الحياةُ والطّبيعةُ وقانونُ التّوازن الدّقيق لا لنزعةِ الامتلاك والاستغْلال
بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري
عملتُ منذ حوالي ثلاثة عقود بمهنة تربية النحل، وما أزال؛ وهذه ليست مجرد مهنة عادية لها غايتها في الكسب والربح فحسب، مع أنه أمر غير متحقق أو متوفر دائماً وأبداً.. بل هي حقيقة مدرسة حياة كاملة، يمكن أن تمنح المرء وتكسبه الكثير من الصفات، وتعلمه بعض القيم على مستوى وعي تغيرات الطبيعة..
واكتشاف هذا التنظيم الهندسي الدقيق جداً للعمل والتوزيع الماهر له ضمن الخلية وخارجها، والصبر والإخلاص الكاملين في تنفيذ الأوامر والبناء، والمرونة العالية في القدرة على التكيف، وتحقُّق التوازن بين البيئة الطبيعية ومختلف أشكال وأنواع الكائنات الحية، وعلى رأسها نحلة العسل..
نعم، النحل ليس مجرد حشرات صغيرة تطنّ في الجو، بل هو جسورٌ نابضة بالحياة تربط بين النباتات والغذاء ومستقبلنا..
والنحلُ يعيش في أحضان الطبيعة، بين النباتات والأشجار والزهور والغابات، وهذه كلها مصانع للبناء الحياتي المتوازن.. تتكامل طبيعياً وبنيوياً مع بعضها بعضاً بحسب ما ألهمها الخالق العظيم، وأوحى إليها.. إنهم جميعاً منظّمات المناخ، وحراسٌ صامتون لتوازن النظم البيئية التي لا تُعدّ ولا تُحصى..
ويصدق العلم اليوم ما عرفته حِكمُ الأقدمين، من أن الحياة قائمة على شبكةٍ معقدةٍ من العلاقات (الحياة قائمة على الترابط). فكل كائنٍ – والنحل على رأس الرأس – هو عقدةٌ في شبكة معقدة، أو خيطٌ في نسيج الوجود، وإذا ضعف خيطٌ واحد، اهتزت الشبكة كلها. أي أنه لا يقوم كوكبنا على الاستفراد ومنطق التكالب والهيمنة، بل على التعاون والتوازن الدقيق والتبادل الدقيق. وعندما يغفل البشر عن هذه الحقيقة الراسخة، تظهر التكلفة على هيئة اختلالاتٍ جائرة مكلفة تطال الطبيعة والمجتمع والناس جميعاً في كل الأزمان.
وعلى المستوى الروحي، هذه دعوة لتغيير جذري في قيمنا: الانتقال من التملّك إلى الحضور الواعي المسؤول، وإلى الامتلاء من هذا الوجود الرائع الفسيح الذي يسعنا ويكفينا جميعاً..
ونحن نجد كيف أن الكثيرين يلهثون وراء الأمان المادي طوال العمر، ثم يكتشفون أن السلام الحقيقي لا يُشترى، بل يُعاش من خلال الارتباط العميق بالطبيعة، بالآخرين، وبذلك السكون الداخلي الذي لا يُقاس بثمن. فالروح تتعرّف – حتى لو أنكر العقل – على ما هو مقدس.
هذا البعد لا توفره علاقات الناس المادية، بل علاقة الإنسان بالحياة من حوله، وطبيعة تفاعلاته معها على مستوى الوعي والمسؤولية.. فمثلاً حماية النحل والغابات والمياه الصافية النظيفة ليست مجرد عمل بيئي مادي، بل هي في جوهرها، حمايةٌ للذكاء الحيوي الذي يرعى كلَّ حياةٍ على الأرض.. هي تعبير عن الوفاء والإخلاص من خلال الوعي والعمل والاحترام العميق.
والمستقبل الذي نريده هو ذلك الذي ننظر فيه إلى الأرض ليس كممتلكات نقبض على ما فيها، ونستغلها ونجيّرها لنزعاتنا ورغباتنا وشهواتنا، ومحدودية نظرتنا المادية القاتلة، بل كدار مشتركة نتحمّل جميعاً فيها مسؤولية العناية بها والحرص على ما فيها ولديها من قدرات وطاقات وثروات وموارد وإمكانات تحقيقاً للعيش المتوازن وغاية الخلق العادل الكريم.. وهذا الوعي هو بداية الصحوة الحقيقية لنا جميعاً.
وهكذا نجد أنه ولقرون طويلة، حملت الحكمة الشعبية والتقاليد الروحية حول العالم تصوراً شمولياً للحياة، مؤكدة على وحدة الوجود والتوازن الدقيق الذي يحكمه. واليوم، يأتي العلم ليؤكد هذه الرؤية بلغة البيانات والأرقام.
فعلم البيئة يُظهر لنا مثلاً، كيف أن اختفاء أو انقراض نوع واحد من النحل – ذلك الجسر النابض بالحياة – يمكن أن يهدم سلسلة تلقيح كاملة، مهدداً بإفناء أكثر من ثلث غذائنا العالمي..!!. وعلوم المناخ تُحذرنا من أن إزالة الغابات – تلك المصانع الطبيعية للأكسجين التي تنظّم المناخ – ليست مجرد فقدان لمنظرٍ جميل نتفاعل معه بجمالية، بل هي ضربةٌ موجعة للتوازن الحراري لكوكب الأرض، تتفاقم معها موجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وكوارث بيئية خطيرة أخرى.. وكيمياء المياه تخبرنا كيف أنّ تلويث النهر – ذلك العصب الحيوي – هو تسميمٌ مباشر لمصادر شربنا وزراعتنا وصحتنا.
وهذه ليست مشاكل منفصلة، بل هي أعراض لمرض واحد أعمق: هو مرض الانفصال. الانفصال عن إدراك ووعي أننا كائنات مُعتمدة بشكل كلي على أنظمة دعم الحياة الطبيعية، وأن “التقدم!” الذي يهدر رأس المال الطبيعي هو في الحقيقة تخلفٌ وإفلاسٌ وانهيار مُؤجل سنواجهه حتماً.. وكل خيط نهمله –من نحلة إلى شجرة إلى قطرة ماء– هو اهتزاز في شبكة الأمان التي تمسك بنا جميعاً. إن منطق الهيمنة والاستفراد والسيطرة – الذي طالما ظُن أنه سبيل الرقي – يثبت كل يوم أنه طريق وهمي يقود إلى هاوية الاختلال.
فكيف نعالج هذا المرض الجذري؟
تبدأ الإجابة بتغيير ماهية البوصلة الداخلية التي نسير عليها، وإعادة تعريف مفاهيم النجاح والتطور والثراء والتقدم.. حيث أنه قد ساد لعقود نموذج “اقتصاد التملك” القائم على فكرة أن قيمتك في الحياة تزداد بمقدار ما تحوزه وتتملكه.. وأنه تتقدم الأمم بكمية ما تستخرجه وتستهلكه من موارد وثروات.. وللأسف هذا الفهم للحياة والطبيعة ممتلئ بالتضليل والانحراف واللامسؤولية.. وتكمن خطورة هذا النموذج من الوعي الزائف في أنه يحوّل الطبيعة إلى “موارد” و”سلع” و”ممتلكات”، مع تغييبه الكلي لمفهوم الشراكة، وأن الحياة والطبيعة هي “شريك حي” متفاعل و”دار مشتركة” مؤثرة جداً..
هنا وجب القول بأن القيمة لا تقام ولا تُقاس بالامتلاك، بل بجودة الحضور.. أي حضورك الواعي كإنسان في العالم والحياة، ومسؤوليتك تجاه ما حولك، وعمق انسجامك وتكاملك مع دورة الحياة في أشكالها ومفرداتها وتنوعها الهائل.. هو انسجام وتكامل يخبرك بأن الشجرة التي لا تملكها، ليست قيمة زائدة لا جدوى منها، بل أنتَ تستمتع بظلها، وتتنفس من أوكسجينها، وتستلهم من جمالها، أثمن من أي عقار.. ويصبح النهر النظيف الذي تسبح فيه مع أطفالك، ويغذي أراضي مجتمعك، أكثر قيمة من أي منفعة اقتصادية قصيرة المدى قد تأتي من تلويثه.!!.
هذا التحول ليس رفاهية فلسفية، بل ضرورة وجودية. فكما يلهثُ الكثيرون وراء الأمان المادي طوال العمر ليكتشفوا أن السلام الحقيقي لا يُشترى، تلهث المجتمعات وراء النمو الاقتصادي لتكتشف أن الرفاهية الحقيقية تُقوَّضُ عندما يختلُّ الهواءُ والماء والتربة والعلاقات الإنسانية. وأنّ السلام يُعاشُ فقط من خلال طريق وسبيل واحد، هو سبيلُ الارتباط العميق.. ارتباطٌ بالطبيعة من حولنا، ليس كخلفية زخرفية مبهرة، بل كأصلٍ وجودي تكاملي مؤثر ننتمي إليه.. ارتباطٌ بالآخرين، ليس كمنافسين أو أدوات، بل كرفاق في رحلة مصير مشترك.. وارتباطٌ بذلك السكون الداخلي الذي يتعرف – حتى لو أنكر العقل – على قدسية الحياة في كل مظاهرها.
من هذا الفهم الجديد، تتغير دوافعنا وأفعالنا وعلاقاتنا.. حيث أن حماية النحل والغابات والمياه النظيفة لم تعد “أعمالاً خيرية” بيئية أو امتثالاً لتنظيمات قانونية قد لا نحبها ولا نحترمها.. إنها تصبح تعبيراً عن الوفاء.. وفاءٌ للذكاء الحيوي المذهل.. وفاء للخالق العظيم (مُصمِّم هذه الأنظمة المعقدة الراعية للحياة) الذي أودع في الوجود ضوابط ومعايير ونواميس دقيقة وجب احترامها ووعيها.. وفاءٌ للأجيال الماضية التي حافظت على هذا الإرث الحيوي الكبير.. وفاءٌ لأطفالنا والأجيال القادمة الذين لهم حقٌ أصيل في وراثة عالمٍ سليم معافى.. لهم حق في الانتفاع به ومنه..
هذا العمل الوفي هو ممارسة روحية عملية.. إنه الاحترام العملي.. احترام يترجم من خلال الوعي بضرورة تعميق معرفتنا بكيفية عمل الأنظمة الطبيعية ودورنا فيها.. واختيار نمط استهلاك وطاقة ونقل يدعم استدامة الحياة.. وأهمية العمل الجماعي من خلال المشاركة في مبادرات التشجير، حماية المساحات الخضراء، تنظيف الموارد المائية، ودعم الزراعة المتوافقة مع الطبيعة.. والمطالبة بسياسات تحمي البيئة وتضع رفاهية الكوكب والكائنات فوق الربح المالي القصير الأمد..
وعلى هذا الطريق، يصبحُ كل فعل يقدر الطبيعة خيطاً ننسجه مرة أخرى في نسيج الوجود الممزق بأفعال الإنسان وارتكاباته المخلة بالتوازن.. وكل حديقة صغيرة نزرعها بزهورٍ جاذبة للنحل، كل شجرة نغرسها، كل قطرة ماء نحافظ عليها، هي خطاب حب واعتراف بالدَين الذي لا يمكن سداده، لكن يمكن خدمته بامتنان.
إن المستقبل الذي نطمح إليه لا يمكن أن يُبنى على أنقاض العالم الطبيعي.. المستقبل المستدام هو ذلك الذي ننظر فيه إلى الأرض لا كممتلكات نستغلها حتى النضوب، بل – كما قلنا – كدار مشتركة. دارٌ نحن جميعاً – بكل أعراقنا وأجناسنا وأدياننا وانتماءاتنا وخلفياتنا – مستأجرون فيها، وعلينا مسؤولية رعايتها والحرص عليها والعناية بها، وتسليمها لأهلنا القادمين في حالة أفضل مما وجدناها عليها.. هذه الدار ليست ملكاً للبشر وحدهم، بل نحن شركاء فيها مع كل كائنٍ حي، من أصغر كائنات التربة الدقيقة إلى أعظم الحيتان في المحيط.
وعندما نعتمد هذا المبدأ، تتغير مقاييس تقدمنا.. بحيث أنه لم يعد الناتج المحلي الإجمالي وحده كافياً لقياس نجاحنا.. بل تبرز مقاييس جديدة: كمقياس صحة الأنظمة البيئية، ومقياس نقاء الهواء والماء، ومقياس التنوع الحيوي، ومقياس السعادة المجتمعية والعدالة البيئية، ومقياس جودة علاقتنا بالعالم الحي. وعندما نصل إلى مرحلة نقيس فيها نجاحنا برفاهية الحياة ذاتها – وليس بتراكم الأشياء المادية – نتوقف عن مواجهة الطبيعة والصدام معها.. نتحول من موقع المحارب أو المسيطر، إلى موقع الشريك الحكيم والمتواضع، الواعي والمنتج والحاضر..
.. ومن خلال هذا التحول الجذري في الوعي والقيمة، سيبدأ عالمٌ جديد.. عالم أكثر عقلانية وإدراكاً وإنسانية، لأن إنسانيتنا لا تكتمل إلا باحترامنا لشروط حياتنا ومعاييرها البنيوية العميقة، وتقديرنا لجميل شركائنا في الكوكب.. عالم أكثر وعياً، لأن الوعي هو نور يكشف وحدة المصير وروعة الترابط.. عالم أكثر إشراقاً واستلهاماً، لأن النور الحقيقي ينبع من قلب يرى القدسية في النحلة الطنانة المنتجة، والأوراق الخضراء الجميلة، والمياه الصافية الرائعة، وفي كل نفس نتنفسه في هذه الدار الواسعة الرائعة التي تسعنا وتكفينا جميعاً نحن البشر، لو أدركنا أننا أبناءها، وليس أسيادها ومالكوها.. هذه الصحوة ليست خياراً، بل هي دعوة الحياة الأخيرة للعودة إلى التوازن، قبل أن يطال الاهتزاز كل الخيوط، وينهار معها ما تبقى من آدميتنا الإنسانية..!!.
