الإعلام العربي بينَ الرّغبة والواقع الحَقيقي السقوط المدوي في مستنقعات التضليل والتحريض
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
كثير ممن يتنطّعون على الشاشات والمحطات الفضائية وحتى على مواقع التواصل المنتشرة بكثرة في عالمنا العربي – ويسمون أنفسهم “محللين استراتيجيين وخبراء عسكريين” – يفتقدون للخبرة والرصانة والاختصاص العلمي، ويغلب عليهم الفكر الرغبوي، كما ويعمي أبصارهم وبصائرهم الحقد الطائفي والأيديولوجي والقناعات المسبقة الحاضرة بقوة في كل ما يقدمونه من تحليلات خنفشارية ورؤى ظنية آنية بعيدة عن منطق التحليل العلمي والموضوعية والقراءة الاستراتيجية العميقة..
إنها ظاهرة حقيقية وواضحة للعيان في داخل هذا المشهد الإعلامي العربي والإسلامي عموماً، ويمكن تفصيلها في النقاط التالية:
- مشكلة غياب الخبرة الحقيقية:
كثرة المنصات الإعلامية ووسائل التواصل والشاشات الفضائية، سهّلت ظهور أي شخص يمتلك قدرة على التلفيق والكلام أو يملك متابعين، ليصبح “خبيراً” بين ليلة وضحاها. ولكن الاستراتيجية العسكرية والتحليل السياسي الجاد ليست ساحة ولا مجالاً للهواة أو للمتابعين المتحمسين الممتلئين بالرغبة والعاطفة والأفكار المعلبة المسبقة. إن الإعلام الجاد والتحليل الحقيقي للأحداث حقل تراكمي يحتاج إلى سنوات من الدراسة الأكاديمية المتخصصة، وخبرة عملية في مؤسسات بحثية أو عسكرية، واطلاع عميق على قضايا التاريخ والجغرافيا والعلوم السياسية والعلاقات الدولية.
- هيمنة “الفكر الرغبوي” بديلاً عن التحليل الموضوعي:
وهذا هو جوهر المشكلة. فالتحليل العلمي يبدأ بسؤال: “ما الذي يحدث ولماذا، وما دوافعه وخلفياته؟”، وينتهي بتوقع قائم على معطيات ملموسة راهنة أو استشرافية بناء على حقائق قائمة ووقائع منظورة.. أما التحليل الرغبوي فيبدأ بنتيجة مسبقة يرغب فيها المحلل (مثلاً: انتصار حتمي لطرف على آخر)، ثم يبحث عن مبررات ومعطيات جزئية تدعم هذه الرغبة، ويتجاهل كل ما يناقضها. طبعاً هذا ليس تحليلاً، بل هو “تمنٍّ” أو “ادعاء” سياسي أو حتى بروباغندا” سياسية.
- تأثير الأيديولوجيا والحقد الطائفي:
للأسف، القنوات الفضائية ووسائل التواصل العربية أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية والمذهبية التاريخية الفئوية الضيقة. إذ تجد أنّ كثيراً من هؤلاء “المحللين!!” يأتون إلى الشاشة وهم محمّلون بأحكام (دينية أو فكرية أو عقدية) مسبقة، وكراهية عميقة لأطراف دون أخرى. هذه العدسات الملونة تجعلهم غير قادرين على رؤية الحقائق كما هي. فهم يقرأون أي حدث من زاوية ضيقة جداً لا تخدم سوى روايتهم المسبقة، ويقدمون للمشاهد صورة مشوهة محرّفة تزيد من التحريض والاستقطاب، ولا تقدم صورة حقيقية ولا فهماً ووعياً حقيقياً.
- التحليل الخنفشاري” والرؤى الظنية الآنية:
إن ما يقدمه هؤلاء غالباً ما يكون عبارة عن انطباعات لحظية، أو قراءة سطحية للأخبار العاجلة، أو “ترقيعاً” لمواقف سابقة خاطئة، أو حتى محاولة طمس الحقائق والتحريض على الناس والمجتمعات.. بما يفتقر إلى العمق الاستراتيجي الذي ينظر إلى المتغيرات البعيدة المدى، وحلقات السبب والنتيجة، وتحليل القوى الفاعلة ومصالحها الحقيقية. إنه مجرد “خنفشار” إعلامي يملأ فراغ البث، ويخلق ضجة مؤقتة دون أن يضيف قيمة معرفية حقيقية.
إن المشكلة ليست في وجود آراء مختلفة، بل في انتحال صفة الخبير، وتقديم رؤى ذاتية متحيزة على أساس أنها حقائق علمية يأتي الإعلام العربي ليسهل مرورها إلى وعي المشاهدين الذي يفتقر كثير منهم للوعي والمقدرة على تمييز الغث والسمين.. ليسهم هذا في تضليل الرأي العام، وبناء وعي زائف لديهم، ويسهم بقوة في سوء فهم تعقيدات الصراعات السياسية والعسكرية، وتشويه خلفياتها ودوافعها..
إن المسؤولية هنا تقع على الإعلام الذي يستضيف هؤلاء، وعلى الجمهور الذي يجب أن يكون أكثر وعياً وتمييزاً بين من يقدم تحليلاً رصيناً ومن يقدم أمنياته وأحكامه المسبقة. خاصة وأن الإعلام العربي يمثل واحداً من أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الوعي الجمعي لملايين الناس.. لكنه للأسف ما زال يعاني من فجوة هائلة بين الرغبة المشروعة في أن يكون رسالة تنوير موضوعية حقيقية وبين الواقع المرير الذي جعله في كثير من الأحيان أداة هدم وتشويه لا أداة بناء وتوعية، وآلة تضليل لا توجيه..
نعم، إن هذا الإعلام مستمر في السقوط المدوي في مستنقعات التضليل والتحريض، وهذا الإخفاق ليس مجرد سقطة مهنية، بل هو انهيار أخلاقي وفكري متواصل، تكشف عنه الأحداث المتلاحقة التي نمر بها، وهذا له تداعياته الخطيرة على الأمن الاجتماعي والوحدة الوطنية والوعي العام. وبالعودة قليلاً إلى الوراء، فقد راودت النخب العربية أحلام تأسيس إعلام حرٍّ مسؤول، يُعبِّر عن تطلعات الشعوب، ويُعلي قيم الحقيقة والموضوعية، ويكون جسراً للتواصل الحضاري لا حاجزاً من الكراهية وبوقاً للتحريض والفتنة. لكن هذا الحلم اصطدم بواقع مرير: إعلام تابع للسلطة تارة، وللأجندات الخارجية تارة أخرى، وللمصالح الخاصة تارة ثالثة. وبالنتيجة ولد إعلام عربي مشوه منذ بداياته الأولى، فاقد للبوصلة الأخلاقية والمسؤولية العملية، ليتحول إلى ساحة حرب مكشوفةـ حيث تُذبح الحقائق على مذبح الإثارة والانحياز.. ويصبح أخطر مظاهر هذا السقوط متمثلة في ظاهرة التضليل الإخباري المتعمد والمقصود.
حيث لم يعد الجمهور العربي يتعامل مع الشاشات والمواقع الإلكترونية بوصفها نوافذ على الحقيقة، بل أصبح يتوجس منها كخنادق للتضليل والتشويه كما قلنا. ففي كل أزمة عربية كبرى، من الحروب إلى الثورات، كان الإعلام العربي في قفص الاتهام: بعض القنوات تبث خبراً، وأخرى تنفيه، وثالثة تحرفه، لدرجة أن المواطن أصبح حائراً بين روايات متناقضة، يائساً من الوصول إلى أية حقيقة موضوعية. هذا التضليل لم يعد مجرد أخطاء مهنية، بل تحول إلى سياسة منهجية تخدم مصالح ضيقة لدول معروفة بصلاتها مع أجندات ومشاريع خارجية مضادة لقضايا العرب والمسلمين، وعلى حساب مصلحتهم العامة.
ولا يقل التحريض خطراً عن التضليل، بل ربما يفوقه ضرراً.. فقد حوّلت بعض وسائل الإعلام العربية شاشاتها إلى منابر للكراهية الطائفية والمذهبية والقبلية. وتحت شعارات براقة مثل “فضح المؤامرات” أو “كشف الخونة”، صارت التحريضات المباشرة وغير المباشرة وقوداً للحروب الأهلية والصراعات الداخلية.
فقد تعلمنا من تجارب لبنان والعراق وسوريا وليبيا واليمن كيف يمكن للإعلام المحرِّض أن يكون أكثر خطراً وفتكاً من السلاح والمدافع، لأنه يضرب في عمق النسيج الاجتماعي، ويحول الجار إلى عدو، والصديق إلى خصم، والوطني إلى “خائن” بمجرد اختلافه في الرأي. واليوم نشاهد على ما يقوم به هذا الإعلام ذاته من بث الفتنة بين العرب والإيرانيين على خلفية الحرب العدوانية التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني على إيران ولبنان، إذ بدت البغضاء والكراهية تخرج بلا أي خجل من أفواه وألسنة كثير من أولئك المحللين، على كثير من تلك الشاشات والفضائيات المفترض فيها أن تكون ساحة للحوار الموضوعي والحيادية والوعي والحكمة، والمسؤولية في نقل الأخبار وتحكيم العقل وحسن الجوار ودرء الفتن ومنع التحريض والإثارة الفتنوية..
لكن للأسف – وهنا تكمن المفارقة المأساوية – هذا إعلام عربي يرفع شعار إيجابي لكنه يفعل عكسه، في سلوكه اليومي، حيث يزرع بذور الفرقة والتشرذم.. إعلام يدّعي الدفاع عن القضايا العادلة، لكنه يمارس أقبح أشكال التغطية الانتقائية التي تبرر الظلم إذا وقع من طرف محسوب، وتضخم الخطأ إذا صدر من طرف آخر.. ليصبح المشاهد العربي ضحية لحرب روايات لا تنتهي، حيث كل قناة تقدم “حقيقتها المطلقة” التي هي في جوهرها رواية مشبوهة.
ولا يمكن إغفال دور المصالح السياسية والاقتصادية في تعميق هذا الانحدار.. إذ أن معظم وسائل الإعلام العربية مملوكة مباشرة للحكومات، أو لأشخاص مقربين منها، أو لأطراف إقليمية تسعى لتمرير أجنداتها ومشاريعها.. وهذه التبعية جعلت الإعلامَ أداةً بيد السلطة القائمة وفواعلها الموازية التابعة لها، يفقد معها أي استقلالية أو قدرة على النقد الذاتي وإظهار الحقائق كما هي. وفي المقابل، برز إعلام “معارض” لا يقل انحيازاً واستقطاباً، فتحول المشهد الإعلامي العربي إلى مرآة مشوهة للصراعات السياسية، تعكسها بشكل مبالغ فيه وتضخمها إلى درجة المرض الجماعي.
أما التحريض، فيأخذ أشكالاً متعددة: تارة بلغة العنف الصريحة، وتارة بالتوظيف المقيت للدين، وتارة باللعب على أوتار القومية الضيقة، وتارة بخلط الأوراق وقلب الحقائق.. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات العربية التي تعرضت لحملات تحريضية ممنهجة استغرقت عقوداً لإعادة بناء نسيجها الاجتماعي، بل إن بعضها لا يزال يعاني من جروح غائرة لم تندمل. لقد كان الإعلام العربي في لحظات تاريخية فارقة، مثل الغزو العراقي للكويت، والحرب الأهلية اللبنانية، والربيع العربي، (وحالياً العدوان على إيران) شاهداً ومحركاً وفاعلاً في آن واحد، لكنه خرج من هذه التجارب مثقلاً بالخطايا المهنية والسقطات الأخلاقية.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف السبيل إلى الخروج من هذا المستنقع؟ هل ننتظر أن تنهض وسائل إعلام عربية فجأة إلى مستوى المسؤولية؟ أم أن الأمر يحتاج إلى ثورة حقيقية في مفهوم العمل الإعلامي، تبدأ من مراجعة أخلاقية جذرية، وصولاً إلى إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية، وتدريب الأجيال الجديدة على قيم الحياد والنزاهة والموضوعية؟ لا شك أن الإجابة تكمن في الخيار الثاني، لكنه خيار طويل وصعب، يتطلب إرادات سياسية شجاعة، ومجتمعات مدنية فاعلة، وضغوطاً شعبية متنامية تطالب بإعلام يليق بعظمة الشعوب العربية وتاريخها.
في الختام، يبقى الأمل معقوداً على جيل جديد من الإعلاميين العرب الذين أدركوا حجم الكارثة، ويعملون بصمت وإخلاص على محاولة تقديم نموذج مختلف. نموذج يجعل من الحقيقة هدفاً، ومن المهنية طريقاً وسبيلاً، ومن خدمة المجتمع غاية. أما إذا استمر الإعلام العربي في مستنقع التضليل والتحريض وبث الكراهية، فإنه لن يكون مجرد أداة فاسدة، بل سيصبح ما يرتكبه جريمة ضد الشعوب العربية وحقها في المعرفة والتنوير والوئام الاجتماعي. وقد صدق الشاعر حين قال: “أخطر من عدوٍ يغزو بلادكم… جيش من الأقلام تبني له رايات“.
