داخلية لضرب الاستقرار. هذا التهديد يتزامن مع ضغط سياسي وأمني متزايد، ما يجعل الساحة اللبنانية جزءاً من معادلة الضغط غير المباشر. أما العراق، فهو الساحة الأوضح لهذا المسار. عودة نشاط داعش هناك لا يمكن فصلها عن محاولة استهداف العمق الاستراتيجي لإيران عبر خاصرتها العراقية، وإشغال حلفائها بمعارك أمنية داخلية، بدل الانخراط في معادلات ردع إقليمية أوسع.

“سدّ الفرات” الهدف الأمريكي المباشر

في قلب كل هذه التحولات الأمنية والسياسية، يبرز سدّ الفرات بوصفه الهدف الأمريكي الأكثر حساسية واستراتيجية، لا بوصفه منشأة خدمية فحسب، بل كعقدة جيوسياسية تربط سوريا بالعراق وتلامس الأمن القومي الإيراني بشكل غير مباشر. فالتحكم غير المباشر بالسدّ، سواء عبر قسد أو من خلال إبقاء المنطقة في حالة فوضى أمنية مدروسة، منح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على إدارة الاختناق الاقتصادي والاجتماعي في شرق سوريا، بما ينعكس مباشرة على حوض الفرات الممتد نحو العراق.

تعطيل استقرار الكهرباء والمياه والزراعة في هذه المناطق لا يضرب الداخل السوري وحده، بل يفتح ثغرات أمنية واقتصادية على الحدود العراقية، حيث يشكّل الفرات شرياناً حيوياً للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، تتحول الفوضى في شرقي سوريا إلى عامل ضغط مزدوج: إنهاك للدولة السورية من جهة، واستنزاف غير مباشر للعراق من جهة أخرى، بما يعيد فتح خاصرته الغربية أمام عودة الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها داعش، في توقيت يتقاطع مع محاولات تطويق إيران إقليمياً.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل إدارة ملف سدّ الفُرات عن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل بعد تعثر خيار المواجهة المباشرة مع إيران. فبدل الضربة العسكرية، جرى الاستثمار في تفكيك الجغرافيا، وتحويل الموارد السيادية – وعلى رأسها الماء – إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني. الفوضى هنا ليست نتيجة ثانوية، بل وسيلة ضغط تهدف إلى تعطيل أي محور استقرار يمتد من دمشق إلى بغداد، وصولاً إلى طهران، عبر إعادة تدوير الأزمات وفتح المجال أمام الجيوش البديلة والتنظيمات العابرة للحدود.

وعليه، فإن ما تعيشه سوريا اليوم، خصوصاً في شرقي الفرات، لا يمكن قراءته كأزمة محلية أو صراع نفوذ داخلي فحسب، بل كجزء من معركة إقليمية تُدار بأدوات غير تقليدية، حيث يُستبدل القصف العسكري بالتحكم بالماء، وتُستبدل الجبهات المفتوحة بفوضى محسوبة النتائج، يكون ضحيتها الأولى شعوب المنطقة واستقرارها.

في الخلاصة، عودة داعش ليست عفوية بل أداة مُعاد تشغيلها. ما يجري في سوريا اليوم، وخصوصاً في ملف السجون وقسد والمناطق الكردية، لا يمكن قراءته كفوضى عشوائية، بل كإدارة متعمدة للأزمات، حيث يتحول تنظيم داعش والتحكم بالموارد السيادية، وفي مقدمتها سدّ الفرات، إلى أدوات ضغط بعد فشل الخيارات المباشرة ضد إيران. سوريا تتحول إلى بوابة، لبنان إلى ساحة ضغط، والعراق إلى خاصرة مستهدفة. وفي هذا المشهد، لا يكون السؤال: هل عادت داعش؟ بل: من أعادها؟ ولماذا الآن؟ ولمصلحة أي معركة إقليمية يُحضَّر هذا المسرح؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *