إقليميات

ماذا حصد السودانيون خلال ثلاث سنوات من الحرب الأهلية.. المجاعة وجرائم الإبادة؟

بقلم توفيق المديني

من النتائج الكارثية لهذه الحرب بين الإخوة الأعداء قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد “الدعم” محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي”، اللذين اختلفا سياسياً قبل أيام من بداية هذه الحرب العبثية، أنَّها دفعت نحو 14 مليون سوداني إلى الفرار؛ لا يزال 9 ملايين منهم نازحين داخل السودان بينما عبر 4.4 ملايين شخص آخر الحدود إلى الدول المجاورة، لا سيما مصر. ونتيجة لذلك، أصبح أكثر من 21 مليون سوداني يواجهون حالياً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، من بينهم 6.3 ملايين يعيشون في أشد الظروف قسوة، وهو ما أدى إلى تصنيف أزمة السودان أكبر الأزمات الإنسانية في العالم حسب الأمم المتحدة.

ماهي أبرز دوافع هذه الحرب؟

كان البرهان وحميدتي يشكلان جبهة واحدة عندما نفذا الانقلاب على الحكومة في 25 أكتوبر 2021، إلا أنَّ الصراع بينهما ظهر إلى العلن خلال الشهور الأخيرة وأخذ في التصاعد. ولا يزال البرهان ودقلو على خلاف حول من سيتقلد منصب القائد العام للجيش خلال فترة الاندماج التي ستمتد عدة سنوات. وتقول قوات الدعم السريع إنَّ القائد ينبغي أن يكون الرئيس المدني للدولة، وهو ما يرفضه الجيش. فالصراع الحقيقي هو صراعُ على السلطة بين القائدين، من أجل وراثة حكم الدكتاتور عمر البشير العسكري، الذي استمر لمدة ثلاثة عقود حتى تمت الإطاحة به بعد أشهر من اندلاع الانتفاضة الشعبية في عام 2019.

لقد ظل الجيش السوداني لعقود طويلة الطرف الممسك بزمام السلطة في البلاد، وبعد الانتفاضة الشعبية بعامين، عاد قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتنفيذ انقلاب جديد واضعاً بذلك حداً لاتفاق أُبرم في أغسطس/آب 2019، وافق بموجبه الجيش على تقاسم السلطة مع مدنيين ريثما يتم إجراء انتخابات. لكنَّ ذلك الترتيب تعطل فجأة نتيجة انقلاب برهان العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 وما تلته من احتجاجات حاشدة مطالبة بالديمقراطية في أنحاء السودان. وعلى أثر الانقلاب أصبح الجنرالات يسيطرون بشكل شبه تام على السودان، ما أدى لبروز خلاف قديم بين الجيش و”قوات الدعم السريع” التي ساهمت بدورها في الإطاحة بعمر البشير.

وتفاقم الوضع بإقدام “الدعم” في 13 إبريل 2023 على نشر قواتها داخل العاصمة الخرطوم وعدد من مدن الولايات. وأصدر الجيش السوداني بياناً في اليوم نفسه قال فيه إن البلاد تمر بمنعطف تاريخي وخطير وتزداد مخاطره بقيام قيادة “الدعم السريع” بتحشيد القوات داخل العاصمة وبعض المدن من دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو مجرد التنسيق معها، “مما أثار الهلع والخوف في أوساط المواطنين، وفاقم من المخاطر الأمنية، وزاد من التوتر بين القوات النظامية”.

تأزم الوضع أكثر بحلول 6 سبتمبر/أيلول 2023 حين أصدر رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان قراراً قضى بحل قوات الدعم السريع. وجاء القرار حسب نصه استناداً على تداعيات تمرد هذه القوات على الدولة والانتهاكات الجسيمة التي مارستها ضد المواطنين، والتخريب المتعمد للبنية التحتية بالبلاد.

في ذلك الوقت، كانت القوى الوطنية و الديمقراطية -قوى الحرية والتغيير السودانية – متخوفةً من أن يصبح السودان “مسرحا لحرب بالوكالة”، نظراً لارتباط طرفي الصراع بعدة قوى إقليمية ودولية لديها أجندات في البلاد، تسعى لتعظيم مكاسبها. فأمريكا تواجه منافسة من لدن كل من الصين، التي قدمت الدعم لمشاريع بالموانئ وخطوط السكك الحديدية، وروسيا التي واصلت استراتيجيتها الخاصة لبناء نفوذ لها لدى قادة الدول الأفريقية الضعيفة.

وفضلاً عن ذلك، أنَّ لغة البنادق لم تكن حلاًّ لأي من مشاكل السودان سابقاً. ويعكس الصراع العسكري على السلطة في السودان، فشلاً ذريعاً لعملية الانتقال الديمقراطي في السودان، حيث كانت القوى الديمقراطية المدنية تطالب بإجراء انتخابات ديمقراطية رئاسية وبرلمانية، من أجل تأسيس دولة مدنية جديدة.

إنَّ الشراكة في الحكم التي كانت قائمة بين البرهان وحميدتي مبنية على تقويض وتأخير وعرقلة انتقال السودان إلى حكم مدني ديمقراطي. فقد سعى الاثنان إلى التهرب من المساءلة عن الجرائم التي تعود إلى الإبادة الجماعية في دارفور، لا سيما المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 120 متظاهراً غير مسلح في حزيران/ يونيو 2019. وفوق كل شيء، استند ترتيبهم إلى الفهم المشترك بأنَّ الجيش السوداني لن يخضع أبداً للمساءلة المدنية.

كما أنَّ أميري الحرب – (البرهان وحميدتي) المبني على الازدراء المشترك لتطلعات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية وتعددية، مرتبطان وتابعان للقوى الدولية الغربية والإقليمية التي تدعم الحكومة الانتقالية المدنية – العسكرية؛ يشهد على ذلك انتهاجهما نهج التبعية للغرب، ودعمهما لاتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

وبعد الإطاحة بعمر البشير، شرع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في محادثات لتقديم الدعم المالي، فيما سعت السلطات الانتقالية إلى استقطاب الاستثمارات الغربية. لكن ذلك اصطدم بصخرة انقلاب البرهان في العام 2021، حيث قام العديد من المانحين بتجميد الميزانيات المرصودة لدعم السودان، ما ترك الحكومة التي يقودها الجيش أمام معضلة سد ثقب الميزانية. ويقع السودان ضمن أفقر الدول بالعالم، حيث أتى في المرتبة 170 من بين 189 ضمن مؤشر التنمية لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة.

مجازر قوات الدعم السريع في السودان

انبثقت “قوات الدعم السريع” مما يُسمى مليشيا الجنجويد المسلحة، التي كانت تقاتل نيابة عن الحكومة السودانية في عهد الرئيس الأسبق، عمر البشير، خلال الحرب في دارفور مع بداية الألفية(2003)، واستخدمها نظام عمر البشير الحاكم آنذاك في مساعدة الجيش في إخماد التمرد ضدَّهُ. وكانت بداية ظهور قوات الدعم السريع، في 2013، وهي مليشيات شبه عسكرية مكونة من قوى الجنجويد، وتتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في تلك الفترة، ناهيك عن استخدامها في قمع المعارضين واضطهادهم.

تُعرّف قوات “الدعم السريع” نفسها على أنَّها “قوات عسكرية قومية التكوين تعمل تحت إمرة القائد العام، بهدف إعلاء قيم الولاء لله والوطن، وتتقيد بمبادئ القوات المسلحة”، مشيرة إلى أنها تعمل بموجب “قانون أجازه المجلس الوطني في عام 2017”.

 ويقدر محللون عدد “قوات الدعم السريع” بنحو 100 ألف فرد لهم قواعد وينتشرون في أنحاء السودان، ويقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” ويشغل في الوقت الحالي منصب نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الحاكم (ثاني أهم منصب بعد البرهان). وبدءاً من 2015، شرعت “قوات الدعم السريع” مع الجيش السوداني في إرسال قوات للاشتراك في الحرب في اليمن، ما سمح لحميدتي بإقامة علاقات مع دول خليجية، لا سيما مع دولة الإمارات.

وعلى الرغم من أنَّه كان يحظى بثقة البشير، شارك حميدتي عبر “قوات الدعم السريع” في إبريل/ نيسان 2019، في الانقلاب الذي أنهى ثلاثة عقود من حكم عمر البشير. وكان من بين بنود التسوية السياسية التي طرحها الجيش لتقاسم السلطة واحد يتعلق بدمج “قوات الدعم السريع” في الجيش. وعن ذلك أوضحت صحيفة “واشنطن بوست”، أنَّ “قوات الدعم السريع” لديها تراتبيتها وثروتها ومصالحها التجارية الخاصة، وبالتالي كان سيؤدي دمجها إلى فقدانها لاستقلالها. وأضافت أن ذلك بالنتيجة بمثابة صفعة قوية لحميدتي، الذي يقال إن لديه مطامح رئاسية وبنى علاقات وثيقة مع روسيا خلال السنوات الأخيرة.

تقاسم السيطرة على ولايات السودان

تدخل اليوم الحرب الأهلية في السودان عامها الرابع، وسط تقاسم الجيش و”الدعم السريع” السيطرة على ولايات البلاد الثماني عشرة، بانتشار أوسع وتقدم ميداني للجيش الذي يحكم قبضته على الولايات الشرقية المتمثلة في ولايات البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف وسنار، والولايات الشمالية متمثلة في نهر النيل والشمالية، بجانب ولايات الوسط على رأسها الخرطوم، والنيل الأبيض والجزيرة، وأجزاء واسعة في ولاية شمال كردفان جنوب وسط البلاد، وسيطرة على معظم إقليم النيل الأزرق جنوباً، إلى جانب أجزاء من ولايتي جنوب وغرب كردفان.

 في المقابل، تسيطر “الدعم السريع” من جانبها على ولايات إقليم دارفور الخمس غرباً، ما عدا أجزاء من ولايتي شمال دارفور وغربها حيث يسيطر الجيش والقوات المساندة له من الحركات المسلحة على عدد من المناطق، بعضها قريب من الحدود التشادية. كما تسيطر “الدعم” على أجزاء من جنوب كردفان، ومعظم ولاية غرب كردفان ومناطق صغيرة في النيل الأزرق.

وانقسمت الساحة السياسية جراء الأزمة الناتجة من الحرب، إذ شكل الجيش دائرته السياسية المكونة من الأحزاب الداعمة له والحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانبه. وقرر البرهان في 19 مايو 2025 تعيين أستاذ القانون والخبير السابق بالمنظمات الدولية كامل إدريس رئيساً للوزراء، والذي قرر بعد أدائه القسم حل الحكومة القائمة في 1 يونيو 2025 وشكل حكومة جديدة، بتعيين الوزراء على دفعات. بينما جمعت “الدعم السريع” حولها مجموعة أخرى من الأحزاب والشخصيات السياسية والحركات والمليشيات المسلحة الموالية لها، وشكّلت حكومة موازية في 26 يوليو 2025، اتخذت من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور غرباً مقراً لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وفي جانب آخر تكتلت بعض الأحزاب والكيانات المدنية والسياسية الداعمة للحكومة الانتقالية التي أسقطها الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 برئاسة عبد الله حمدوك، وشكلت تحالفاً سياسياً خارج البلاد ينادي بإنهاء الحرب ومحاسبة أطرافها وتسليم السلطة للمدنيين.

التدخلات الإقليمية والدولية في السودان

لا يخفي السودانيون اليوم تخوفهم من ملامح المرحلة القادمة وعما ستحمله لهم من مفاجآت على المستويات الاجتماعية والأمنية والسياسية. فالسودان أصبح معرضاً لكي يصبح مثل ليبيا أو اليمن ساحة مهيأة لانتقال صراع المحاور الاقليمية إليها.. ويقول بعض النشطاء في الحراك الشعبي السوداني أنَّ بعض الدول الإقليمية تخشى انتقال الاحتجاجات إليها وهذا ما دفعها للبحث عن دور جديد لها في الأزمة الدائرة … والمعلوم أنَّ نظام البشير تربطه علاقات قوية بتركيا وحلفائها الإقليميين وهذا ما دفعه إلى الموافقة على إهداء جزيرة سواكن على البحر الأحمر إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: فكانت من أهم مطالب الحراك السوداني إلغاء عشرات الاتفاقيات التي “تسمح باستغلال تركيا للأراضي السودانية عسكريا واقتصاديا لخدمة الأتراك فقط”.

يرى المراقبون للشأن السوداني أنّ الجيش السوداني ليس جيشاً محترفاً يعمل تحت سقف قيم الجمهورية كما هو الحال في الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية، بل إنّ الرئيس المخلوع البشير عمل على إضعافه عبر إنشاء مليشيات قوية التسليح، ضخمة العدد، تعمل قوةً موازية له، يقودها الفريق دقلو، الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس المجلس العسكري الذي سوف يتولى، مع الحكومة المدنية، إدارة الفترة الانتقالية.

 وعلى الرغم من أنَّ دقلو انحاز إلى الحراك الشعبي تكتيكياً، وأبعد عنه خطر مليشيات النظام، فإنّ وحدات من قواته تشارك في القتال في اليمن إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات. وكان لافتاً إعلان المجلس العسكري، ممثلاً برئيسه الفريق البرهان، التزامه اتفاقية مشاركة الجنود السودانيين في حرب اليمن، على الرغم من المعارضة الشعبية المتزايدة لهذا الأمر..

في ضوء العلاقة الواضحة بين محور الإمارات والسعودية وبعض عناصر المجلس العسكري في السودان، يرى المراقبون أنَّ القوى الإقليمية والدولية ليست معنية ببناء تجربة وطنية وديمقراطية ناجحة في السودان، بقدر ما هي معنية بنظام عسكري يصون مصالحها الاستراتيجية في هذا البلد العربي الإفريقي، الذي يحتل موقعاً مهماً في منطقة القرن الإفريقي.

يمثل السودان مَطْمَعاً للسعودية والإمارات والكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، بسبب احتياجاته المتزايدة للمساعدات المالية، إذ تصاعدت طيلة عام 2020 الاتصالات بين الإمارات ومجلس السيادة الانتقالي بالسودان لدفع الخرطوم لاتخاذ موقف أكثر مرونة وسرعة في اتجاه التطبيع، مع التعهد بحوافز مختلفة من الإمارات والكيان الصهيوني، تتمثل في مساعدات اقتصادية وفنية كبرى، في مجالات الري والزراعة والموانئ واستكشاف البترول والغاز الطبيعي.

وكانت أحد الدوافع الأساسية للإمارات للإقدام على هذه الخطوات التحفيزية، استمرار مزاحمة السعودية في منطقة شرق أفريقيا والبحر الأحمر، وتقليص نفوذها الإقليمي، ذلك لأنَّ معظم المشاريع الكبرى التي تروج مصر لها، كمستقبل للشراكة بينها وبين السودان والطرف الصهيوني، سيكون للسعودية دور أساسي بها.

خاتمة

حاولت الأحزاب السودانية المعارضة لحكم العسكر في البلاد، خوض معركتها من خلال “عضلات” الحراك الشعبي، متجاهلةً أنّ التحرر من بنية النظام السابق، يحتاج إلى ثورة حقيقية تكون لديها مرجعية فكرية وثقافية وسياسية، ولديها قيادات سياسية تتمتع باكاريزما والرؤية الاستراتيجية، إضافة للحوامل الطبقية والاجتماعية.

المؤكّد أنَّ المعارضة الديمقراطية في السودان المقصية من التمثيل في كلّ المؤسّسات التشريعية والتنفيذية للنظام السابق، سيدفعها هذا التهميش التاريخي  حتماً إلى حدوث تغييرات جوهريّة في هذه الأحزاب: أوّلاً على مستوى قياداتها عبر صعود جيلٍ جديد إلى الصفوف الأمامية يحلّ مكان القيادات التقليدية التي ظلّت تهيمن عليها منذ أكثر من أربعين عاماً، كذلك على مستوى إعادة بناء هياكل الأحزاب التنظيمية والانتقال بها إلى صيغٍ تتلاءم أكثر مع التطوّرات التي شهدها المجتمع السوداني، وأخيراً على مستوى تغيير استراتيجيتها السياسيّة من خلال العودة إلى مسار “الانتفاضة الشعبية” كطريقٍ من أجل إحداث تغييرٍ حقيقيّ في السودان، لأن الأجيال الجديدة في الأحزاب أصيبت بالإحباط كنتاجٍ لفشل تجربة التداول السلمي على السلطة وكبح التحوّل الديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *