دوليات

مجلس السلام الأمريكي لغزة: مخاوف دولية من انقلاب ناعم على نظام الأمم المتحدة ومؤسساتها

بقلم ابتسام الشامي

ما هو مجلس السلام

اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصة مؤتمر دافوس الدولي للإعلان عن مجلس السلام الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر إخراج القطاع المدمر من دائرة الصراع مع العدو، وفصله عن قضيته الأم، في ما يشبه الترتيبات الأمنية والأدارية التي أقرها اتفاق أوسلو لإخراج الضفة الغربية من الصراع وتحويل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى أجهزة تقوم بمهمة تصفية العمل المقاوم.

على أن المجلس الذي ينطلق من مشروع إعادة إعمار غزة ضمن خطة تمتد حتى عام 2035 يتجاوز القطاع الصغير المساحة إلى العالم، سواء من خلال جذب رؤوس الأموال الدولية للاستثمار في إعادة البناء، أو في تحويل المجلس إلى نسخة جديدة من مجلس الأمن الدولي يكون من شأنه النظر في قضايا دولية أخرى، بما يعني عملياً مصادرة دور الأول. وهو ما أشارت إليه بوضوح مسودة ميثاق المجلس التي وصفته بأنه “منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع”. وبما يستجيب لشخصية ترامب النرجسية ورغبته في السيطرة على العالم والتحكم بمصائر دوله وشعوبه، فإن المجلس الذي يصبح رسمياً بمجرّد موافقة ثلاث دول أعضاء على ميثاقه، يتولى الرئيس الأمريكي رئاسة المجلس مدى الحياة، فضلاً عن كونه العضو الوحيد المسمى بالاسم، وبين يديه وضعت حصرية تعيين الأعضاء وإقالتهم وإصدار القرارات من دون تصويت، إضافة إلى تحديد جدول الأعمال والتصرف بالصندوق المالي للمجلس بلا رقابة.

وعلى الرغم من أن النسخة الأولى من مشروع مجلس السلام التي رحب بها مجلس الأمن الدولي قبل نحو شهرين ركزت على غزة، إلا أن ميثاق النسخة الجديدة، لم يأت على ذكر القطاع لا بالمعنى الجغرافي بوصفه جزءاً من الأراضي الفلسطينية، ولا بالمعنى الإنساني من حيث معاناة الفلسطينيين  بفعل الحرب الإسرائيلية وما ارتكبه العدو من مجازر وتدمير ممنهج، وبالتالي فإن ما خرج به الميثاق تحديداً في النقطة المتعلقة بالسعي لحل النزاعات في أنحاء العالم، يشير بوضوح إلى أن أهداف المجلس الانقلاب على دور الأمم المتحدة وما يتفرّع منها من مؤسسات. وإذا كانت الأخيرة قد انبثقت عن توازنات الحرب العالمية الثانية ونتائجها فمن الواضح أن الرئيس الأمريكي يحاول الاستثمار بنتائج الحرب الإسرائيلية المفتوحة في المنطقة منذ عام 2023 حتى قبل أن تضع أوزارها، مستعيضاً عن التوازنات الدولية لحجز مقاعد في المجلس بشرائها بمبلغ مليار دولار. علماً أن ميثاق مجلس السلام قد نص على أن “كل دولة عضو تتمتع بولاية مدتها القصوى ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، قابلة للتجديد من جانب الرئيس. ولا تسري هذه الولاية التي تبلغ ثلاث سنوات على الدول الأعضاء التي تدفع أكثر من مليار دولار نقداً إلى مجلس السلام خلال السنة الأولى التي تلي دخول الميثاق حيز التنفيذ”.

وخلال الإعلان الرسمي عن المجلس على هامش منتدى دافوس الدولي، كان الرئيس الأمريكي واضحاً في التعبير عن الأهداف الحقيقة لإنشائه. قائلاً خلال مراسم التوقيع بحضور عدد من قادة وممثلي دول العالم، إن لديه القدرة على أن يكون مجلس السلام “واحداً من أكثر الهيئات تأثيراً التي جرى إنشاؤها على الإطلاق”، مضيفاً أنه “يشعر بالفخر” لرئاسته المجلس.

دول تشكك وتعارض

وفي الوقت الذي عبر الرئيس الأمريكي عن نشوته بوجود عدد كبير من الدول الراغبة في الانضمام إلى المجلس، أبدى مسؤولون في عدد من الدول الوازنة تحفظه إزاء توسيع نطاقه خارج إطار غزة. وفي هذا السياق، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن القادة الأوروبيين قد ينضمون إلى مجلس السلام الذي اقترحه ترامب إذا اقتصر نطاق تركيزه على غزة. وأضافت “نريد العمل من أجل ‌السلام في الشرق الأوسط، ونريد أن يقتصر عمل مجلس السلام هذا ‌على قرار مجلس الأمن التابع ‌للأمم المتحدة كما كان متوقعا.. إذا اقتصر الأمر على غزة فحينها يمكننا العمل على ذلك”.

بدورها قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية من دافوس “لن نكون أحد الموقعين اليوم لأن ‌الأمر يتعلق بمعاهدة ‌قانونية تثير ⁠قضايا أوسع بكثير، ولدينا مخاوف أيضاً حيال أن يكون ‌الرئيس بوتين جزءاً من شيء يتحدث عن السلام”.

وفي فرنسا صرح المتحدث باسم وزارة ⁠الخارجية الفرنسية بأن باريس لن تنضم إلى المجلس لأن ميثاقه لا يتّسق مع قرار الأمم المتحدة المتعلق بخطة إنهاء الحرب في غزة، فضلاً ​عن أن ‌بعض بنوده تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وقال المتحدث باسكال كونفافرو للصحفيين إن المجلس “‌ليس متوافقاً من جهة مع التفويض ‌الخاص بغزة ⁠الذي لم يرد ذكره أصلاً، ومن ناحية أخرى فإن ‌في هذا الميثاق عناصر تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة”.

وإلى الشكوك البريطانية والمعارضة الفرنسية عارضت السويد والنرويج وإيطاليا الانضمام إلى مجلس السلام.

وفي الوقت الذي أعلن الرئيس الأمريكي أن نظيره الروسي فلاديمير ​بوتين قبِل دعوته للانضمام إلى مبادرة مجلس السلام الهادفة إلى تسوية النزاعات العالمية، سارع بوتين إلى نفي ادعائه، مؤكداً أمام مجلس الأمن الروسي أن ‌وزارة الخارجية لا تزال تدرس المقترح وسترد عليه في الوقت المناسب. وقال الرئيس الروسي إن تحويل الأموال من أصول بلاده المجمدة إلى “مجلس السلام” ممكن تماماً، مشيراً إلى أنه قد يبحث إمكانية ذلك مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ونقل تلفزيون “RT” الروسي عن بوتين خلال استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو، إن “مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنشاء مجلس السلام تهدف في المقام الأول لحل الوضع في قطاع غزة”.

وعلى الرغم من توجيه دعوة أمريكية للصين للانضمام إلى المجلس إلا أن الأخيرة لم تحدد موقفها بعد حيث قال متحدث باسم الخارجية الصينية إن بكين تلقت دعوة من الجانب الأمريكي. وبينما أعلنت سنغافورة أنها لا تزال “تدرس الدعوة”، قال رئيس الوزراء الاسترالي أنتوني ألبانيزي إن حكومته “لم يكن لديها الوقت لدراسة الطلب”.

وأخرى توافق وتنضم

وإذا كانت قائمة الدول المتحفظة حتى الآن على الانضمام إلى المجلس طويلة، شهدت دعوة الرئيس الأمريكي استجابة سريعة من عدد من الدول، لاسيما تلك الدائرة في الفلك الأمريكي، وفي مقدمها دولة الاحتلال الاسرائيلية والأرجنتين والمجر، كما أعلنت دول عربية وإسلامية موافقتها على الانضمام لمجلس السلام، من بينها السعودية ومصر وقطر والإمارات والبحرين والمغرب وتركيا وإندونيسيا وباكستان.

وإلى تلك الدول شكرت ألمانيا الرئيس الأمريكي على دعوته للانضمام إلى مجلس السلام، وقالت إن ‌ستدرس المساهمة التي يمكن ‌أن ⁠تقدمها من أجل تحقيق هدف التوصل إلى حل دائم للصراع في غزة. وأوضح متحدث باسم الحكومة الألمانية أن الحكومة لا تتفق مع المخاوف من أن المجلس الذي ‍يشكله ترامب يمكن أن يقوض الأمم المتحدة.

خاتمة

ما ظهر من ميثاق مجلس السلام وما يصبو اليه على المستوى الدولي، يمكن اعتباره بداية في مسار يتصور ترامب وفريقه المساعد بالقدرة على الوصول به إلى خواتيمه، أما بتوسيع نفوذه ليطال قضايا دولية أخرى، أو ربما استبدال النظام الحالي للأمم المتحدة. وفي هذا المسار تشكل غزة لإدارة ترامب قاعدة الانطلاق لكنها لن تكون الوجهة الأخيرة، إلا من ناحية إخراجها من ثوبها الفلسطيني العربي وتحويلها إلى جغرافيا منفصلة عن تاريخها، لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال واستثماراتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *