الحصار وتوسيع الحرب: كيف تعيد واشنطن إنتاج الفوضى عبر تفجير الممرات الاستراتيجية؟
بقلم د. محمد الايوبي
في التحليل البنيوي للسياسة الخارجية الأمريكية، لا يمكن فهم التصعيد الجاري في الخليج والبحر الأحمر بوصفه مجرد رد فعل على سلوك إيراني، بل يجب قراءته ضمن إطار أوسع من إدارة القوة العالمية عبر التحكم بالممرات الحيوية، وإعادة إنتاج الأزمات بوصفها أدوات لإعادة تشكيل النظام الدولي.
ما يجري اليوم ليس استثناءً، بل امتداد لنمط متكرر: خلق اختناق استراتيجي في نقاط العبور الأساسية، ثم إدارة تداعياته بما يخدم توازنات القوة.
في هذا السياق، يشكل إعلان الحصار البحري على إيران، ومحاولة فرض وقائع جديدة في مضيق هرمز، خطوة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتلامس قلب النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمر نحو 20% من صادرات الطاقة العالمية عبر هذا المضيق. لكن الأهم، أن هذا التحرك لا يحدث في فراغ، بل في بيئة إقليمية مشبعة بالقوى غير الدولتية، القادرة على توسيع رقعة الاشتباك خارج حسابات الدول الكبرى.
الممرات الاستراتيجية كأداة للهيمنة
منذ عقود، شكلت الممرات البحرية – من مضيق هرمز إلى باب المندب – أدوات مركزية في إدارة الهيمنة العالمية. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب، بل بالقدرة على التحكم بتدفق التجارة والطاقة. في هذا الإطار، يصبح الحصار البحري على إيران محاولة لإعادة تعريف من يملك حق الوصول إلى هذه الشرايين الحيوية.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً بنيوياً: فهي تفترض إمكانية السيطرة على الممرات دون تفجيرها. في الواقع، أي محاولة لإخضاع مضيق هرمز بالقوة، تعني عملياً إدخاله في حالة عدم استقرار دائم، ما يفتح الباب أمام ردود فعل تتجاوز إيران نفسها.
وهنا يظهر البعد الأكثر خطورة: انتقال الصراع من كونه مواجهة محدودة إلى كونه تهديداً للنظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
أنصار الله وتفكيك مركزية الصراع
دخول “أنصار الله” على خط المواجهة لا يمكن فهمه كتحرك تكتيكي محدود، بل كجزء من إعادة توزيع أدوات الردع لمحور المقاومة. فالجماعة التي نجحت سابقاً في تعطيل ميناء إيلات بنسبة تصل إلى 85% خلال مرحلة الإسناد لغزة، أثبتت قدرتها على التأثير في ممرات بحرية حيوية، على الرغم من محدودية مواردها مقارنة بالدول.
هذا التحول يعكس واقعاً جديداً: لم تعد السيطرة على الممرات حكراً على القوى الكبرى، بل باتت عرضة لتدخلات فاعلين غير تقليديين، يمتلكون أدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، مثل الصواريخ والمسيّرات.
وفي هذا السياق، يصبح باب المندب – الذي يشكل مع هرمز ما يقارب 35% من حركة التجارة والطاقة العالمية – نقطة ضغط موازية، قادرة على مضاعفة تأثير أي تصعيد في الخليج.
ثلاثة مسارات لتوسيع الحرب
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن تدخل أنصار الله قد يتخذ ثلاثة مسارات رئيسية، لكل منها تداعيات تتجاوز الإطار الإقليمي.
1. تعطيل الممرات البحرية
المسار الأول يتمثل في تكثيف العمليات في البحر الأحمر وباب المندب، حيث تمتلك الجماعة خبرة متراكمة في استهداف السفن وتعطيل الملاحة.
في حال تفعيل هذا المسار بالتوازي مع الحصار على هرمز، فإن النتيجة ستكون: (تعطيل جزء كبير من التجارة العالمية، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل، كذلك إدخال الاقتصاد العالمي في حالة صدمة مزدوجة). هذا السيناريو لا يهدد دولة بعينها، بل يضرب البنية التحتية للعولمة نفسها.
2. استهداف البنية التحتية للطاقة
المسار الثاني يتعلق باستهداف منشآت الطاقة في الخليج، خصوصاً في السعودية والإمارات. هنا تبرز أهمية خط أنابيب “شرق-غرب”، الذي تبلغ طاقته نحو 7 ملايين برميل يومياً، منها 5 ملايين مخصصة للتصدير. هذه الكمية تمثل ما يقارب نصف الفجوة العالمية في العرض والطلب، المقدرة بنحو 11 مليون برميل.
أي تعطيل لهذا الخط أو لمنشآت التصدير في البحر الأحمر، يعني عملياً: (انهيار التوازن في سوق الطاقة، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، كذلك انتقال الأزمة من مستوى إقليمي إلى أزمة عالمية شاملة).
3. توسيع الحرب برّاً
المسار الثالث، وهو الأكثر خطورة، يتمثل في احتمال انتقال المواجهة إلى الأراضي السعودية، سواء عبر ضربات صاروخية أو حتى سيناريوهات تدخل بري.
المؤشرات على هذا المسار تشمل: (استحضار نحو 13 ألف جندي باكستاني، وتعزيزات جوية دفاعية، كذلك استعدادات لسيناريو خروج المواجهة عن السيطرة).
هذا التطور يعكس إدراكاً بأن الحرب، إذا توسعت، لن تبقى محصورة في البحر، بل ستتحول إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات.
لكن هذه المسارات، إذا تفاعلت بشكل متزامن، لا تبقى مجرد سيناريوهات منفصلة، بل تدفع نحو مستوى أكثر خطورة من التصعيد. وهو سيناريو الحرب الإقليمية المفتوحة: ففي حال فشل مسارات الاحتواء والتفاوض تحت الضغط، يبرز سيناريو الانفجار الإقليمي بوصفه الامتداد الأكثر خطورة للتصعيد الراهن، حيث تتحول المواجهة من إطارها الثنائي بين واشنطن وطهران إلى صراع متعدد الجبهات يتداخل فيه العسكري بالاقتصادي على نطاق واسع. في هذا السياق، لن تبقى إيران ساحة المواجهة الوحيدة، بل ستُفتح مسارح عمليات متزامنة تمتد من الخليج إلى العراق ولبنان، مع تفعيل أدوار الفاعلين غير الدولتيين، وتصاعد استهداف الممرات الحيوية للطاقة والتجارة، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. هذا السيناريو لا يقتصر على كونه تصعيداً عسكرياً، بل يمثل إعادة تشكيل قسرية لمعادلات الردع في الإقليم، حيث تتراجع قدرة الأطراف على ضبط الإيقاع، وتصبح احتمالات الانزلاق غير المحسوب أكثر ترجيحاً، خصوصاً مع دخول قوى دولية على خط حماية مصالحها الاستراتيجية. وفي هذه الحالة، تتحول الحرب من أداة ضغط إلى دينامية مفتوحة يصعب احتواؤها، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على استقرار النظام الدولي، وليس الإقليمي فحسب.
إعادة تشكيل التحالفات تحت ضغط الطاقة
في ظل هذه السيناريوهات، لا يمكن تجاهل العامل الدولي. فمحاولة فتح مضيق هرمز بالقوة، ستدفع نحو تشكيل تحالف دولي – يضم ما لا يقل عن 30 دولة – لحماية الملاحة. لكن المفارقة أن هذا التحالف، إذا واجه إغلاقاً موازياً في باب المندب، سيضطر إلى توسيع نطاق عملياته، ما يعني: (عسكرة أوسع للممرات البحرية، ودخول قوى جديدة إلى الصراع، كذلك تصاعد خطر المواجهة المباشرة بين قوى كبرى). وهنا يتحول الصراع من نزاع إقليمي إلى أزمة نظام دولي.
“إسرائيل” وتعدد الجبهات
في الحسابات “الإسرائيلية”، يمثل تدخل أنصار الله إضافة نوعية إلى بيئة تهديد معقدة أصلاً. حتى الآن، تتعامل “إسرائيل” مع الضربات اليمنية بوصفها محدودة، لكنها تدرك أن فتح جبهة البحر الأحمر بشكل كامل، يعني: (استنزاف الموارد العسكرية، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل اليمن، كذلك احتمال خوض حرب متعددة الجبهات، لا تقل خطورة عن المواجهة في لبنان).
كما أن التمدد الاستخباري “الإسرائيلي” في القرن الأفريقي يعكس استعداداً لمواجهة طويلة في هذه الساحة.
من الحرب التقليدية إلى الفوضى الممنهجة
ما يميز هذه المرحلة ليس فقط تعدد الجبهات، بل طبيعة الحرب نفسها. نحن أمام انتقال من حروب تقليدية بين دول، إلى نمط أكثر تعقيداً، حيث تتداخل: (الدول الكبرى، والفاعلون غير الدولتيين، كذلك المصالح الاقتصادية العالمية). في هذا السياق، يصبح مفهوم “الحرب” أقل وضوحاً، بينما تتعاظم “الفوضى” كأداة لإدارة الصراع.
حسابات أنصار الله: بين الاستقلال والتكامل
على الرغم من ارتباط أنصار الله بإيران، تشير المعطيات إلى أنهم يحتفظون بدرجة من الاستقلالية، تميزهم عن بقية حلفاء طهران. هذه الاستقلالية تعني أن قرار الدخول في الحرب لا يستند فقط إلى حسابات إيرانية، بل إلى مصالح خاصة، تشمل: (تعزيز الدور الإقليمي، وتثبيت موقعهم في أي تسوية مستقبلية في اليمن، كذلك استثمار الحرب لإعادة تعريف موقعهم السياسي). لكن في الوقت نفسه، تبقى نتيجة الحرب مرتبطة بمصير إيران: فصمودها يعزز موقعهم، بينما تراجعها يضعفهم.
مقامرة أم استراتيجية محسوبة؟
من وجهة نظر أنصار الله، لا يبدو الدخول في الحرب مقامرة بقدر ما هو “مجازفة محسوبة”. فاليمن، كما يرون، لم يجنِ مكاسب من سنوات الحرب السابقة، ولا يملك ما يخسره في مواجهة جديدة. لكن هذه القراءة تتجاهل احتمالاً أساسياً: أن تتحول الحرب إلى صراع مفتوح تتجاوز تداعياته قدرة أي طرف على التحكم بها.
في المحصلة؛ ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري، بل إعادة إنتاج لنمط من الهيمنة يقوم على تفجير نقاط الاختناق في النظام العالمي، ثم إدارة تداعياتها. الحصار البحري على إيران، ومحاولة فتح هرمز بالقوة، لا يمكن فصلهما عن احتمال إغلاق باب المندب، أو استهداف منشآت الطاقة، أو توسيع الحرب إلى البر.
في هذه البيئة، لا يوجد فاعل يملك السيطرة الكاملة، ولا نتيجة محسومة سلفاً. بل نحن أمام نظام دولي يتجه نحو مزيد من الهشاشة، حيث تتحول الممرات الاستراتيجية من أدوات للتجارة إلى ساحات للصراع.
والأخطر أن هذه الدينامية، كلما تصاعدت، كلما تآكلت الحدود بين الحرب والسلم، وبين السياسة والاقتصاد، ليصبح العالم أمام شكل جديد من الفوضى، لا تُدار من خلال الحلول، بل من خلال الأزمات نفسها.
