دوليات

الحصار البحري الأمريكي على إيران: من محاولة خنق اقتصادها إلى اختناق الاقتصاد العالمي

بقلم ابتسام الشامي

إعلان الحصار

لم تمض أيام قليلة على بدء الولايات المتحدة الأمريكية فرض حصار بحري شامل على الجمهورية الاسلامية في إيران، حتى بانت محدودية قدرة تأثير هذه الورقة في تغيير المعادلات الميدانية بعد أربعين يوماً من الرد على العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك. العدوان الذي افتتح صبيحة الثامن والعشرين من شباط باغتيال قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي وعدد من القادة العسكريين وبسقف عال من الأهداف في مقدمها تغيير النظام السياسي، تواضعت أهداف قادته لتتركز على فتح مضيق هرمز، وتقديم ذلك بمثابة إنجاز كبير وصورة نصر للرئيس الأمريكي المهووس بصناعة صورته. لكن الأبواب الإيرانية في المفاوضات كانت موصدة أمام “الطموحات” الأمريكية، ولأن الكيان الصهيوني لم يلتزم بقرار وقف إطلاق النار على جبهة لبنان أبقت الجمهورية الإسلامية على قرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، قبل أن تنهار جولة التفاوض ويعود المفاوضون أدراجهم.

وبينما كان ترامب وعبر سلسلة من التصريحات المتناقضة يعبر عن فائض غضب من المفاوض الإيراني متوعداً طهران بالإخضاع بالقوة وبمزيد منها، طرح على طاولة إيلام الجمهورية الإسلامية خيار الحصار البحري، مسوقاً إياه بوصفه أداة ضغط قاسية من شأن نتائجها الاقتصادية أن تدفع إيران إلى القبول بشروطه المذلة لوقف إطلاق النار. وفي منشور على منصة “تروث سوشيال” خاصته، كتب الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة ستفرض حصاراً على السفن التي تدخل أو تغادر الموانئ الإيرانية اعتباراً من يوم الاثنين 10 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي، مختتماً منشوره بالقول “شكراً لاهتمامكم بهذا الموضوع”. وفي تصريحات لاحقة أعلن أن حصار موانئ إيران ومضيق هرمز محكم ومتماسك على نحو جيد وقال “بحريتنا تقوم بعمل رائع هناك ونحقق تقدماً كبيراً بهذا الشأن”. وبكلام واضح بشأن الأهداف الحقيقية من وراء الحصار ربطاً بالملف النووي الإيراني، أضاف الرئيس الأمريكي “لن يكون ممكناً السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي، ولو حصل ستكون كل دول العالم في ورطة”.

وفي سياق متصل بتسويق “الإنجاز” أعلن الجيش الأمريكي أنه نجح في فرض حصار بحري على إيران، ما أدى إلى وقف حركة التجارة البحرية من وإلى البلاد. وقال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، في منشور على منصة إكس “يجرى تنفيذ حصار كامل على الموانئ الإيرانية”. وأضاف أن القوات الأمريكية حافظت على تفوقها البحري في الشرق الأوسط، وتمكنت خلال أقل من 36 ساعة من بدء الحصار من إيقاف التجارة المنقولة بحراً مع إيران بشكل كامل. وفي منشور منفصل، ذكرت القيادة المركزية الأمريكية أن مدمرات بحرية مزودة بصواريخ موجهة شاركت في العملية. وأكدت أن الحصار يطبق بشكل غير تمييزي على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر المناطق الساحلية أو الموانئ في إيران.

حدود التأثير مع أوراق القوة الإيرانية

على أن ما ادعاه الأمريكي إنجازاً لناحية فرض الحصار البحري على إيران لا يعدو أن يكون ورقة ضغط محدودة التأثير في الميزان القوى الاستراتيجي المتشكل في ضوء نتائج حرب الأربعين يوماً، لاسيما في ضوء حقائق الجغرافيا الإيرانية التي تفرغ ورقة الضغط هذه من مضمونها. في هذا الإطار، يصف موقع سبوتنيك الحصار بأنه إجراء حاسم، لكنه في ميزان الجغرافيا والتاريخ ليس أكثر من محاولة لحبس الريح في شباك الصيّادين. فإيران، يضيف الموقع الروسي، “ليست جزيرة قابلة للاختناق، بل قارة إرادة اعتادت أن تحوِل الضغط إلى طاقة، والعقوبات إلى خبرة، والتهديد إلى معادلة ردع”. وفي مقاربته لمدى تأثير الحصار في تغيير المعادلات التي أفضت إليها الحرب، يستحضر سبوتنيك مميزات الموقع الجغرافي لإيران، مشيراً إلى أنها تضرب جذورها في عمق زراعي ومائي واسع، حيث تمتد الأراضي الزراعية الإيرانية على مساحة 88 مليون فدان، وتجري في عروقها مياه 30 نهراً دائماً، تغذيها ثلوج 41 ألف قمة جبلية.

الكلفة الاقتصادية للحصار

وإلى المزايا الجغرافية فإن الكلفة التشغيلية المرتبطة بفرض الحصار البحري تضمن بحسب الموقع الاستنزاف لا النصر. مضافاً إلى ذلك “أن غياب التحالف الواسع يجرد الحصار من شرعيته ويحوله إلى فعل أحادي قابل للاختراق، فيما قوى كبرى لن تقبل بخنق إمدادات طاقتها”.

وبينما يحاول الرئيس الأمريكي عبر الحصار البحري دفع إيران إلى فتح مضيق هرمز للحد من ارتفاع أسعار الطاقة فإن الحصار من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية بحسب الخبير في الاقتصاد الدولي والأسواق العالمية جو يرق، الذي رأى في حديث لموقع سبوتنيك الروسي أنه “إذا كان هذا الإغلاق على المدى الطويل وكان إغلاقاً جدياً من قبل أمريكا، في ظل عدم وجود أي مفاوضات وضغوطات إضافية على أسعار النفط، سيؤدي ذلك إلى تسجيل أرقام قياسية جديدة لأسعار النفط، وإذا حصل إغلاق على الموانئ ستغلق بدورها موانئ الخليج، إضافة إلى تهديد الحوثيين بإغلاق باب المندب، وبالتالي هذا السيناريو سيكون كارثياً على الأسواق العالمية”.

وفي مقابلة مع الموقع ذاته، أشار الخبير الاقتصادي الجزائري الدكتور هواري تغرسي، إلى أن “إغلاق المضائق يضرب حركة التجارة العالمية، كونه الرابط الأساسي بين آسيا وأوروبا، لن يتوقف عند حدود الأزمات العابرة، بل قد يؤدي إلى صدمة هيكلية تعيد رسم خارطة الاقتصاد العالمي”. وأوضح تغرسي أن “التغيير القسري لمسار السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن بسبب زيادة مدة الرحلات البحرية بنحو 20 يوماً، ما يرفع تكاليف الوقود والتأمين وكذلك تعطل سلاسل الإمداد، وتأخر وصول السلع الاستراتيجية كالإلكترونيات، السيارات، والمواد الغذائية، فضلاً عن تراجع المداخيل السيادية للممرات التقليدية كقناة السويس”.

وفي سياق متصل بارتفاع كلفة الحصار البحري على الاقتصاد العالمي نسبة إلى جدواها في دفع إيران إلى فتح مضيق هرمز وبالتالي إخضاعها للشروط الأمريكية لوقف الحرب، يشير موقع بلومبرغ الأمريكي إلى أن خطوة الحصار لا تقتصر على الضغط على إيران، بل تحمل مخاطر تعطيل ما تبقى من الإمدادات في أحد أهم الممرات الحيوية، في وقت تراجعت فيه حركة السفن إلى مستويات غير مسبوقة منذ بداية الحرب.

وبحسب الموقع الأمريكي، فإن البيانات تظهر أن حركة السفن عبر المضيق تراجعت إلى أقل من 10 سفن يومياً، مقارنة بنحو 135 سفينة يومياً في الظروف الطبيعية، ما يعكس شللاً شبه كامل في هذا الممر الحيوي. ومن شأن فرض حصار كامل تخفيض الحركة إلى الصفر، ما يعني توقف ما تبقى من تدفقات النفط، وهو سيناريو يحمل تداعيات مباشرة على الأسواق العالمية. وإذ يوضح بلومبرغ أن الهدف الأساسي للحصار يتمثل في قطع تدفقات النفط الإيرانية، التي تمثل مصدراً مالياً رئيسياً، خصوصاً بعد أن استفادت طهران من ارتفاع الأسعار خلال الحرب، يؤكد أن آثار هذه الخطوة لن تقتصر على إيران، إذ “أن الدول الآسيوية ستكون الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة عبر المضيق.. كما أن الحصار قد ينعكس على الداخل الأمريكي، مع تصاعد الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت لا يشكل فيه النفط الأمريكي بديلاً كاملاً لإمدادات الشرق الأوسط”.

خاتمة

مما لا شك فيه أن خطوة الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على إيران بهدف إخضاعها، تترك الكثير من التداعيات على مستوى الاقتصاد العالمي مع تفاقم الضغوط على إمدادات النفط، لاسيما أن تعطُّل الملاحة في مضيق هرمز، يحرم أسواق الطاقة من نحو مليون و800 ألف برميل يومياً كانت تصدرها إيران. ومن شأن استمرار الحصار توسع دائرة تداعياته لتشمل اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية المترنح أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *