إقليميات

الصومال في مرمى المشروع الصهيوني.. واليمن يرفع راية الردع

بقلم نوال النونو

وأكد السيد الحوثي في خطاب له بمناسبة إحياء الذكرى السنوية لشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي أن صنعاء مستمرة في رصد أي تمركز إسرائيلي في إقليم “أرض الصومال”، وأنهم “جادون” في استهداف أي تمركز للعدو الإسرائيلي هناك.

وقال السيد الحوثي إنّ “ما يجري في أرض الصومال بالنسبة لنا ذو أهمية كبيرة لأنه يشكّل تهديداً ضدّ اليمن وضدّ شعوب المنطقة، وهذه مسألة لا يمكن أن نسكت عنها أبداً”.

ويرى المسؤولون في حكومة صنعاء أن الصومال يمثل عمقاً استراتيجياً لليمن، وهو ما صرح به رئيس مجلس الشورى محمد حسين العيدروس، والذي أكد أن أي تموضع صهيوني فيما يسمى “أرض الصومال” مرفوض، وسيُواجه باعتباره اعتداءً على الأمن اليمني، ولذا تنطلق هذه المواقف من قراءة استراتيجية للصراع، ترى في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي ساحات مترابطة في مواجهة مشروع الهيمنة الصهيونية – الأمريكية.

ويعمل الكيان الصهيوني على توسيع نطاق حضوره في القرن الأفريقي، مستفيداً من حالة التفكك الداخلي في الصومال، ومن التواطؤ الإقليمي لبعض الأنظمة التي فتحت له الأبواب تحت عناوين أمنية واقتصادية زائفة.

ونشط كيان العدو مؤخراً في “أرض الصومال”، وانتقلت الزيارات بينهما من السر إلى العلن، ومؤخراً زار وزير الخارجية الصهيوني جدعون ساعر “هرجيسا” عاصمة “أرض الصومال”، لكن الزيارة كانت محفوفة بالمخاطر، ولم يتم الإعلان عنها إلا في وقت لاحق بعد وصول ساعر إلى الكيان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما كشف عنه السيد عبد الملك الحوثي، الذي أكد أن الزيارة كانت “متخفية” خشية من الموقف اليمني.

وتعكس التحركات الصهيونية الأخيرة، التي جرى تنفيذها بسرية واضحة، إدراكاً عميقاً لحساسية الموقف اليمني، وخشية حقيقية من انتقال هذا الوجود من خانة التحرك السياسي إلى خانة الاستهداف العسكري المشروع، في ضوء معادلة الردع التي فرضها اليمن خلال معركة البحر الأحمر، وهذا يعني أن حكومة “نتنياهو” تتعاطى مع التهديد اليمني على محمل الجد، وأنها تخشى أن يصاب مسؤولوها الذين يزورون “أرض الصومال” من أجل الانتقام من اليمن، ما يدل على أهمية الردع اليمني وقوته مقارنة بمواقف عربية وإسلامية نددت بالاعتراف الصهيوني بما يسمى “أرض الصومال” لكن مواقفها لم تخرج عن دائرة الشجب والتنديد فقط.

الأهمية الاستراتيجية للصومال بالنسبة لليمن

وتمثل الصومال نقطة ارتكاز جغرافية بالغة الحساسية، لإشرافها المباشر على خليج عدن وقربها من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي وجود صهيوني في هذه الساحة يعني تهديداً مباشراً لخطوط الملاحة، ومحاولة لمحاصرة اليمن بحرياً، وإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر بما يخدم العدو الإسرائيلي والداعم الأمريكي.

ولا يشكل التمركز الصهيوني في هذه المنطقة الحساسة تهديداً مباشر للأمن القومي اليمن فحسب، وإنما يطال المنطقة برمتها، حيث ستتضرر منه السعودية، ومصر، وقطر، وحتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأذربيجان، فإمداد الخليج من الطاقة والتي يتم تزوديها لأوروبا وأمريكا تمر من مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وهي ستخضع للتهديد الصهيوني إذا ما تمركز في هذه المنطقة، كما أنها ستشكل تهديداً مباشراً لقناة السويس.

ويأتي الوجود الصهيوني في “أرض الصومال” في هذه المرحلة بالتحديد، كمواجهة مباشرة مع اليمن، وخصوصاً بعد نجاحه في فرض حصار بحري خانق على العدو خلال معركة الإسناد لغزة، وهو ما أدى إلى إفلاس ميناء “أم الرشراش”، ولهذا يسعى الكيان إلى تحقيق هدفين رئيسيين من تمركزه بأرض الصومال وهما:

أولاً: سهولة قصف اليمن من القواعد العسكرية هناك، وهنا يستطيع الصهاينة اختصار المسافة بين اليمن والكيان المؤقت، فبعد أن كان جيش العدو يجتاز مسافة ألفي كيلو متر لقصف صنعاء، ويعني صعوبة في بعد المسافة الجغرافية، بات من خلال استخدام “أرض الصومال” أكثر قرباً وسهولة والمسافة بين اليمن والصومال لا تزيد عن 300 كيلو متر فقط، ولا يفصل بينهما سوى البحر الأحمر.

ثانياً: التمركز الصهيوني في “أرض الصومال” يتيح لكيان العدو فرض حصار على الموانئ اليمنية، وتحديداً ميناء الحُدَيْدَة، وهذا سيؤدي إلى تضرر اليمن بشكل كبير، وخصوصاً في الجانب الاقتصادي، وبالتالي يفقد اليمن ورقة رابحة في حصاره على الموانئ الصهيونية.

دلالات الموقف اليمني

ويحمل الموقف الذي أعلنه السيد عبد الملك الحوثي، وأكده رئيس مجلس الشورى، جملة من الدلالات السياسية والاستراتيجية، في مقدمتها انتقال اليمن من مرحلة التحذير إلى مرحلة الإعلان الواضح عن خطوطه الحمراء، والتأكيد على أن أي تموضع صهيوني في “أرض الصومال” سيُعامل باعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي اليمني، وهذا ما يعني تثبيت معادلة ردع إقليمية جديدة، توسّع نطاق الاشتباك من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تقدير أن الكيان الصهيوني سيواصل محاولاته للتغلغل في الصومال، مستنداً إلى دعم أمريكي، وتواطؤ إقليمي، مع السعي لتجنب المواجهة المباشرة مع اليمن في هذه المرحلة.

وفي المقابل، يظهر أن اليمن ماضٍ في توسيع هامش ردعه، وعدم السماح بتحويل خاصرته البحرية إلى ساحة اختراق صهيوني، ولذا فإن استمرار هذا المسار ينذر بتصعيد محسوب، تفرضه طبيعة الصراع، وتحدده قدرة الأطراف على فرض وقائع جديدة على الأرض.

وفي هذا الإطار، يبدو أن الكيان الصهيوني هو الطرف الأكثر قلقاً، في ظل إدراكه أن أي خطأ في الحسابات قد ينقل المواجهة إلى مستوى لا يملك أدوات السيطرة عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *