فضاءات فكرية

المَركزيّةُ الغربيّةُ حَداثةُ عَقلٍ أداتِي، وعلمَويّةُ عُنفٍ مُتواصِل

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

يمثل الغرب تجمعاً بشرياً، وفضاءً ثقافياً وفلسفياً واسعاً وممتداً في الزمان والمكان، وقد وصلت تأثيراته إلى كل البلدان حتى تلك الواقع بعضها في شرق آسيا.. وقد انطلقت بنيته المعرفية، وتأصلت ورؤيته الكونية والحياتية والعلمية منذ عصر النهضة، بالاستناد إلى خلفيات حضارية تفاعلية وتداولية مع محيطه البشري والجغرافي، وخصوصاً الجانب العربي والإسلامي منه. لكن هذا الغرب – الذي تطور كثيراً في علومه وقدراته الصناعية خلال قرون بعد عصر النهضة – اتجه نحو الغطرسة واستعراض القوة، وسلكَ طرق الإقصاء ورفْض المُختلف، معتزّاً بما يراه خصوصية فيه، في زعمه تفوقه العقلي والعلمي وقدراته الصناعية وتقنياته وتكنولوجياته، ومُطالِباً الجميع بالخضوع والولاء والطاعة، مُستخدماً في سبيل ذلك كل أشكال العنف الرمزي والمادي، وعلى رأسها التوسل بالعنف ومختلف أدوات القوة والصراع المادي.. والملاحظ هنا أنَّ الكثير مِن المؤرِّخين والمفكِّرين أعطَوْا لاحقاً لمفهوم الغرب دلالةً فكريّةً وصفة مفهوميّة نقلته مِن المعنى الجغرافي إلى معنىً آخر جديد، طغَتْ عليه الرؤية الثقافيّة والروح الفلسفية، التي باتت تنظرُ إلى الغربِ مِن منظار كونه واقعاً مفاهيميّاً يتقوّم بمقاصد ثقافيّة وسياسيّة ودينيّة وحداثية، وغير مرتبط بمنطقةٍ جغرافيّة معيّنة كما كان عليه الحال في السّابق، ويتعاملُ مع تلك المقاصد كركائز ثابتة وراسخة تشكّلُ هويّة راسخة للغرب الحديث.. وبهذه النظرة أصبحت اليابان الأسيوية مثلاً جزءاً لا يتجزّأ مِن عالم الغرب وفكر الدول الغربيّة المهيمنة على العالم اقتصادياً وتقنياً؛ باعتبارها إحدى الدول الصناعيّة الكبرى، التي تشكِّل مع كلٍّ من الولايات المتّحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكندا مجموعة السبعة الكبار الذين يتحكَّمون باقتصاد العالم، ويهيمون على مقدّراته وثرواته ومصيره.. وهذا توجُّه فكري وتوسّع إيديولوجي إمبريالي، لا علاقة له بالمكان والجغرافيا، يرتكزُ على ما تقومُ به تلك الإدارات السياسيّة الغربيّة مِن تمكين ذاتها وتأمين مكاسبها، وفرضِ إرادتها ومعاييرها ونظمها الحضاريّة على الآخر غير المنتمي إليها.

وبهذا المعنى، يصبحُ الغربُ صفةً تطلقُ على مجمل هذا المناخ والفضاء “الحضاري – الثقافي” المتشكِّل تاريخيّاً في أوروبا بعد حدوث تحوُّلات سياسيّة وصراعات اجتماعيّة عنيفة عاصفة، أفضَتْ بمجملها إلى خلق تيّارات الحداثة والعلمنة والتنوير الأوروبي، التي أقرَّت وكرّستْ حرّية الفرد المطلقة، وعدم وجود أيّة سلطة مهيمنة عليه سوى سلطته الذاتيّة الضميريّة والعقليّة (المصلحيّة النفعيّة) الخاصّة به؛ أي المناداة بمركزيّة الإنسان التي رسّختها وتمركزت حولها الحداثة وجعلت منه محورًا للكون.. مع اعتماد مبدأ (وعقيدة) العَلْمنة كثقافة ومنهج عملي حيادي تجاه الأديان والطوائف.. وإبعاد الدين عن ساحة الحياة العامّة والفعل الوجودي الخارجيّة، وإرجاعه إلى وضعه الطبيعي السابق كحالةٍ مِن حالات الإيمان الفردي الذاتي، الذي لا علاقة له بمجريات الواقع ومتغيّرات الحياة مِن حوله.. أي إنَّ جوهر الحداثة الغربيّة يتمحور – كما يقول عبد الوهاب المسيري – حول هذا التنميط القسري للواقع بعنصريه الأساسيين (الطّبيعة والإنسان)، وفرْض الأحاديّة الماديّة عليه بهدف إدارته وتوظيفه على أحسن وجه باعتباره مادّة استعماليّة فحسب.

وتقوم المركزية الغربية – أو ما يُسمى أحياناً بـ”حالة الرفعة والسمو الغربي”، أو فكرة أن أوروبا مركز العالم ومحوره – على الاعتقاد بأن الغرب – في حضارته الثقافية وقيمه الفلسفية والمعرفية، وأدواته الصناعية والعسكرية والتقنية الحديثة – يمثل العنصر المتفوق والمعيار الأعلى، وأنه المرجعية النهائية لكل ثقافات العالم وحضاراته ودوله وشعوبه.

وبناءً على ذلك، يُفترض أن تدور كل الحضارات والثقافات “الطرفية” (أو “الصغرى” كما يُصورها هذا المنظور) في فلك الثقافة الغربية، مع كل ما تحمله من أنساق حضارية وخلفيات فكرية ورؤى معرفية تحت مبدأ “مرجعية العقل والعلم”.. ولا يمكنُ تحقيق مصالح هذه الحضارات والبلدان غير الغربية – حتى في حدودها الدنيا – إلا من خلال الخضوع لعقلية الغرب، والرضا بمحوريته وتفوقه في الفكر والقيم والمعرفة، بل وحتى في المبادئ السياسية.

ولتحقيق مصالحها وتكريس هيمنتها وديمومة تفوقها، لجأت الإدارات السياسية الغربية إلى استخدام كل الأدوات والوسائل المتاحة، مشروعة كانت أم غير مشروعة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.

إذن، يرتبط أساس وجود الغرب ومحور حركته بهيمنته وسطوته وعلو كعبه، ولا تتحقق هذه الهيمنة بالسياسة والفكر فحسب، بل بأدوات مادية قوية مثل القوة العسكرية والأمنية والصناعية، وهي مجالات أبدع فيها الغرب إبداعاً كبيراً.

وعند العودة إلى التاريخ، نجد أن الغرب – منذ بداياته الأولى وحتى عصر النهضة – كان يرى، في رؤية سياسية تعكس خلفية مادية بحتة، أن الحياة “البدائية” أو “المتوحشة” دليل على الحياة الطبيعية والأصالة، بل وعلى النجاح أيضاً. وارتبطت هذه الأطروحة بتفسير الثروات الضخمة التي حصل عليها الغرب (من خلال الاستيلاء والاستعمار) دون جهد كبير أو “لعنة العمل”.

ولم تمر أي مرحلة تاريخية غربية دون تأكيد وترسيخ لمقولات العنف والقوة والسيطرة كجوهر لحضوره وفاعليته، وبقائه في الصدارة القيادية الاستفرادية، دون قبول أي منافس أو منازع.. طبعاً والأمر مستمر متواصل إلى يومنا هذا الذي يعود فيه الغرب – بأعلى مظهره الإمبريالي الأمريكي وربيبته دولة الكيان اللقيط – لإشاعة العنف ولغة الصراع وحاكمية القوة والتهديد المباشر، واستعمال الصاروخ والقنبلة، وحاملات الطائرات، وغيرها من أحدث الأسلحة، لإخضاع ما تبقى من الدول والشعوب والحركات النضالية الرافضة له، والمتمردة على قيمه الاستعلائية العنصرية.. ووصل الأمر إلى مرحلة تأصيل العلوم المادية والتصنيع والتطور الهائل في العلوم التجريبية، لتُستخدم كلها في تعزيز فكرة القوة والهيمنة.

ومنذ بداية نهضته الصناعية، انطلقَ الغربُ لفرض سيطرته على بقية العوالم الأرضية، ليس فقط من خلال فكره وفلسفته وقيمه وديانته، بل باتباع رؤية صراعية عنفية أنتجت الحروب والدمار، وعلى رأسها الحربان العالميتان الأولى والثانية، اللتان كلفتا البشرية ملايين الضحايا والخسائر الهائلة في الموارد والثروات. كما فرض رؤية أحادية على العالم تقوم على العنف وآليات الصراع المنظم بهدف الهيمنة والسيطرة.

إنّ العنف والهيمنة والتمييز والاستعلاء والدعوة إلى لغة القوة ليست فكرة حديثة أو عابرة في العقل الغربي، بل هي ثقافة متجذرة عميقاً في الفكر والثقافة الغربيين منذ البدايات، مرتبطة عضوياً بالعقلانية الغربية والمعرفة الغربية والعلوم الغربية. أي أن التفكيرُ الاستعماري العنصري (وما يحركه من نزعة استعلائية تمييزية خطيرة) هو حيِّزٌ معرفيٌّ بنيويٌّ متأصِّلٌ وراسخٌ في فلسفة الغرب ومناهج تفكيره العملية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تصنيف الفيلسوف إيمانويل كانط (1724-1804)م  للحضارات والشعوب الإنسانية وفق مراتب هرمية، يُعد من أهم المراجع التي عززت فكرة تمركز الغرب وتفوقه. فقد صنّف كانط الشعوب حسب القدرات والمواهب على النحو التالي:

في المرتبة الأولى: يضع العرق الأبيض في مقدمة شعوب الأرض، معتبراً إياه يتمتع بجميع المواهب والإمكانيات الفكرية والإبداعية.

في المرتبة الثانية: يرى أن طريقة تفكير الهندي والصيني تتسم بالجمود والتمسك بالموروث التقليدي، وتفتقر إلى القدرة على التجديد والتطوير والابتكار.

في المرتبة الثالثة: يصف الزنوج بأنهم يتمتعون بالحيوية والقوة الجسدية والشغف بالحياة والتفاخر، إلا أنهم عاجزون عن التعلم الحقيقي، رغم قدرتهم على التدريب والتلقين السطحي.

في المرتبة الرابعة والأخيرة: يضع سكان أمريكا الأصليين، ويعتبرهم غير قادرين على التعلم، ويفتقرون إلى الإرادة، بل إنهم ضعفاء حتى في التعبير والبيان.

إن هذا التصنيف الهرمي الصارخ (الخطير) صادر عن إيمانويل كانط، الذي هو أحد أشهر فلاسفة الغرب الحديث وأكثرهم حضوراً وتأثيراً. وبالطبع لم يقتصر الأمر على كانط أو على الفلاسفة الذين شاركوه هذه الآراء، بل ما زال بعض المفكرين المعاصرين يجهرون بأن لا وجود لفلسفة حقيقية خارج الإطار الغربي، وأن الموروث الفكري للشعوب الأخرى لا يعدو كونه مصادفة تاريخية عابرة.

وهكذا فالفيلسوف هيغل (1770-1831 م)، يُذكر دائماً كأحد فلاسفة القوة، على الرغم من مثاليته النظرية. إنه من أبرز دعاة المركزية الأوروبية والعنصرية في الفلسفة الغربية. وهو يرى أن الحضارة ميزة خاصة بالشعوب الأوروبية، نتاج وعيها التاريخي وعبقريتها الإبداعية. ويبالغ في تقدير العرق الجرماني، معتبراً أن “الروح الألمانية” هي روح العالم الجديد، وأن هدفها تحقيق الحقيقة المطلقة كتعبير ذاتي غير محدود عن الحرية. بل يذهب إلى أن الحروب قد تكون الحل الوحيد للخروج من الحالات المستعصية في العلاقات بين الدول. كذلك، نظّر نيتشه (1844-1900م) لإرادة القوة، وأنكر وجود الله، معلناً تمرده على الأخلاق التقليدية والقيم والإنسانية، ومعتبراً الأديان “نُظُماً للرعب”.

هذا النفي لجوهر الوجود وللمعايير القيمية – لدى نيتشه وغيره من فلاسفة غربيين آمنوا بالعنف والقوة والهيمنة كوسيلة لتحقق الذات وتطورها (ولو على حساب الآخر) – أنتجَ بذور الفردانية المتطرفة، وتضخيم الذات ونرجسيتها، وطغيان الفكر الذاتي وشيوع قيم الهيمنة في كل المستويات.. وقد وجدت هذه الأفكار صداها لاحقاً في الوعي الأوروبي والسلوك السياسي لصناع القرار الغربيين، في حربهم ضد بعضهم البعض وضد شعوب وبلدان الأرض الأخرى.

ومن أبرز الفلاسفة الذين ساهموا أيضاً في بناء وتشكيل وتعزيز فكرة “المركزية الغربية”، نيكولو ميكيافيلي، (الفيلسوف والمفكر السياسي الإيطالي) الذي قدم في أطروحته الشهيرة “الأمير”، رؤية واقعية صارمة للسياسة، خلاصتها أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن الغاية تبرر الوسيلة.. وهو بهذا يصر ويؤكد على أن الغلبة والنجاح في الحكم والسيطرة يكونان دوماً من نصيب الأقوياء والأذكياء والدهاة، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة..!!. وأيضاً كان تشارلز داروين، (عالم الطبيعة والجيولوجي البريطاني)، من بين أبرز المفكرين الذين أسهموا بقوة في تعزيز النزعة المادية والصراعية في الفكر الغربي.. فقد قدم هذا العالم الطبيعي في نظريته عن التطور والانتقاء، فكرة أن الطبيعة تفرض على الكائنات عملية انتقاء طبيعي يبقى فيه الأقوى والأصلح، ويندثر فيه الضعيف. وذهب إلى أن بعض الأعراق البشرية لا بد أن تنقرض ليبقى الإنسان “المتحضر” (الساينز) الذي سيكون نتاج الانتقاء الطبيعي القادم.

ووصل الأمر بكارل ماركس، فيلسوف “رأس المال”، إلى أنه اعتبر أن حركة التاريخ محكومة بديالكتيك التناحر والصراع الطبقي الدائم.

أما في الولايات المتحدة، فقد سيطرت الفلسفة الذرائعية (النفعية)، على الرغم من أن كثيراً من المفكرين اعتبروا أن الأمريكيين ليس لديهم فلسفة حقيقية، وإن وُجدت فهي لا تتجاوز “فلسفة التجار”، إذ غلب العقل التجاري على حب الحقيقة.

لقد فرضت هذه الأفكار النخبوية الفوقية معياريتها على الحضارة الغربية كلها، وتجسدت في سلوك العقل الأوروبي العملي بشكل أوضح منذ القرن الثامن عشر. فأصبحت أوروبا “الوسيط للتقدم الكوني” و”السيد المعطاء” الذي يجب على العالم أن يعتمد عليه سياسياً وتكنولوجياً، كما أشار الفيلسوف برتراند راسل.

وكما ذهب المؤرخ أرنولد توينبي، فإن هدف الحضارة الغربية هو جمع العالم الإنساني كله في مجتمع واحد كبير، والسيطرة على كل شيء على الأرض وفي البحار والأجواء، من خلال التقنية الغربية الحديثة.

إنها إذاً عقيدة السيطرة الشاملة، باعتبار الغرب حضارة إنسانية متقدمة راقية ذات محددات ثقافية وأيديولوجية وتاريخية، في مقابل إقصاء الحضارات الأخرى التي لا يبقى لها سوى القبول والامتثال والخنوع أمام المركزية الغربية. ولا يقتصر هذا الامتثال على الضغط الناعم، بل يمتد إلى استخدام العنف المتوحش غير المقيد؛ حتى أن آدم سميث (1723-1790 م)، على سبيل المثال، رَبَطَ نجاحَ أوروبا وتطورها بتمكّنها من “ثقافة العنف” وانغماسها فيها، ووصَف من سماتها “الاستخدام العقلاني المنظم للعنف المتوحش“. كما أكد على ارتباط شبه عضوي بين الظاهرة الاقتصادية وظاهرة الحرب. وهذه العقلية هيمنت على أوروبا والغرب منذ أكثر من قرنين، وربطت بين الاقتصاد والسياسة تحت شعار “المالُ عصبُ الحرب“.

وقد كان أصحاب المال يعتقدون أن التجارة والتوسع التجاري لا يتحققان إلا بالحرب، وأن على الدولة تعزيز قوتها بزيادة احتياطات المعادن الثمينة، سواء بالتجارة أو بالحرب، إذ لا فارق جوهري بين الوسيلتين؛ فالتجارة في نظرهم عمل من أعمال الحرب.. وهذا ما رأيناه ونراه في كل سلوكيات وعلاقات الغرب السياسي والثقافي والصناعي، خصوصاً لدى الغرب الأمريكاني تحديداً الذي صنع قوة عسكرية هائلة، برية وبحرية وجوية تتفوق على العالم كله، كي يُبقي ذاته حاضرة في كل مصالح العالم وأزماته وتعقيداته بما يحقق مطامعه في النهب والسيطرة وإبقاء النفوذ المالي والمادي.. ولنا أن نتخيل ما يجري اليوم من حربٍ عدوانية ضد إيران يقودها ويشنها هذا العقل الغربي الأمريكاني مع ربيبته إسرائيل فقط لاستمرار استعلائيته ونزعته المادية، وهيمنته على موارد المنطقة النفطية والغازية، وتحكمه بمنافذه الجغرافية الحيوية.

إنّنا نعتقد أنّ كل تجارب العالم والبلدان مع هذا الغرب، هي تجارب صعبة ومؤلمة ومكلفة، وهي كلها حصيلة لرؤيةٍ فلسفيّةٍ غربية (عدوانية) تمجّد ذات هذا الغرب، وتستهتر بذاتِ الغير.. نعم: الغربُ غربٌ، ولو طوّقته بالذهب..!!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *