الميدان يفرض شروط إنهاء الحرب.. ويعيد تشكيل مفاوضات واشنطن وطهران
بقلم زينب عنان زراقط
لُبنان روح إيران… الجنوب اللبناني هو نقطة الفصلِ… والميدان الذي تُسطَّر فيه ملاحم المواجهة، وحده من يصنع المعادلات… وكما قال الرئيس اللبناني – المقاوم – السابق إميل لحود: “التفاوض الحقيقي الذي يفهمه العـدوّ يحصل في بنت جبيل وغيرها من البلدات الجنوبيّة”..
وليس كما تتنازل الحكومة الحالية ورئاسة الجمهورية وتضع يدها بيد الإسرائيلي وتصافحه، ولبنان تحت النار، والمواطنون يسقطون بالمئات، والمجاهدون على الأرض يتصدّون للتوغلات والإنزالات وأي محاولة تقدم. والرئاسة اللبنانية تتكلم باسم جيش العدو الإسرائيلي، ومن بعد كل ما عاناه لبنان من هذه الحرب في محاولة إسرائيلية لاجتياحه واحتلاله، وقد حالت المقاومة الإسلامية دون وقوع ذلك. يريدون إسقاط الدرع الذي يحمي لبنان، ويريدون نزع سلاح “حزب الله”!.
العينُ على الميدان الذي كلما صرخ فيه الإسرائيلي متألماً، أوعز إلى ترامب كي يُهدّئ من حدة الصراع والتوجه إلى الهدنة.. ما يزال الإسرائيلي يُعاند كي يجني مكسباً ما ليُبرّئ نتنياهو نفسه أمام مستوطنيه، ولكنه كالعطشان الذي يبتلع ماء البحر.
في مُفاوضات مباشرةٍ ما هي إلا مُناوشات يُعاونون فيها الإسرائيلي لإيجاد منفذ يخرج منه دبلوماسياً على أن لا يقول: “انهزمنا في الميدان أمام جنود حزب الله” مرةً، وانهزموا مرةً أخرى أمام شعب المقاومة الأبي الصامد الذين تهجّروا من بيوتهم، وقُتل أبناؤهم، وهُدمت بيوتهم وأرزاقهم، وما هانوا ولا وهنوا ولا تراجعوا عن خط المقاومة.
ومن الجهة الأخرى ترامب الذي حشد آلاف الجنود في الشرق الأوسط وعشرات السفن ومئات من طائرات الشحن، وعلى الرغم من ذلك لم يجرؤ على القيام بأي عمل عسكري على الأرض فيه مواجهة مباشرة، وكل التهويلات حول القيام بعملية إنزال واحتلال جزر مثل “خرج” كلها من أوهام العظمة.
تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تصاعداً ملحوظاً في التوترات السياسية والعسكرية، في ظل تعقّد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد التباينات بين واشنطن وتل أبيب. وتتداخل هذه التطورات مع ملفات حساسة، أبرزها الوضع في لبنان، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ودور القوى الإقليمية المختلفة، ما يجعل المشهد العام مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التهدئة المؤقتة والانفجار الواسع.
هذا المشهد يطرح أمامنا عدة أسئلة: هل يعكس الأداء الميداني في الجنوب اللبناني تحولاً فعلياً في ميزان الردع مع إسرائيل؟ إلى أي مدى يعكس التعثر في بنت جبيل أزمة بنيوية في القدرة على الحسم العسكري؟ هل يشكّل “التفاوض تحت النار” أداة لفرض شروط سياسية أم غطاءً لتفادي الاعتراف بالإخفاق؟ ما طبيعة التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل: خلاف مرحلي أم بداية تصدّع استراتيجي؟ هل تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الصراع أم إلى إدارته واستثماره؟ إلى أي حد يمكن أن تنجح الوساطات الإقليمية، وخصوصاً الدور الباكستاني، في تحريك الجمود التفاوضي وما موقع لبنان في هذه المعادلة: ساحة مواجهة أم ورقة تفاوض؟.
أولاً: المشهد الإقليمي والدولي – بين التصعيد العسكري وإدارة الاحتواء
تُظهر المعطيات الميدانية والسياسية أن المنطقة تعيش حالة شدّ حبال معقّدة بين التصعيد والاحتواء، حيث لم يعد القرار السياسي منفصلاً عن الميدان، بل بات انعكاساً مباشراً له. فكلما ارتفع منسوب الضغط العسكري على إسرائيل، برزت محاولات لفرض تهدئة مؤقتة، ليس انطلاقاً من رغبة حقيقية في إنهاء الصراع، بل بهدف إعادة ترتيب الأوراق ومنع الانهيار الكامل في معادلة الردع.
في هذا السياق، بدا واضحاً أن إسرائيل تحاول إدارة المعركة وفق مبدأ “التفاوض تحت النار”، وهو ما تأكد في نتائج اجتماع المجلس الوزاري المصغر – الكابينت -، الذي انتهى دون إقرار وقف إطلاق النار على الرغم من الضغوط الأمريكية. وقد عكس هذا القرار تمسكاً بخيار التصعيد، سواء من خلال رفض هدنة مؤقتة، أو عبر الاستمرار في العمليات العسكرية، لا سيما في بنت جبيل، التي تحوّلت إلى نقطة اختبار حقيقية لقدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق إنجاز ميداني.
وعلى الرغم من الحشد العسكري الكبير، الذي شمل آلاف الجنود وقوات نخبوية وسيطرة جوية كثيفة، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق اختراق حاسم في هذه المنطقة، ما يعكس فجوة واضحة بين التفوق العسكري النظري والواقع العملياتي على الأرض. هذا التعثر الميداني يضع القيادة الإسرائيلية أمام مأزق داخلي، ويدفعها إلى البحث عن أي مكسب معنوي يمكن تقديمه للرأي العام، حتى لو كان محدود التأثير.
في المقابل، يظهر الموقف الأمريكي أكثر حذراً وتعقيداً. فعلى الرغم من الحشود العسكرية الكبيرة في المنطقة، لم تقدم واشنطن على خوض مواجهة مباشرة، ما يعكس توجهاً لتجنب الانخراط في حرب واسعة ذات كلفة عالية. ويُفهم هذا السلوك في إطار محاولة إدارة الصراع لا حسمه، عبر استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري غير المباشر، خصوصاً في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز.
أما على صعيد العلاقة مع إيران، فتبدو المفاوضات في حالة جمود نسبي، إذ انتهت الجولة الأولى دون نتائج ملموسة، وسط حديث عن شروط أمريكية غير واقعية، مع استمرار الطرح لجولات جديدة، ما يشير إلى أن العملية التفاوضية تُستخدم كأداة لكسب الوقت أكثر من كونها مساراً جدياً للحل. وفي هذا الإطار، تستمر باكستان بتحركاتها الدبلوماسية كونها الطرف الوسيط، من خلال إرسال وفد رفيع إلى طهران لنقل رسائل أمريكية والمساهمة في التحضير لجولة تفاوضية جديدة، وهو ما يعكس تذللاً في المطالب الأمريكية ورضوخ واشنطن للشروط طهران من بعد بلوغ الأحداث الأمنية ذروتها في الجنوب اللبناني وفقد الإسرائيلي زمام السيطرة وفشله الفادح بعمليته المزعومة “الظلام الأبدي” والتي تحولت إلى “وهم أبدي.”.
بالتوازي، يستمر التوتر في مضيق هرمز كأحد أبرز عناصر الضغط، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود اقتصادية على حركة الملاحة، في مقابل سعي إيران إلى تثبيت نفوذها في هذا الممر الحيوي. وفي ظل هذه المعادلة، تفضّل قوى دولية مثل روسيا والصين اتباع سياسة حذرة، تقوم على تجنب الانخراط المباشر، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
إجمالاً، يمكن القول إن المشهد الإقليمي محكوم بتوازن دقيق بين التصعيد المحسوب ومحاولات الاحتواء، مع استمرار تطوير القدرات العسكرية لدى مختلف الأطراف، ما يجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً لتحويل التوتر إلى مواجهة أوسع.
ثانياً: لبنان في قلب المعادلة – بين ضغوط التسوية وتعقيدات الداخل
في خضم هذه التوازنات، يقف لبنان في موقع بالغ الحساسية، حيث يتقاطع الضغط الخارجي مع الانقسام الداخلي، ما يجعله ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية ودولية متعددة. ويبرز هذا الواقع بشكل واضح في الجدل الدائر حول مسار التفاوض مع إسرائيل، خصوصاً في ظل اعتبار “التفاوض المباشر” أداة تُستخدم لإطالة أمد الحرب، عبر منح إسرائيل غطاءً سياسياً لمواصلة عملياتها العسكرية تحت عنوان التفاوض.
في المقابل، يُنظر إلى وقف هذا النوع من التفاوض كوسيلة لسحب إحدى الأوراق الأساسية من يد إسرائيل، ودفعها نحو القبول بمسار تفاوض غير مباشر يهدف إلى وقف إطلاق النار دون الانتقال إلى مراحل سياسية أوسع مثل التطبيع أو التسويات الشاملة.
داخلياً، يتسم المشهد اللبناني بانقسام حاد في الرؤى بين الرؤساء السياسيين والمقاومة التي تدافع عن الأرض. وفي صلب هذا الانقسام، يبرز ملف سلاح حزب الله كأحد أكثر القضايا حساسية. فبينما يُطرح خارجياً كشرط لأي تسوية سياسية، يُنظر إليه داخلياً، كعنصر أساسي في معادلة الردع، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي أظهرت هشاشة الضمانات الدولية.
كما تُطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التنازلات الممكنة في أي مسار تفاوضي، سواء ما يتعلق بالموارد الطبيعية، أو بالترتيبات الأمنية، أو حتى بالسيادة على بعض المناطق. ويزداد هذا التعقيد في ظل غياب موقف وطني موحّد، قادر على تحديد خطوط حمراء واضحة في مواجهة الضغوط الخارجية.
من جهة أخرى، وعلى المدى المنظُور، تسعى الولايات المتحدة إلى استثمار الوضع اللبناني ضمن رؤيتها الإقليمية الأوسع، سواء عبر طرح مشاريع اقتصادية، أو من خلال الدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة، قد تشمل توسيع دور القوى الدولية أو إعادة توزيع موازين النفوذ داخل البلاد. إلا أن هذه المقاربات تصطدم بواقع داخلي معقد، حيث يصعب تمرير أي تسوية لا تحظى بحد أدنى من التوافق السياسي والشعبي.
ختاماً، تمر المنطقة بمرحلة إعادة تشكّل عميقة، حيث يتداخل الميدان مع السياسة، وتُفرض المعادلات تحت ضغط الوقائع. فإسرائيل تواجه تحديات في تحقيق الحسم، والولايات المتحدة تسعى لإدارة الصراع دون الانخراط فيه بشكل مباشر، فيما تواصل إيران تعزيز موقعها ضمن توازنات إقليمية متغيرة.
أما لبنان، فيبقى ساحة مركزية في هذا المشهد، بين منطق المواجهة ومنطق التسوية، في ظل انقسام داخلي وضغوط خارجية متزايدة. وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل المنطقة مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتحدد وفق توازن دقيق بين القوة العسكرية والقدرة على إدارتها سياسياً. وتبقى كلمة الفصل للميدان.
