فضاءات فكرية

رفض النقد في المجتمعات العربية الأسباب والجذور النفسية والثقافية، وسبل الإصلاح الممكنة

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

إن الاعتراف بهذه الحساسية المتعمقة في الذات التاريخية، ليس تخويناً أو تجريحاً أو تشويهاً للسمعة بحسب ما يحلو القول لبعض الساسة والمثقفين وفقهاء السلطان، بل هو خطوة أولى نحو الوعي الذاتي الذي يمكن أن يفتح أبواب التطور.. والنقد الإيجابي ليس عدواناً، بل هو أداة حيوية للبقاء والتقدم في عالم متغير.

تعود جذور الظاهرة (المرض) حقيقة إلى ما يمكن تسميته بثقافة الشرف والعار والجماعية المهيمنة على الذات والموضوع الثقافي والتاريخي.. ففي علم النفس الثقافي، تُصنف كثير من المجتمعات العربية ضمن مجتمعات “ثقافات الشرف والعار”، مقابل “ثقافات الذنب والبراءة” السائدة في الغرب الفرداني. حيث يرتبط الفردُ في الثقافات الأولى، ارتباطاً وثيقاً بالجماعة (العائلة، القبيلة، الطائفة، الجماعة، الحزب، الأمة)، ولهذا يُفهم أي نقد كتهديد للشرف الجماعي وليس كمجرد رأي في سلوك فردي. والشعور بالعار (العيب) ليس فردياً بل يمتد إلى الجماعة بأكملها، مما يجعل الدفاع عن “الصورة” أولوية عليا.

وهذا النمط من التفكير والسلوك الجماعي هو ما يدعم ويعزز التماسك الاجتماعي في بيئات تاريخية قاسية (صحراوية، قبلية، أو تحت ضغط استعماري واستبدادي)، لكنه بالمقابل يمنع المساءلة ويعيق النقد الذاتي. بل ويُرى النقد من زاوية كونه “تشويهاً” أو “تآمراً خارجياً” لإسقاط الذات العلية، خاصة مع تاريخ من الاستعمار والتدخلات الخارجية التي جعلت “الغرب” رمزاً للتهديد والعدوان. والنتيجة تكون رفض تلقائي لأي حديث عن “نقائص” أو ثغرات أو أمراض داخل بنية الجسد العربي، حتى لو كانت إحصائيات عن التعليم أو الابتكار أو حقوق المرأة أو الإدارة العامة.

ومن الناحية النفسية، يرتبط هذا بما يمكن تسميته بالدفاعات النفسية مثل الإسقاط والإنكار. حيث أنه عندما يواجه الفرد أو الجماعة واقعاً مؤلماً مثل (التخلف الاقتصادي، التأخر العلمي والفجوة المعرفية، هيمنة المشكلات الاجتماعية كتفاقم الفقر)، يلجأ إلى الدفاع عن “الهوية” بدلاً من مواجهة المشكلة والوقوف أمام المرض. التربية التقليدية، وهذا التركيز الهوياتي يتطلب الطاعة والاحترام للكبار والسلطة، وهنا يتعزز “الخوف من الخزي الاجتماعي” أكثر من “الذنب الداخلي”، فتصبح المواجهة مع النقد تهديداً وجودياً حقيقياً.

أما من الناحية التاريخية، فقد أسهمت عدة عناصر وعوامل تاريخية في تكريس أجواء رفض النقد، مثل (سقوط الخلافة العثمانية، الاستعمار، تشكل الدول القومية على أساس قبلي أو طائفي، والاستبداد الذي ربط النقد بالخيانة). كما أن بعض التفسيرات الدينية التقليدية التي تؤكد على “الوحدة” و”الجماعة” مقابل “الفرقة”، كانت وما زالت تسهم في منع النقد، بل وتعتبره دافعاً لحدوث فتنة اجتماعية أو غير اجتماعية.. لكن هذا الأمر لم يكن حتمياً ونهائياً؛ لأن التاريخ العربي والإسلامي قدم لنا بعض النماذج الفكرية والدينية التي أعلت من شأن النقد رغم تعرضها للمضايقات التي وصلت حد التهديد الوجودي لها.. فقد شهدنا في التاريخ فترات مهمة من النقاش والاجتهاد والترجمة والابتكار، كان فيها النقد العلمي والفلسفي جزءاً من الثقافة.

ولا شك بأن مجتمعات وحضارات أخرى شهدت خلال مراحل حياتها شكلاً من أشكال رفض النقد والحساسية الهوياتية تجاهه، لكن الفرق بيننا وبينهم هو أن تلك المجتمعات الفردانية طورت مؤسسات راسخة (إعلام حر، أكاديميا نقدية، قضاء مستقل) حولت النقد إلى ممارسة دائمة، وروتين يومي يخدم تقدمها وتطورها على كافة الصعد والميادين.. لكن في المقابل، غياب هذه المؤسسات في كثير من مواقعنا العربية يجعل النقد “شخصياً” و “عدائياً”.

وقد يعتبر البعض أن ثمة إيجابيات موجودة في هذه الثقافة الرافضة للنقد، حيث يتوفر فيها: التماسك الأسري، الكرم، الصمود أمام الأزمات، والولاء.. لكن الواضح من خلال تجربتنا الاجتماعية أنه من دون توازن مع النقد الذاتي، تتحول هذه الإيجابيات إلى جمود وتكلس وانغلاق هوياتي.. والدول التي نجحت في النهوض (مثل سنغافورة أو ماليزيا أو كوريا الجنوبية) اعتمدت على قيادة جريئة فرضت ورسخت “ثقافة الأداء” فوق “ثقافة الصورة”.. وثقافة النقد فوق ثقافة النمط والتقليد الراسخ.

لكن للأسف ثمة جرح مفتوح في ثقافتنا العربية المعاصرة، ما زلنا نعاني ونتوجع منه للأسف، ولا نريد أن نعترف به، وهو كما قلنا، رفض النقد، والحساسية المفرطة تجاه أي كلمة قد تُفهم على أنها تقويم أو توجيه. حيث تحولت هذه الظاهرة ليست عارضة، بل تحولت إلى مرض هيكلي أصاب الفرد والمجتمع، من البيت إلى المدرسة، من العمل إلى السياسة، بل حتى في العلاقات الشخصية الحميمة.

ويتجلى هذا المرض في صور متعددة: الغضب الشديد عندما يُنتقد شخص ما، حتى لو كان النقد بناءً؛ تحويل النقد إلى هجوم شخصي (“أنت تكرهني” أو “تحسدني”)؛ البحث عن نيات المتحدث بدلاً من الاستماع لمحتوى كلامه؛ الرد على النقد بنقد مضاد أو بتذكير المنتقد بعيوبه؛ وأخيراً، مقاطعة المنتقد أو قطيعته.

وفي العمل، يتحول أي اقتراح لتطوير الأداء إلى “تشكيك في الكفاءات”. في المنزل، يصبح توجيه الأهل لأبنائهم معركة نفسية: “أنتم دائماً غير راضين عني”. في السياسة والإعلام، النقد يُعاد صياغته فوراً إلى «مؤامرة» أو “طعن في الوطنية”. والنتائج كارثية: تجمد الفكر، تعاظم الأخطاء الصغيرة حتى تصبح كوارث، تفتت العلاقات، وتخلف المجتمعات عن ركب التطور. لأن أي حضارة تتقدم لا بد أن تمتلك نقداً داخلياً حياً.

ولكن ماذا نصنع لمواجهة هذه الحساسية؟

أولاً، لا بد من إعادة تعريف النقد ثقافياً. فالنقد ليس هدماً، بل هو عملية بناء. ولهذا يجب تعليم الأطفال منذ الصغر أن “النقد هدية، وليس سكيناً”. وأن نقد الفكرة ليس نقداً للشخص. يمكن أن نبدأ بتمارين بسيطة في البيت والمدرسة: “هل تقبل أن يخبرك زميلك بكيفية تحسين لعبتك؟” و”كيف ترد إذا قال لك أحدهم إن رسمتك يمكن أن تكون أجمل؟”. كما يجب بناء ثقافة النقد المؤسسي، من خلال جعل النقد جزءاً من الروتين اليومي على صعي: اجتماعات التقييم الأسبوعية التي تبدأ بالإيجابيات أولاً، ثم مجالات التطوير. ولا شك بأن الخطوة الأهم هنا تكمن في مواجهة الخوف. فكثير من حساسيتنا النقدية تأتي من خوفين: الخوف من رؤية عيوبنا، والخوف من رفض الآخرين لنا بعد النقد.

وأما عن دور الإعلام والتعليم، فلن ينجح أي علاج دون تغيير في خطابنا العام. فوسائل الإعلام تحتاج إلى نماذج لقادة ومشاهير يتقبلون النقد برحابة صدر. والمدارس تحتاج إلى منهج دراسي اسمه “فن النقد وتقبله”، وهو يبدأ من الصفوف الأولى. والأسر تحتاج إلى أب وأم يقولان لطفلهما: “أنا أخطأت، شكراً لأنك نبهتني”.

نعم، رفض النقد عند العرب مرض خطير. لكنه ليس مرضاً عضوياً، بل مكتسب نتيجة ظروف ومناخات تاريخية وتربوية وسياسية، وما دام مكتسباً، يمكن تعلم سلوك جديد. والعلاج يبدأ بجرعة من التواضع، يليها تدريب يومي (فكري سلوكي) على قول “ربما لديك حق”، و”فكرتك مفيدة”، و “شكراً على نقدك”.

إن المجتمعات التي تقدمت لم تتفوق لأن أفرادها معصومون من الخطأ، بل لأنهم تعلموا فكرياً وعملياً أن الخطأ ليس عيباً، بل هو حالة بشرية طبيعية، ومقدمة للحل والوصول للنتائج الصحيحة، ومن لا يخطئ لا يتعلم، والنقد حالة صحية لتجنب الوقوع بالأخطاء، وهو يأتي بهدف التطوير ومراكمة النتائج الإيجابية.. وهو ليس نقيصة، والدفاع عن النفس أمام النقد ليس كرامة، بل هو أحياناً جبن مقنّع.

في النهاية، الدول لا تتقدم بالدفاع عن “الصورة” والنمطية والعادة، بل بمواجهة الواقع بشجاعة ووعي مسؤول، ومساءلة دائمة.. أي بالنقد الإيجابي الذي هو ليس رفضاً للذات، بل حباً لها. وهو أمر يجب ترسيخه ليصبح جزءاً من الهوية بما يجعلنا نقول: “نحن شعوب قادرة على النقد الذاتي لأننا نؤمن بمستقبل أفضل”.

وهذا يتطلب صبراً استراتيجياً، جيلاً بعد جيل، لكن الثمن أقل بكثير من الاستمرار في الجمود والبقاء رهن فكرة أننا فوق النقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *