التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني يدخل عامه السادس
بقلم توفيق المديني
دخل التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني عامه السادس منذ إعلان الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى دونالد ترامب، في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2020، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والكيان الصهيوني. ورسم هذا الإعلان مرحلة جديدة واستثنائية في تاريخ العلاقات بين البلدين، التي كانت قد قُطعت عام 2000، إثر الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وجرى الإعلان عن تطبيع العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني في سياق إقليمي بعد أن وقعت ثلاث دول عربية: الإمارات والبحرين والسودان، ما عُرف بـ “الاتفاقيات الإبراهيمية”، مع الكيان الصهيوني برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.
لكنَّ هذه الاتفاقيات أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية والدينية، ففي حين يراها المطبعون مع العدو الصهيوني فرصة لتعزيز الاستقرار والتعاون الاقتصادي في المنطقة، يعتبرها المناصرون للمواقف التاريخية المتعلقة بتحرير الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها أرض فلسطين السليبة، تطبيعاً غير مشروطٍ يقود إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير سكانها الأصليين، كما يفعل الرئيس ترامب الآن في غزَّة.
لقد فضل الملك محمد السادس عملية مقايضة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي جاء بعد عام من المفاوضات السرية الحثيثة التي شارك فيها على نحو خاص بدور بارز كلّ من صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير والمستشار الخاص للعاهل المغربي من أصل يهودي أندريه أزولاي، واللذين كانا، بحسب مصادر مغربية وإسرائيلية تحدثت لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، الصادرة يوم الجمعة 11ديسمبر2020، “ضالعين بشكل عميق وبسرية تامة في تخطيط العلاقات، وساعدا في بلورة الاتفاق”.
كان بإمكان حل قضية الصحراء الغربية عربياً، أو على الأقل بين المغرب والجزائر في إطار ما يخدم المصلحة العربيّة، لكنَّ النظام الملكي المغربي بزعامة محمد السادس اختار طريق الاستقواء بأمريكا، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، لفرض الطرح المغربي المتمثل بالحكم الذاتي في الصحراء الغربية في إطار المحافظة على مغربيتها من حيث السيادة الوطنية. وشكلت مبادرة ترامب في نهاية فترة ولايته الأولى الاعتراف بسيادة المغرب على كامل أراضيه المسترجعة وتأييد مبادرة الحكم الذاتي، ترجيحاً لكفة المغرب في نزاع الصحراء، وكسراً لقاعدة التوازن التي كانت تسلكها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بهذا الشأن.
فإقران التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني مع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المَلكية المغربية على الصحراء الغربية، يُعَدُّ ركيزةً كبرى في “الاتفاقيات الإبراهيمية”. وفي الوقت نفسه، تندرج هذه الاتفاقيات والتطبيع الناتج عنها في إطار جيو/استراتيجي يقوم فيه المغرب بدور بيدق في رقعة شطرنج عالمية تصارع فيها الولايات المتحدة (والاتحاد الأوروبي) الصين وروسيا على الهيمنة في أفريقيا.
السياق التاريخي للعلاقات الأمنية بين المغرب والكيان الصهيوني
العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني قديمة، ولم تبدأ في 10 كانون الأول/ديسمبر 2020، وتعود جذورها إلى فجر نَيْل المغرب “استقلاله السياسي” عن فرنسا الاستعمارية في العام 1956، إِذْ بدأت اتصالات الراحل الحسن الثاني بـ “إسرائيل” قبل تتويجه ملكاً، وازدادت عمقاً منذ ذلك الحين.
وهكذا، فإِنَّ العلاقات بين دولة الاحتلال الصهيوني والمغرب واسعة النطاق، وأنّ المصالح المُشتركة بين الدولتين، تُشكّلان الركيزة الأساسيّة لهذه العلاقات، التي تعتمد على عاملين أساسيين: الأوّل، العلاقة اليهوديّة – المغربيّة، التي ما زالت مُستمرّةً منذ ألفي عام، والثاني، التعاون الأمنيّ بين المغرب و”إسرائيل”، والذي ابتدأ في الستينيات من القرن الماضي، بسبب العداء المُشترك للدولتين، للقومية العربية المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وكان الرئيس المصري جمال عبد الناصر رمزاً لها، وكانت مصر في عهده قِبلة معارضي الحسن الثاني الراديكاليين (المهدي بن بركة وحزبه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية).
وقد استغل الحسن الثاني هذا “المخزون التاريخي” المشترك بين العرش المغربي واليهود، لإقامة علاقات وثيقة بين المغرب و”إسرائيل” منذ الستينيات من القرن العشرين، وهو كلف جهاز الاستخبارات الصهيونية “الموساد” بإعادة بناء جهاز الاستخبارات المغربية.
وتمثلت أهم حلقة للتعاون بين الجانبين في ترتيب اختطاف المعارض المغربي البارز مهدي بن بركة من باريس يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 1965 واغتياله بتنسيق مباشر بين الملك الراحل ورئيس الحكومة الصهيونية آنذاك ليفي أشكول، وبواسطة خلية ضمّـت كلا من أوفقير والدليمي (اللذين نفذا العملية) مع رئيس “الموساد” مائير أميت.
فقد حدَّد الموساد بناءً على طلب المخابرات المغربية، الهدف، أي المعارض اليساري المغربي بن بركة، وجرى استدراجه إلى باريس، واختطفه المغاربة والفرنسيون المتحالفون معهم، وتم تعذيبه حتى الموت، وبعد ذلك تخلص عملاء الموساد من الجثة التي لم يعثر عليها.
لم يكن هذا التعاون سرِّياً، إذ أماطت صحيفة “بول” الصهيونية اللثام عن تورط “الموساد” في اغتيال بن بركة في عددها الصادر في 11 كانون الأول /ديسمبر 1966 (مع أنها متخصصة في الصور الخليعة)، لكنَّها تحفظت عن إعطاء التفاصيل متعللة بأنَّ “هناك تحقيقاً جارياً في الموضوع، يمكن أن يؤدي إلى إسقاط حكومة أشكول”. واللافت أنَّ ثلاثين ألف نسخة من العدد جُمعت من الأسواق باتفاق بين الموساد والحكومة، وأحيل كاتبا المقال على المحكمة بتهمة إفشاء أسرار الدولة، فقضت بسجنهما سنة واحدة، ما برهن على شدة ضيق الرسميين الصهاينة من إفشاء سر بذلك الحجم.
غير أنَّ الأهم من التعاون الإستخباراتي الذي كُشفت تفاصيله في الأيام الأخيرة، هي الموافقة الرسمية المغربية على التعاون في مسألة الهجرة، إذ كان الهدف الرئيس للصهاينة هو تهجير 250 ألف يهودي مغربي إلى فلسطين للسيطرة على الأراضي المنتزعة من سكان البلد، وانطلقت الهجرة بوتيرة كثيفة اعتباراً من سنة 1948، واستمرت إلى 1975، لكنها كانت سرِّية في المرحلة الأولى قبل أن تصبح علنية ورسمية لاحقاً.
ولعبت الاتصالات بين الحكومة المغربية والمؤتمر اليهودي العالمي دوراً أساسياً في تنظيم تلك الهجرة، لكنَّها اتخذت بُـعداً سياسياً أكبر مع الدور الذي لعبه الملك الحسن الثاني في الصراع العربي – الصهيوني من خلال التقريب بين أنور السادات ومناحيم بيغن، ثم من خلال إقناع الدول العربية بالاعتراف بالكيان الصهيوني في مؤتمري فاس الأول والثاني (1981 و1982) من خلال القبول بتسوية على قاعدة القرار الأممي رقم 242.
وفي هذا السياق، تبنى الملك الحسن الثاني ومن بعده الملك محمد السادس، الأمين العام لمجلس الجماعات اليهودية في المغرب سيرج بيرديغو، الذي تولى منصب وزير السياحة (1993-1995)، وأندري أزولاي الذي كان مستشاراً خاصاً للملك الحسن الثاني، وهو المستشار للملك المغربي الحالي محمد السادس، والذي يحتفظ بعلاقات حميمة مع كبار الزعماء الإسرائيليين، وقد استقبل في مناسبات عدة مجموعات من رجال الأعمال الإسرائيليين في المغرب ممن وُجهت لهم الدعوات بصفتهم تلك.
أهداف التعاون العسكري بين المغرب و”إسرائيل”
بلغت قيمة صفقات السلاح بين المغرب وإسرائيل نحو 2.3 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، بمعدل 460 مليون دولار سنوياً. ومن أبرز هذه الصفقات شراء المغرب قمر “أوفيك” لاستخدام في العمليات للتجسّس والمراقبة، وقد بلغت قيمة الصفقة نحو مليار دولار أمريكي في العام 2024، فضلاً عن شراء المغرب أنظمة الدفاع الصاروخي BARAK بقيمة مليار دولار في عامي 2023 و2024. وبعد تطبيع العلاقات، وقع المغرب و”إسرائيل” على مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي والسيبراني، في نوفمبر 2021، والتي اعتبرت في ذلك الوقت الأولى من نوعها بين “إسرائيل” ودولة عربية. وتتيح هذه المذكرة للجانبين تداول المعلومات الاستخباراتية، وإجراء تدريبات مشتركة، فضلاً عن إبرام صفقات تسليح. فيما بعد قام المغرب بشراء أنظمة SkyLock Dome المضادة للطائرات بدون طيار في عام 2022 مقابل 500 مليون دولار، بالإضافة إلى أنظمة الصواريخ Barak MX في عام 2023 مقابل 500 مليون، وتجدر الإشارة إلى أن قبرص كذلك تعاقدت على شراء هذه المنظومة. كما أفادت تقارير، في 2024، أنه تم افتتاح منشأة لتصنيع الطائرات بدون طيار من قبل شركةBlueBird Aero Systems الإسرائيلية في المغرب.
خلال زيارته للمغرب في 23نوفمبر 2021، وقَّع وزير الأمن الإسرائيلي السابق غانتس مذكرة للتفاهم الأمني بين “إسرائيل” والمغرب، فتحت الطريق أمام مبيعات عسكرية محتملة وتعاون.
وأعربت مصادر استخباراتية غربية عن تخوفها من أن تعزز هذه الشراكة الاستراتيجية الطيران الحربي المغربي عبر تطوير وإنتاج الطائرات بدون طيار “كاميكاز” حيث يعمل البلدان على إعداد مشروع لصناعة هذه الطائرات بالمغرب وإنتاج أكبر عدد ممكن منها هناك. وسيتمكن الإسرائيليون من إنتاج طائرات بدون طيار في المغرب بكميات كبيرة وبأسعار أقل بكثير، وسيتمكنون من وضع أنفسهم في أسواق التصدير.
لقد كرسَّتْ زيارة وزير الأمن الإسرائيلي للمملكة المغربية، استكمال مثلث التحالف الاستراتيجي بين أمريكا و “إسرائيل”، وأمريكا والمغرب، وأخيراً تثبيت قاعدة هذا المثلث بين “إسرائيل” والمغرب، إِذْ فتح التعاون العسكري المغربي – الإسرائيلي آفاقاً واعدةً للشراكة الثلاثية، وأسَّس بالتالي لتعاون وثيق ومهم بين الرباط وتل أبيب في مجالات عسكرية وأمنية؛ وبذلك أصبحت لـ “إسرائيل” قاعدة جديدة في منطقة المغرب العربي، باتتْ تشكِّل تهديداً استراتيجياً للأمن القومي العربي في المنطقة المغاربية. وتسعى “إسرائيل” من خلال تسويق أسلحتها للمغرب في أن يساعدها ذلك في زيادة صادرتها العسكرية لدول عربية وإفريقية أخرى.
لا شك أنَّ هذا التحالف الاستراتيجي المغربي الإسرائيلي لعب دوراً مهماً في ترسيخ مكانة المغرب كقوةٍ إقليميةٍ في منطقة المغرب العربي، وتطويق الجزائر، خصوصاً أنَّ تسليم “إسرائيل” أنظمة دفاعية متطورة للمغرب، إضافة لخبرتها في مجال صناعة الطائرات من دون طيار، مكَّنَ المغرب من دخول عصر الصناعات العسكرية، واستقطاب استثمارات دول كبرى في هذا المجال، وعزَّز قدراته العسكرية في أيِّ حربٍ مقبلةٍ قد تندلع بينه وبين جبهة البوليساريو، ومن ورائها الجزائر، في ظل تصاعد التوتر بين البلدين المغاربيتين، بعد قطع العلاقات الديبلوماسية.
كما أنَّ توطيد العلاقات بين المغرب وكلٍ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مكَّن الولايات المتحدة من الحفاظ على موطئ قدمٍ في الشمال الغربي لإفريقيا، الذي يشهد تراجعاً للنفوذ الفرنسي وصعوداً للنفوذ الروسي، خصوصاً في كونفدرالية دول الساحل التي تساندها روسيا بطرق مختلفة من ضمنها نشر الفيلق الإفريقي في هذه المنطقة.
ويسعى المغرب دائماً إلى تأمين توازن عسكري مع الجزائر التي تدعم البوليساريو وتتمتع أيضاً بعلاقات متميزة مع روسيا والتي بدورها تمُدُّهَا بأحدث أنواع الأسلحة. ويعتبر البعض أنَّ المغرب ينظر للأسلحة الإسرائيلية – وكذلك التركية – على أنَّها ذات فعالية في مواجهة السلاح الروسي بناءً على ما شهدته حرب ناغورني قره باغ في 2020 من معارك تفوق فيها السلاح الإسرائيلي الذي تمتلكه أذربيجان على السلاح الروسي في صفوف القوات الأرمينية، ولكنَّ لا يجب إغفال أنَّ السلاح الروسي لدى الجزائر هو أكثر تطوراً.
خاتمة
على الرغم من الاعتداءات غير المسبوقة في تاريخ الاحتلال الصهيوني، التي وصلت إلى حرب الإبادة الجماعية وجرائم التهجير القسري، التي قامت بها الحكومة الصهيونية الفاشية بزعامة نتنياهو بشراكةٍ كاملةٍ مع الولايات المتحدة و الدول الأوروبية الاستعمارية منذ عملية طوفان الأقصى في 7أكتوبر 2023، وعلى الرغم من إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو) ووزير الأمن الإسرائيليَّين (يوآف غالانت)، فإنَّ النظام الملكي المغربي لم يَقُمْ حتى باستدعاء القائم بأعمال مكتب الاتصال المغربي في تل أبيب، بل على العكس من ذلك، تمَّ تغيير القائم بأعمال مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط بسلاسة، واستمرت المبادلات التجارية والاقتصادية والعسكرية، وإن قلّت وتيرتها بسبب ظروف الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى.
أمَا بالنسبة للشعب المغربي وقواه الوطنية والإسلامية، فقد عبَّر في أكثر من مناسبةٍ عن رفضه لكل هذه الخطوات التطبيعية المتسارعة بين النظام الملكي المغربي والكيان الصهيوني، وجدَّدَ تأكيد موقفه الثابت والرافض بشكل قاطع كلَّ أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، باعتباره كياناً استعمارياً عنصرياً قائماً على الاغتصاب والتهجير وجرائم الحرب.
وأكَّدَ أنَّ التطبيع لا يمكن أن يكون خياراً سيادياً ولا مصلحةً وطنيةً، بل هو انخراطٌ مباشرٌ في شرْعَنَةِ الاحتلالِ الصهيونيِ وتَبْيِيضِ جرائمهِ، وطعن في الإرادة الشعبية المغربية المناصرة تاريخياً لفلسطين، وما فعاليات طوفان الأقصى التي عمت كل مدن المغرب ومن دون توقف عنا ببعيدة.
في ظل غياب استراتيجية عربية للتعامل مع الصراع العربي- الصهيوني، التي تحدِّدُ الأهداف بدقة، وتحشد الطاقات البشرية والمادية وتكاملها وديمومتها، تتسابق اليوم الأنظمة على التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفيها من لا يجاور فلسطين المحتلة كما هو الحال المغرب، والسودان والدول الخليجية، ولم ينخرط يوما في الصراع، حيث باتت الهرولة لنيل حظوة لدى واشنطن، ظانين أنَّ الحفاظَ على عروشهم مرهونٌ برضا الإدارة الأمريكيّة وعبر بوابة تل أبيب. وهذا ينفي وجود استراتيجيّة عربية للصراع مع العدو.
إنَّ استمرار مسلسل التطبيع بين الأنظمة المطبّعة والعدو الصهيوني يمثل طعنة غادرة للشعب الفلسطيني وقوى المقاومة، ويشجع الاحتلال الصهيوني على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين، ويمثل خطراً على القضية الفلسطينية والأمة العربية ومقدساتها.
فالتطبيع مهما كانت درجته لن يمنح الشرعية للاحتلال الذي سيبقى العدو الأوحد للأمة العربية، ولن يفلح هذا المسار المخزي في تزييف وعي الشعوب العربية والإسلامية تجاه العدو الصهيوني، وستبقى فلسطين وعاصمتها الأبدية القدس، القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية.
